×
×

طرد المورسكيين واستئصال آخر بقايا الحضارة الأندلسية من إسبانيا 9\10التاريخ الإسلامي لإسبانيا... من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد (الجزء التاسع)

اتهم الملك فيليب الثالث في مرسومه لشتنبر 1609 كل المورسكيين في بلنسية بالهرطقة والردة، وكشف عن نيته طردهم إلى شمال إفريقيا، ثم منحهم مهلة ثلاثة أيام كما رأينا في الجزء الثامن، ليحملوا متاعهم قبل اقتيادهم إلى الموانئ المخصصة لترحيلهم.

يشير كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس” الذي سبقت الإشارة له في الجزء الأول من هذا الملف، إلى أن أوامر الملك قد استقبلت بتهليل واسع لدى النصارى. على أن هذا الثناء لم يكن عاما، إذ ربما كان بعضه رياءً. بالمقابل، نزل مرسوم الطرد على المورسكيين كالصاعقة وأصابهم بالصدمة واليأس.

كثير من المورسكيين غادروا إسبانيا وهم مسرورون لخروجهم من جو لم يعد يطاق بالنسبة إليهم، وهو الأمر الذي كان يغيض الحكام النصارى.

أيا كانت مواقفهم من الطرد، لم تُترك للموركسيين فرصة غيره، فشرعوا يستعدون لرحلتهم، وأخذوا يبيعون بيوتهم ومحاصيلهم وسلعهم وجميع ممتلكاتهم. في غضون أيام، قليلة، بدأ الأوائل منهم يصلون إلى الموانئ، كما رتبت عودة عشرة منهم لاحقا لإعلان الوصول الآمن لذويهم.

اتسم الترحيل بمناظر مأساوية، فمع وصول مسن، مثلا، معلنا أمنيته في أن يدفن بتراب إسلامي، وقع ميتا وهو صاعد إلى السفينة؛ ومات معه آخرون من الجوع والإعياء قبل مغادرة الشاطئ، كما انفصل أطفال عن آبائهم بسبب الفوضى، بينما ترك آخرون أبناءهم مع نصارى محليين.

اقرأ أيضا: “هشام روزاق يكتب: من يحكم المغرب؟ … “جهات ما””

على أن الفرح كان يستأسد اللحظة أحيانا أخرى؛ فبعضهم أخذ يغني ويرقص، فيما ارتدى آخرون أجمل ثيابهم. الواقع أن كثيرا من المورسكيين غادروا إسبانيا وهم مسرورون لخروجهم من جو لم يعد يطاق بالنسبة إليهم، وهو الأمر الذي كان يغيض الحكام النصارى.

يقدر بعض المؤرخين الإسبان المعاصرين أن ثلاثة أرباع المورسكيين البلنسيين الذين وصلوا إلى شمال إفريقيا ماتوا من الجوع أو المرض أو العنف.

استمرت عمليات الترحيل بكفاءة رغم الفوضى والعنف؛ ثم بدأت الحكومة تواجه صعوبات في تدفق المؤن ومن الطقس الهائج، فأخلف التاج وعده بتحمل تكاليف الطرد، وأخذ يجبر أغنياء المورسكيين على تحمل نفقات مؤنهم ومؤن الفقراء منهم، بل وتمويل طردهم كله.

رغم ذلك، كثير من المورسكيين لم يبلغوا الضفة الأخرى، إذ غرقت بعض السفن بسبب العواصف وهاجم القراصنة بعضها الآخر، كما تعرضوا أيضا للسرقة والقتل في عرض البحر من قبل البحارة الذين كانوا يقلونهم، بعد توقيع أوراق تؤكد وصولهم آمنين.

لم يكن مصير الذين بلغوا شمال إفريقيا أفضل ممن ظلوا بالأندلس، فمعظم من وصلوا إلى سواحل الجزائر كانوا ينامون في خيام أو في العراء قبل أن يشقوا طريقهم إلى الأراضي الإسلامية.

اقرأ أيضا: “حسين الوادعي يكتب: حكاية اسمها التربية الإسلامية”

في طرقهم، كانوا يمرون بقبائل خارجة عن القانون فكانت تكتمل مأساتهم، إذ وجدوا أنفسهم مرفوضين ياعتبارهم “مسلمين سيئين” يشبهون النصارى في زيهم وكلامهم. استغرق الأمر وقتا قبل أن يحصل بعضهم على تعاطف الأهالي.

أمر الملك أيضا بألا يتجاسر أحد من النصرانيين في ممالكه، مهما علت مكانته، على استقبال المورسكيين أو حمايتهم، سرا أو علنا. ومع ذلك، مناشدات عدة وجهت إلى بلاطه، لكن دون جدوى.

يقدر بعض المؤرخين الإسبان المعاصرين أن ثلاثة أرباع المورسكيين البلنسيين الذين وصلوا إلى شمال إفريقيا ماتوا من الجوع أو المرض أو العنف. وما إن بلغت أخبار هذه المعاملة إلى بلنسية، حتى ثارت ثائرة البعض مرة أخرى، لكنها كانت محاولة مقاومة يائسة محكومة بالفشل مسبقا، كما ورد في كتاب “تاريخ المورسكيين.. حياة ومأساة أقلية” الذي أوردناه في الجزء الأول من هذا الملف.

في غضون ذلك، أخذ الملك يستعد لتوسيع نطاق الطرد إلى باقي إسبانيا. كان ينوي طردا شاملا ومرحليا، حتى يمكن تركيز موارد الدولة على مناطق محددة، وحتى تستبعد إمكانية المقاومة المنظمة.

في 10 يناير 1610، أعلن عن مرسوم ملكي يأمر المورسكيين في مرسية وأندلوسيا وغرناطة بمغادرة البلاد. إضافة إلى الاتهامات المعتادة، اعتمد الملك هذه المرة ثورة البشرات (1568-1570) كمبرر لطردهم، ومنحهم 30 يوما لتسوية شؤونهم والمغادرة.

اقرأ أيضا: الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! 2/1

أمر الملك أيضا بألا يتجاسر أحد من النصرانيين في ممالكه، مهما علت مكانته، على استقبال المورسكيين أو حمايتهم، سرا أو علنا. ومع ذلك، مناشدات عدة وجهت إلى بلاطه، لكن دون جدوى.

اشترطت أوامر الطرد في أراغون وقطلونية، صراحة، أن يترك المورسكيون أطفالهم إذا أرادوا الإبحار إلى شمال إفريقيا. لكن بعضهم أبحروا على متن سفن خاصة إلى فرنسا ثم أقنعوا البحارة بأخذهم إلى أراض إسلامية.

من الواضح أن الإسبان لم يكونوا جميعا يشاركون حكامهم الالتزام العنيد بهدف النقاء الديني، فلم يشأ بعضهم أن يخسر مصدرا مهما للدخل، ورأى بعضهم أن الطرد كان ظالما ولا يتفق مع النصرانية.

آخرون آثروا البقاء في فرنسا، وشرط عليهم هنري الرابع أن يتحولوا إلى الكاثوليكية وأن يستقروا في جنوب دوردوني، بينما سمح لمن رفض هذه الشروط بالسفر إلى أماكن أخرى من الموانئ الفرنسية.

لقي المورسكيون الآخرون الذين رُحّلوا بعد البلنسيين إلى شمال إفريقيا استقبالا أفضل. توضح الجماعات الأندلسية التي تسارع نموها بالجزائر وتطوان وفاس وغيرها من المدن، أن كثيرا من المورسكيين وجدوا ملجأ آمنا فيها.

بيد أن كثيرين آخرين من الناطقين بالإسبانية، لم يكونوا دائما محل ترحيب، فقد أجبروا في بعض الحالات على إثبات أنهم ليسوا نصارى بإظهار أنهم قد ختنوا أو بالموافقة على الختان. كما قيل إن مجموعة من المورسكيين في تطوان ظلت ملتزمة بالنصرانية، بل ورفضت دخول المساجد، فرجم أفرادها حتى الموت.

اقرأ أيضا: “يهود الريف المغربي… حكاية وجود راسخ انتهت بـ”باتوا ولم يصبحوا!” 2/1”

بين الفينة والأخرى، كان بعض المورسكيين يضبطون عائدين إلى إسبانيا فيتعرضون لعقوبات قاسية، بدءا من الجلد والسجن وانتهاء بالإعدام. لكن هذا القمع لم يكن كافيا لإغلاق حدود إسبانيا، واستحال تعقب كثيرين منهم ممن استقروا في أماكن لا يعرفون فيها وامتزجوا فيها مع السكان على أنهم نصارى قدامى.

لا زال مصير الأطفال المورسكيين يشكل أحد ألغاز الطرد، إذ ازداد الطرد تعقيدا بسبب الأعداد الكبيرة من الأطفال المورسكيين.

يقول المؤرخ الإنجليزي ماثيو كار في كتابه “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”، إنه من الواضح أن الإسبان لم يكونوا جميعا يشاركون حكامهم الالتزام العنيد بهدف النقاء الديني، فلم يشأ بعضهم أن يخسر مصدرا مهما للدخل، ورأى بعضهم أن الطرد كان ظالما ولا يتفق مع النصرانية.

ذات المؤرخ يشير في كتابه إلى أن مصير الأطفال المورسكيين لا زال يشكل أحد ألغاز الطرد، إذ ازداد الطرد تعقيدا بسبب الأعداد الكبيرة من الأطفال المورسكيين.

الأكيد أنه لم تكن هناك سياسة متماسكة، فبعضهم دفعوا بلا شك إلى السفن وأرسلوا إلى مصير مجهول، وبعضهم استعبدوا أو ماتوا وهم في عناية السلطات قبل أن تقرر مصيرهم، وغالبيتهم تربوا في عائلات نصرانية ونسوا آباءهم وأمهاتهم المبعدين.

اقرأ أيضا: “هذا أخطر أنواع اللاتسامح وأكثرها شيوعا في المجتمعات… وهكذا يمكن مواجهته! 3/1”

أخيرا، وتحديدا في غشت 1614، كان الملك فيليب مستعدا لإعلان الانتهاء من طرد كل المورسكيين، في مرسوم يتسم بالتناقض؛ إذ أمر فيه أيضا كل المورسكيين الذين لم يغادروا البلاد أو عادوا إليها، بأن يغادروا وإلا تعرضوا لمصادرة الممتلكات وللعبودية على السفن.

في أقل من خمسة أعوام إذن، طرد حكام إسبانيا نحو 300 ألف رجل وامرأة وطفل إلى المنفى أو أرسلوهم إلى الموت، فاستأصلوا بذلك آخر بقايا الحضارة الأندلسية التي ابتدأت قبل ألف عام من ذلك التاريخ، فكيف عقب المؤرخون بعد ذلك على طرد المورسكيين واستئصال إسبانيا للحضارة الأندلسية؟ ذاك ما سنكتشفه في الجزء العاشر، الأخير، من هذا الملف.

لقراءة الجزء الأول: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

لقراءة الجزء الثاني: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

لقراءة الجزء الثالث: سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا 3\10

لقراءة الجزء الرابع: بعد سقوط غرناطة: تسامح أولي ومحاولات تنصير… لدواعٍ اقتصادية وأمنية! 4\10

لقراءة الجزء الخامس: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

لقراءة الجزء السادس: وسُمع آخر أذان في إسبانيا… إلى حدود أواخر القرن العشرين! 6\10

لقراءة الجزء السابع: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

لقراءة الجزء الثامن: لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10

لقراءة الجزء العاشر والأخير: هل تصالحت إسبانيا اليوم مع ماضيها في الإبادة الدينية والعرقية؟ 10\10

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *