×
×

بعد سقوط غرناطة: تسامح أولي ومحاولات تنصير… لدواعٍ اقتصادية وأمنية! 4\10التاريخ الإسلامي لإسبانيا... من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد (الجزء الرابع)

انتهت حروب الاسترداد، وصارت الآن إسبانيا كلها نصرانية -التفاصيل تجدونها في الجزء الأول والثاني والثالث من هذا الملف-، وأصبح بإمكان الباباوات الذين دعوا إلى الحرب الصليبية أن يدعوا النصارى أيضا من موقعهم في الكنيسة إلى طرد المسلمين خارج إسبانيا.

لكن ذلك لم يكن، لكونه مغامرة غير محسوبة العواقب. في الواقع، كان وجود المسلمين ضرورة للاقتصاد المحلي للممالك النصرانية، ناهيك عن أن النصارى الذين كانوا يعيشون خارج هذه الممالك، في الإمبراطورية العثمانية تحديدا، كانوا عرضة لخطر المعاملة بالمثل.

في هذا الجزء، سنتناول السنوات الأولى لما بعد استرداد إسبانيا من طرف النصارى، وظروف عيش المسلمين فيها. بعض الأرقام تقدر أن السكان المسلمين في إسبانيا كان عددهم 5 ملايين ونصف، ومع نهاية القرن الـ15، أصبح عددهم لا يتجاوز 600 ألف، جلهم كانوا في غرناطة، وذلك من إجمالي سكان إسبانيا البالغ عددهم آنذاك قرابة 8 ملايين نسمة.

شهرة المسلمين بالاعتدال والتدبير والكد، جعلتهم جذابين لأرباب العمل وملاك الأراضي النصارى… هذه المزايا تطالعنا في أمثال من قبيل Quien tiene moro tiene oro؛ أي أن من يمتلك أندلسيا يمتلك ذهبا.

الحرف والمهن التي كان يمتهنها مسلمو إسبانيا كانت متواضعة، لكون الأرستقراطيين منهم، والقادة العسكريون وعلماء الدين والأطباء ورجال العلم الذين جذبتهم الأندلس سابقا، غادروها إلى قلب العالم الإسلامي، بحثا عن وظائف جديدة.

هكذا، كانت معظم مكونات الجماعات المسلمة التي بقيت، تشكل القاعدة البروليتارية للأندلس. اشتغل أغلبهم كحرفيين وفلاحين وبستانيين وعمال بناء، فيما كانت النساء منهم يعملن كخادمات وقابلات ومرضعات وجليسات لأطفال النصارى، بالرغم من المنع الرسمي لهذا التقارب.

اقرأ أيضا: “طائفة العكاكزة: تجديد، بدعة… أم خروج عن الملة 2\3”

المجتمع النصراني، وفق كتاب المؤرخ الإنجليزي ماثيو كار “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس[1]“، كان يحتقر العمل اليدوي. لهذا، كانت المكانة الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين تولد نحوهم الازدراء، قبل الكراهية.

والحق أن شهرة المسلمين بالاعتدال والتدبير والكد، جعلتهم جذابين لأرباب العمل وملاك الأراضي النصارى… هذه المزايا تطالعنا في أمثال من قبيل Quien tiene moro tiene oro؛ أي أن من يمتلك أندلسيا يمتلك ذهبا.

التسامح كان بدافع المصلحة الشخصية، لكنه بالمقابل، كان يغضب محكمة التفتيش والطبقات النصرانية الدنيا، التي كانت تعادي المسلمين وفي نفس الوقت تكن بغضا شديدا لسادتهم الإقطاعيين.

كان المسلمون سلعة باهضة الثمن، بخاصة في بلنسية وأراغون، حيث كانوا يعملون كأقنان في خدمة الإقطاعيين. كانوا يعملون بجد كبير ودون تذمر، فاعتبرتهم طبقة النبلاء أساسا لاستمرار رخائها.

الاستفادة كانت متبادلة في الواقع؛ فرغم هذا الاستغلال القاسي، كان المسلمون يحظون بحماية الإقطاعيين الذين يشتغلون في ضيعاتهم ومحلاتهم، بل واستفادوا من تساهل النبلاء مع ممارسة شعائرهم الدينية، في ضرب للاتجاهات الجهادية بالكنيسة.

في بلنسية مثلا، كانت السلطات الدينية تحرص على إخراس كل تعبير علني للإسلام، مثل أذان الصلاة. لكن البارونات النصارى سمحوا للمؤذن بالنداء للصلاة بالصوت أو القرن، كما سمحوا للمسلمين ببناء مساجد في ضياعهم.

اقرأ أيضا: “… حين تلقى أردوغان “هدية” بــ 25 مليون دولار”

على أن هذا التسامح كان بدافع المصلحة الشخصية كما رأينا، وكان يغضب محكمة التفتيش والطبقات النصرانية الدنيا، التي كانت تعادي المسلمين وتكن، في نفس الوقت، بغضا شديدا لسادتهم الإقطاعيين.

عام 1497، أي بعد 5 سنوات من سقوط غرناطة، أجبر الملكان فيرديناند وإيزابيلا البرتغال على طرد المسلمين واليهود أثناء مفاوضات زواج الملك البرتغالي من ابنتهما، وسمح للمسلمين بالسفر عبر قشتالة، التي استقروا فيها.

ثم بعد سنة، وقع السلام مع فرنسا من خلال معاهدة فيرفان، فكانت خطوة أولى نحو السلام الشامل. بالموازاة مع ذلك، بدأ الأراغون والبلنسيون، وفق كتاب “تاريخ المورسكيين.. حياة ومأساة أقلية[2]“، يفكرون في المنافع التي بوسعهم أن يجنوها من استبدال المسلمين بمستوطنين آخرين.

اعتقد الملك أن المسلمين من خلال اتصالهم المحلي مع النصارى ومناقشة الأمور الدينية، سيفهمون الخطأ الذي وقعوا فيه ويقلعوا عنه، ويصلوا إلى معرفة الدين الحق ويعتنقوه، كما فعلت أمم أخرى بربرية كثيرة في الماضي.

لكن الملكين فيرديناند وإيزابيلا كانا قد التزما سابقا (ظاهريا) بالوجود الإسلامي الدائم في غرناطة؛ ويمكن أن نستشف ذلك من خلال اتفاقيات الاستسلام التي وُقع عليه مع أبو عبيدل في نونبر من عام 1491.

هذه الاتفاقيات كانت قد ضمنت للمسلمين الذين سيظلون بغرناطة، الاحتفاظ بأراضيهم وممتلكاتهم ومداخليهم، وسمحت لهم أيضا بالهجرة إلى شمال إفريقيا والعودة إلى إسبانيا إن أرادوا العيش فيها.

بل إن هذه الوعود تعززت في الواقع، بإنشاء مجلس بلدي مشترك في غرناطة يحق فيه للمسلمين من الساكنة انتخاب ممثليهم.

اقرأ أيضا: “علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟”

في مسألة الدين أيضا، نجد وفق كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”، أن الملكين قد سبق لهما إعلان ما يلي:

“يسمح صاحبا السمو وخلفاؤهما للملك أبي عبد الله، وقادته، والقضاة، والمفتين، والقادة العسكريين، وعلية القوم، وعامتهم، كبيرهم وصغيرهم، بأن يعيشوا دائما وفق شريعتهم دون المساس بسكناهم وجوامعهم ومناراتهم. ولن يتدخلا في أوقافهم التي أوقفوها لتلك الأغراض، ولن يعيقا عاداتهم وتقاليدهم في غير حين”.

كل هذا إذن، بشر بتعايش طويل المدى بين المسلمين وحكامهم الجدد، لكن…

وفقا لمؤرخ القرن الـ16، الغرناطي لويس دي مارمول كارباخال، يقول كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”، بإن كبار الأساقفة حرضوا فيرديناند على استئصال الطائفة المحمدية واسمها من إسبانيا كلها، بإصدار الأمر لمسلمي إسبانيا بالاختيار نفسه الذي فرض على اليهود، بين النفي والمعمودية، وذلك ابتداءً من غرناطة.

فيرديناند سيرفض هذه الطلبات، حسب ذات المرجع، على أساس أن هذه السياسة قد تتطلب العودة إلى الحرب مرة ثانية، في وقت كان فيه مشغولا بفتوحات أخرى خارج إسبانيا.

انعكست سياسة الملك في تعيين إيرناندو دي طلبيرة، الراهب الورع والمعتدل في منصب أول رئيس أساقفة غرناطة. هذا الأخير عارض دخول قضاة التفتيش إلى غرناطة، وفضل استمالة المسلمين إلى النصرانية بغير الخوف.

بدلا من ذلك، سيختار الملك سياسة الحرية على أمل تغيير القائم. بشكل آخر، اعتبر فيرديناند أنه يمكن “من خلال الاتصال المحلي مع النصارى ومناقشة الأمور الدينية، أن يفهم المسلمون الخطأ الذي وقعوا فيه ويقلعوا عنه، ويصلوا إلى معرفة الدين الحق ويعتنقوه، كما فعلت أمم أخرى بربرية كثيرة في الماضي”، وفق كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”.

والواقع أن هذا النهج، فرضته أساسا الاعتبارات الاقتصادية والأمنية، إذ أن فيرديناند كان حريصا بعد عشرة أعوام من وضع الحرب لأوزارها، على تعزيز السيطرة النصرانية على غرناطة، وتحويل السكان المسلمين إلى مصدر دخل.

اقرأ أيضا: “إذا طالع العرب أنفسهم في مرايا يابانية، فهذا ما سيرونه… (الجزء الأول)”

سياسة المصالحة هذه انعكست في تعيين إيرناندو دي طلبيرة، الراهب الورع والمعتدل وكاهن الاعتراف السابق لإيزابيلا، في منصب أول رئيس أساقفة غرناطة، والذي عارض دخول قضاة التفتيش إلى غرناطة، مفضلا استمالة المسلمين إلى النصرانية عبر “الكلمة والكتاب والقدوة”، عوض الخوف.

منذ بداية تعيينه، شرع إيرناندو دي طلبيرة في تنفيذ هذا المبدأ، فقد قدم عدة عظات على نحو يومي لتجمعات منتقاة من المسلمين، تركزت بالأساس في النخبة بهدف بدء عملية التنصير من أعلى لأسفل.

فهل ستنجح هذه الجهود في تنصير المسلمين؟ أم أن غالبيتهم سيبقون على دينهم رغم كل شيء؟ ماذا سيترتب على ذلك؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء الخامس من هذا الملف.


[1]  سبقت الإشارة إليه في الجزء الأول.
[2]  سبقت الإشارة إليه في الجزء الأول.

لقراءة الجزء الأول: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

لقراءة الجزء الثاني: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

لقراءة الجزء الثالث: سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا 3\10

لقراءة الجزء الخامس: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

لقراءة الجزء السادس: وسُمع آخر أذان في إسبانيا… إلى حدود أواخر القرن العشرين! 6\10

لقراءة الجزء السابع: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

لقراءة الجزء الثامن: لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10

لقراءة الجزء التاسع: طرد المورسكيين واستئصال آخر بقايا الحضارة الأندلسية من إسبانيا 9\10

لقراءة الجزء العاشر والأخير: هل تصالحت إسبانيا اليوم مع ماضيها في الإبادة الدينية والعرقية؟ 10\10

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *