×
×

لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10التاريخ الإسلامي لإسبانيا... من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد (الجزء الثامن)

توقفنا في الجزء السابع عند نهايات الثورة المورسكية، التي يعدها كثيرون مفصلية في المآل الذي سيلقاه الموركسيون. بالنسبة لهؤلاء، شكل فشل الثورة نهاية لآمال عريضة في مستقبل قد يعيد فيه الحكام النصارى نظرهم؛ بينما كانت الثورة، بالنسبة لإسبانيا النصرانية، تأكيدا لخطورة المورسكيين باعتبارهم أعداء داخليين.

طيلة الأعوام التالية، اعتُبرت ثورة غرناطة في وثائق محكمة التفتيش، دليلا دامغا على نية المورسكيين “الأشرار”، ونذيرا لأشياء أسوأ قادمة. لذلك، وجب على الدولة أن تجد حلا أنجع، أكبر من التنصير.

زعم رئيس محكمة التفتيش خمينيث دي رينوسو أن جيشا من المورسكيين مكونا من 200 ألف جندي، كان متأهبا لمساعدة السلطان التركي في فتح إسبانيا، ليقدم تقريرا تساءل فيه عما إذا كان طرد الموريسكيين هو الحل الوحيد الممكن.

هكذا، دفع الكهنة وقضاة محكمة التفتيش الأكثر تشددا، بأن إسبانيا لن تكون أبدا آمنة، طالما ظل المسلمون على ترابها. وكما رأينا سابقا، حاول حكام إسبانيا طيلة العقود الماضية التوفيق بين الوحدة الدينية والضرورة الاقتصادية لإبقاء الموركسيين، شريطة أن يصبحوا نصارى جيدين. بيد أن الثورة جعلت التشاؤم يطفو إلى السطح.

في عام 1571، قررت محكمة التفتيش في بلنسية أن تمنح المورسكيين عفوا عاما، معتبرة أنهم كانوا منحرفين بسبب الجهل. ومرة أخرى، بعد عقد من الزمن، خلص مسؤولو المحكمة إلى أن المورسكيين، حتى بعد تعليمهم الدين النصراني، يظلون أندلسيين.

اقرأ أيضا: “الإبادة الثقافية: الفظاعة الناعمة للبشرية! 2/1”

استمرت التقارير حول تحدي المورسكيين وريائهم، فقررت إسبانيا عزل مورسكيي غرناطة بقصد السيطرة عليهم وتسهيل اندماجهم. بعثت بهم إلى قشتالة، إلا أن مسؤولي الأخيرة اتهموا المبعدين إليها من المورسكيين بإفساد النصارى الجدد بقشتالة، وبأنهم يشجعونهم على العودة إلى الإسلام.

في أبريل 1582، زعم رئيس محكمة التفتيش خمينيث دي رينوسو أن جيشا من المورسكيين مكونا من 200 ألف جندي، كان متأهبا لمساعدة السلطان التركي في فتح إسبانيا. قدم دي رينوسو تقييما للمجلس الأعلى للمحكمة بخصوص هذا التهديد المخيف، وتساءل عما إذا كان طرد الموريسكيين هو الحل الوحيد الممكن.

رغم كل الحجج المقدمة، كان الملك يشك في ما إذا كانت إسبانيا قد فعلت كل ما بوسعها لتوفير التعليم الديني للمورسكيين.

في شتنبر من نفس السنة، اقترح مجلس الدولة في توصياته للملك بأن يتحين الفرصة لإبعاد المورسكيين عن ممالك إسبانيا ونقلهم إلى شمال إفريقيا، على أن يبقى الأطفال المورسكيون المعمدون في إسبانيا ليتلقوا تنشئة نصرانية.

هكذا، وعلى أعلى مستوى في الدولة، سيوصى لأول مرة بالطرد متى كان ذلك ممكنا؛ لكن، دون التطرق إلى التفاصيل الإجرائية لعملية الطرد.

كان رئيس أساقفة بلنسية خوان دي ريبيرا، أحد الأشخاص الأكثر تأثيرا في الدفع نحو الإبعاد التدريجي للمورسكيين عن إسبانيا، وذلك باعتباره الرئيس الروحي للمملكة.

اقرأ أيضا: “يوسف المساتي يكتب: وكان دم “جارية”… أغلى من كل الوطن”

لكن، ورغم كل الحجج المقدمة، كان الملك يشك في ما إذا كانت إسبانيا قد فعلت كل ما بوسعها لتوفير التعليم الديني للمورسكيين. لذلك، اتخذ الملك قرارَ بذلِ محاولات جديدة لهداية المورسكيين، عبر الجمع بين التعليم الديني والعزل الصارم؛ مع أن الملك لم يستبعد الطرد بوضوح. بالمقابل، لم يفعل شيئا لتقريب حدوثه، فقد كان معروفا بالحذر والتردد.

يشير كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس” الذي تمت الإشارة له في الجزء الأول من هذا الملف، إلى أن التخيلات كانت جامحة بخصوص سبل الإبادة الممكنة، وذلك بفضل اللغة الاستعلائية المستخدمة من جانب هؤلاء المسؤولين، الذين جردوا المورسكيين من خصائصهم الإنسانية؛ إذ من الأساقفة من ذهب بعيدا باقتراح فكرة خصي رجال المورسكيين وتعقيم نسائهم.

طرد الموركسيين إجراء أرجئ تنفيذه عدة مرات. لكنه تقرر في النهاية، لأسباب غير واضحة. والأكيد أن الأسباب الدينية ظلت في مستوى ثانوي بعد الأسباب السياسية.

قبل موته بوقت قصير عام 1598، وقع فيليب الثاني اتفاقية السلام المعروفة باسم فيرفينز مع فرنسا. هذه المعاهدة مكنت ابنه من توقيع سلسة من المعاهدات مع أعداء إسبانيا في شمال أوروبا.

لعبت هذه المعاهدات دورا مهما في بلوغ النتيجة النهائية، إذ سمحت للملك الجديد بأن يولي أهميته للشأن الداخلي. هكذا، ومنذ أول عهده بالحكم، بدأ فيليب الثالث يتلقى تقاريرا ومذكرات حول المشكلة المورسكية، وكان خوان دي ريبيرا يبذل جهدا منظما لإبراز هذه المشكلة أمام الملك.

حجج عديدة ناشدت غرور الملك الشاب، وقدمت الطرد باعتباره عملا مجيدا ودينيا يجلب الشرف لمن ينفذه. على أن آراءً أخرى رفضت الطرد وقالت إن الملوك يجب ألا يصل سخطهم إلى درجة الوحشية المتطرفة، التي تبيح قتل وإبادة شعوب كاملة.

اقرأ أيضا: “حزن الظن: معركة وادي المخازن أو عندما يَصُمُّ رنين الذهب عقل التاريخ”

لكن شائعات الغزو المغربي لإسبانيا؛ التي لم يكن لها أن تحدث على كل حال، إذ أن عهد السلطان مولاي زيدان (1603- 1627) عرف بحرب أهلية واسعة، اعتبرت كذريعة جديرة باتخاذ قرار الطرد.

يشير كتاب “تاريخ المورسيكيين.. حياة ومأساة أقلية” الذي تمت الإشارة له في الجزء الأول من هذا الملف، إلى أن طرد الموركسيين إجراء أرجئ تنفيذه عدة مرات. لكنه تقرر في النهاية، لأسباب غير واضحة. الأكيد أن الأسباب الدينية ظلت في مستوى ثانوي بعد الأسباب السياسية.

كان مرسوم الطرد الذي أعلنه نائب الملك ماركيز كاراثينا في 22 شتنبر من ذات السنة، ينص على أن يتوجه جميع المورسكيين إلى النقاط التي ستحدد لهم خلال ثلاثة أيام، حاملين معهم ما استطاعوا من المتاع.

حينها، بدأ الملك يأمر وزراءه بالبدء في الاستعدادات بأسرع ما يمكن، ونشر السفن والجنود في ميورقة (مايوركا) للتعجيل بالطرد في ذلك الصيف. لكن، على أرض الواقع، لم تنفذ هذه الاستعدادات، واستغرق الأمر سبعة أعوام أخرى لوضع هذه الأوامر موضع التنفيذ.

في 4 أبريل 1609، وبعدما تم توقيع معاهدة هدنة مع هولاندا، أعلن مجلس الدولة بالإجماع أنه يؤيد الطرد، بدءا بالمورسكيين البلنسيين في الخريف.

نقلت السفن أربعة آلاف فارس وجندي مشاة من قواعدهم في إيطاليا للقيام بمهمة لم تكشف حتى لضباطهم في غشت من ذات السنة، ووزعت كتائب فرسان القشتالة على طول الحدود الداخلية مع بلنسية لمنع المورسكيين من الهرب إلى الداخل الإسباني.

اقرأ أيضا: “عامر أبو شباب يكتب: الفلسطينيون حائرون بين حل الدولة أو الدولتين”

في غضون ذلك، كان مندوبو الأسطول الإسباني يجوبون موانئ أوروبا بحثا عن سفن خاصة لتعمل جنبا إلى جنب مع أسطولهم، فيما كان الملك ووزراؤه مشغولين بتعيين المسؤولين وكتابة الرسائل والمراسيم وجمع الجهاز الإداري الذي سيدير عملية الطرد.

ثم، بعد شهر، استدعي كبار النبلاء والقضاة والمسؤولين في بلنسية لإطلاعهم على قرار الملك، الذي قرر في صميم نفسه أن يطرد أيضا جميع الموركسيين في أندلوسيا وغرناطة ومرسية وآراغون.

كان مرسوم الطرد الذي أعلنه نائب الملك ماركيز كاراثينا في 22 شتنبر من ذات السنة، ينص على أن يتوجه جميع المورسكيين إلى النقاط التي ستحدد لهم خلال ثلاثة أيام، حاملين معهم ما استطاعوا من المتاع… فما الذي حدث بعد ذلك؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء التاسع من هذا الملف.

لقراءة الجزء الأول: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

لقراءة الجزء الثاني: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

لقراءة الجزء الثالث: سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا 3\10

لقراءة الجزء الرابع: بعد سقوط غرناطة: تسامح أولي ومحاولات تنصير… لدواعٍ اقتصادية وأمنية! 4\10

لقراءة الجزء الخامس: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

لقراءة الجزء السادس: وسُمع آخر أذان في إسبانيا… إلى حدود أواخر القرن العشرين! 6\10

لقراءة الجزء السابع: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

لقراءة الجزء التاسع: طرد المورسكيين واستئصال آخر بقايا الحضارة الأندلسية من إسبانيا 9\10

لقراءة الجزء العاشر والأخير: هل تصالحت إسبانيا اليوم مع ماضيها في الإبادة الدينية والعرقية؟ 10\10

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *