×
×

وسُمع آخر أذان في إسبانيا… إلى حدود أواخر القرن العشرين! 6\10التاريخ الإسلامي لإسبانيا... من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد (الجزء السادس)

استطاع الملكان فيرديناند وإيزابيلا، أخيرا، أن يحوّلا مدينة غرناطة إلى مدينة نصرانية، كما عرفنا في الجزء الخامس؛ وأصبحت تراودهما، أكثر من ذلك، فكرة تنصير باقي مسلمي إسبانيا.

واجهت الملكان مشكلة أساسية، ذلك أن تنصير السكان شيء، وإبقاؤهم على دينهم الجديد شيء آخر. وإلا، فإلى متى سيظل هؤلاء مسيحيين إذا كانوا سيختلطون بإخوانهم الآخرين ممن احتفظوا بدينهم؟ هكذا، أصبح لزاما منع أي اتصال بين المنصَّرين الجدد في غرناطة وباقي المسلمين خارجها.

قُدمت لمسلمي قشتالة البدائل نفسها التي عرضت على اليهود سابقا. بيد أن الشروط المفروضة، كانت تنتصر أصلا للخيار الأول.

لكنهما، إذا كانا قد استخدما الثورة كذريعة للتنصير الجماعي في غرناطة، فهذه الورقة لا يمكن رفعها في وجه مسلمي قشتالة “المسالمين” الذين يدافعون على التاج النصراني… مع ذلك، أصرت إيزابيلا على استمرارها في هذا العمل المقدس، وعلى إزالة أي سبب يفسد المنصرين الجدد.

وفق كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس” الذي سبقت الإشارة له في الجزء الأول من هذا الملف، فقد قُدمت لمسلمي قشتالة البدائل نفسها التي عرضت على اليهود سابقا؛ أي أن يبقوا في إسبانيا ويعتنقوا النصرانية، أو أن يبقوا على دينهم ويغادروا إسبانيا. بيد أن الشروط المفروضة، كانت تنتصر أصلا للخيار الأول.

اقرأ أيضا: “حزن الظن: كيد شهرزاد”

من بين تلك الشروط مثلا، أنّ من أرادوا الهجرة لم يُسمح لهم بأخذ الذهب والسفر البري عبر أراغون؛ ولم يسمح لهم كذلك التوجه إلى أي بلد إسلامي توجد قشتالة في حرب معه. بل والأدهى من ذلك، لم يكن مسموحا اصطحاب أولادهم الذين تقرر أن يعطوا لعائلات قشتالية كي ينشؤوا على النصرانية.

ما بعد إيزابيلا وفيرديناند

ماتت إيزابيلا عام 1504. بعد ذلك، وفي سنة 1516، توفي فيرديناند بدوره، بعد أن كان قد حكم غرناطة بالوكالة منذ وفاة إيزابيلا. كما توفي ولي العهد فيليب، وهو زوج ابنة إيزابيلا. كان للأخيرة حفيد اسمه شارل، لم يتمم سن الرشد، فوُصي دي ثيسنيروس على العرش لفترة قصيرة، حتى أتم شارل 18 سنة، فتوج ملكا على قشتالة وأراغون، ليعد الأول في سلالة هابسبورغ الحاكمة في إسبانيا.

في هذه الفترة بالذات، أصبح المنصرون المسلمون بقشتالة وغرناطة، يعرفون باسم “المورسكيون”، أي “الأندلسيون الصغار”؛ وهو التوصيف الذي سيصبح سريعا الاسمَ المستخدم لكل مسلمي إسبانيا السابقين.

لم يكن اعتناق النصرانية يتطلب التخلي عن المعتقدات الدينية السابقة وحسب، إنما أيضا إخفاء كل شيء يميزهم عن النصارى.

كرس شارل اهتماما كبيرا لشؤون الدين في إمبراطوريته الشاسعة، فقد تزامن عهده مع واجب استئصال الهرطقة وتكثيف نشاطات محكمة التفتيش، التي اهتمت بالتقارير الواردة من غرناطة وقشتالة. تقارير كانت تقول إن الكثير من المورسكيين لم يقلعوا تماما عن الممارسات الدينية والثقافية للأندلسيين.

هذه الاتهامات أخفقت كثيرا في التمييز بين الجوانب الدينية والثقافية للإسلام الإسباني، لدرجة أن ملابس المورسكيين، نفسها، كانت تؤخذ دليلا على الردة أو السلوك غير الكاثوليكي.

لأول مرة منذ سقوط القوط، سكت الآذان في إسبانيا، ولم يسمع ثانية إلا في أواخر القرن الـ20 مع علمنة الدولة الإسبانية والاعتراف الرسمي بالإسلام.

ثم صدرت، بعد ذلك، سلسلة من المراسيم الملكية لاستئصال الخصائص الدينية والثقافية للمورسكيين. بعد تنصير مسلمي غرناطة وقشتالة، باتت أراغون آخر معاقل المسلمين في إسبانيا، لكن تنصيرها لم يكن أرق؛ حيث تشير العديد من المراجع التاريخية إلى كون مسلميها قد نُصّروا على نحو مأساوي أيضا.

بالنسبة للمجتمع النصراني في القرن الـ16، لم يكن اعتناق النصرانية يتطلب التخلي عن المعتقدات الدينية السابقة وحسب، إنما أيضا إخفاء كل شيء يميزهم عن النصارى. هكذا، تراوحت الآراء في هذا الصدد بين المعتدلة والمتطرفة، بين الإقناع والتبشير والإغراءات والإكراه والاضطهاد.

اقرأ أيضا: “هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية!”

بعد استئصال الإسلام من سطح المجتمع الإسباني، أخيرا حقق الحكام الإسبان بعض الرضى. لأول مرة منذ سقوط القوط، سكت الآذان في إسبانيا، ولم يسمع ثانية إلا في أواخر القرن الـ20 مع علمنة الدولة الإسبانية والاعتراف الرسمي بالإسلام.

هدأت الأوضاع قليلا في العقود الأربعة التالية؛ وبغياب القمع، ظن المورسكيون أن ذلك ترتيب دائم وليس تنازلا مؤقتا، ومنهم من واصل العيش كأندلسي حتى.

على أن ذلك كان نتيجة للتعليم الديني غير الكافي. ولأن كثيرا من الكهنة تركوا مناصبهم واختلسوا الأموال، بل كانت هناك مناطق موريسكية نائية، مرت عليها أشهر دون أن يتواجد فيها كاهن أو ممثل، بعد المعمودية الأولى.

طوال القرن الـ16، كانت قيادات الكنيسة تؤكد مرارا الحاجة إلى توفير التعليم الديني للمورسكيين، لكن الموارد البشرية والمالية لم تكن تُوفر لتؤهل هذه الجهود للنجاح.

مورسكيون مارسوا “التقية”؛ لكن كلما زاد عقاب الحكام الإسبان لهم، زاد تشبثهم بإسلامهم، باعتبار ذلك شكلا من المقاومة والتحدي.

وفيما كان البعض يقول إنه تستحيل هداية المورسكيين إلى النصرانية دون استرضائهم أولا وإزالة الخوف والكراهية والعداوة التي يكنونها للنصرانية، كان التمييز الرسمي الذي يصحبه تعصب وعداء شعبيين، يحرم المورسكيين من أشياء كثيرة.

وفق كتاب “تاريخ الموريسكيين.. حياة ومأساة أقلية”، الذي تمت الإشارة له في الجزء الأول من هذا الملف، فإن تاريخ العلاقة بين النصارى والمورسكيين مأساوي. المشاعر التي كان يكنها المسيحيون والمورسكيون لبعضهم بعضا كانت غالبا ما تتسم بالاحتقار والخوف والبغض. لم تكن هذه العداوة تتجلى باستمرار في الحياة اليومية، ولكنها لم تكن تحتاج إلى أسباب كثيرة لتعبر عن ذاتها بشكل عنيف.

اقرأ أيضا: “حسين الوادعي يكتب: حكاية اسمها التربية الإسلامية”

محكمة التفتيش لعبت دورا مهما في هذه المرحلة، فأعضاؤها كانوا يقولون إن المورسيكيين كانوا دائما يستخفون بالطقوس النصرانية ولا يحترمونها؛ فكانوا يفرضون عليهم غرامات، وكان هؤلاء يتذرعون بالجهل بهذه الطقوس… هذه الغرامات كانت تشكل جزءا كبيرا من دخل المحكمة.

مورسكيون كثر أعملوا الأمر القرآني المعروف بالتقية، الذي يجيز للمسلمين الذين يواجهون اضطهادا بأن ينافقوا، وكلما زاد عقاب الحكام الإسبان، زاد تشبث المورسكيين بإسلامهم، باعتبار ذلك شكلا من المقاومة والتحدي.

التقارير التي كانت تصدرها محكمة التفتيش، أدت إلى إجماع بين رجال الدين ورجال الدولة في إسبانيا، على أن المورسكيين عوملوا بتساهل أكثر مما ينبغي، وأنه لا بد من إجراءات أعنف لتحويلهم إلى نصارى.

هذا التحدي لم يكن علنيا في غالبه، إذ كان المورسكيون يرددون كلام الكاثوليكية ظاهرا، فيما يؤكدون هوياتهم الإسلامية سرا. ومع ذلك، لم يكن من السهل الحفاظ على هذا الرياء، في مجتمع كان من الوارد أن يجد المورسكيون فيه أنفسهم مُبلغا عنهم لمحكمة التفتيش، لمجرد التثاؤب في الكنيسة مثلا.

بعد جلوس فيليب الثاني على العرش، دخلت إسبانيا فترة عاصفة من تاريخها، كانت لها نتائج أكثر درامية على المورسكيين؛ ففي فترة حكمه، اشتد إرهاب محكمة التفتيش، وأدى تصميم فيليب على الكاثوليكية إلى حروب منهكة، زادت من رهاب الأجانب داخل إسبانيا.

اقرأ أيضا: “عبد الإله أبعصيص: شرعية “البنية” أو شرعية القهر؟”

حروب عدة خارجية جرت ضد الدولة العثمانية، إضافة إلى نشاطات قراصنة شمال إفريقيا، كان لها نتائج باهظة الثمن على مسلمي إسبانيا، خصوصا وأن مسؤولي محكمة التفتيش كانوا دائما يبدون نفس الإحباط، إذ أكدوا أن المورسكيين لم يخفقوا في الاندماج وحسب، بل أصبحوا أكثر تحديا وعنادا، بل وعلى نحو علني.

التقارير التي كانت تصدرها محكمة التفتيش، أدت إلى إجماع بين رجال الدين ورجال الدولة في إسبانيا، على أن المورسكيين عوملوا بتساهل أكثر مما ينبغي، وأنه لا بد من إجراءات أعنف لتحويلهم إلى نصارى.

في 7 من نونبر 1566، أصدر فيليب الثاني مرسوما ملكيا قاسيا في حق المورسكيين، فما الذي جاء فيه؟ وكيف كان خطوة أولى نحو ما هو أقسى لاحقا؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء السابع من هذا الملف.

لقراءة الجزء الأول: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

لقراءة الجزء الثاني: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

لقراءة الجزء الثالث: سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا 3\10

لقراءة الجزء الرابع: بعد سقوط غرناطة: تسامح أولي ومحاولات تنصير… لدواعٍ اقتصادية وأمنية! 4\10

لقراءة الجزء الخامس: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

لقراءة الجزء السابع: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

لقراءة الجزء الثامن: لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10

لقراءة الجزء التاسع: طرد المورسكيين واستئصال آخر بقايا الحضارة الأندلسية من إسبانيا 9\10

لقراءة الجزء العاشر والأخير: هل تصالحت إسبانيا اليوم مع ماضيها في الإبادة الدينية والعرقية؟ 10\10

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *