×
×

يوسف المساتي يكتب: وكان دم “جارية”… أغلى من كل الوطن

سنة 656 هـ/1258 م، كان جند التتار يتقدمون بقيادة هولاكو صوب بغداد، حيث يقيم آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله، الذي كان آنذاك غير مبال لهجوم التتار، غارقا في اللهو …

يوسف المساتي

سنة 656 هـ/1258 م، كان جند التتار يتقدمون بقيادة هولاكو صوب بغداد، حيث يقيم آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله، الذي كان آنذاك غير مبال لهجوم التتار، غارقا في اللهو مع جواريه وغلمانه، الذين كانوا يقدرون بالمئات.

كانت بغداد آنذاك تعيش على وقع أزمة خانقة، فقبيل أقل من سنة، شهدت المدينة فتنة عظيمة بين السنة والشيعة، كانت مؤشرا على نهاية العيش المشترك الذي طبع بغداد لقرون، وإعلانا عن تنامي التطرف، في الوقت الذي هلك فيه نخبة المدينة من مثقفين وعلماء، وساد صوت الإمعات ومدعي المعرفة.

الخليفة لم يغضب لآلاف الأرواح التي زهقت من أبناء شعبه، ولا لإهانة سيادته الترابية، ولا للأزمة الضاربة أطنابها في بغداد، ولا لنهب حاشيته واقتتالهم من أجل مصالحهم، ولكنه انزعج فقط من أجل مقتل جاريته المفضلة

أما حاشية الخليفة والساسة والوزراء، فقد غرقوا في صراعاتهم من أجل مصالحهم الشخصية، ونهب خزائن الأموال، وتشييد القصور، والإنفاق الباذخ الذي يقابله الفقر المستشري في المدينة. كانت الحاشية وكان الساسة والوزراء مفصولون عن الشعب، حيث ولاؤهم الأول كان لأنفسهم. لم يتوانَ كثير منهم عن الاتصال بالتتار والتنسيق معهم، وعلى رأسهم الوزير ابن العلقمي، الرجل النافذ في الدولة آنذاك.

أما الشعب، فقد استبد به الفقر والجوع، والفساد الذي ينخر المدينة، وخطر التتار وغيرهم من قطاع طرق وقبائل اغتنمت فرصة انشغال الخليفة مع جواريه، لتحويل المدينة إلى ساحة غنيمة دائمة، فأصبح حلم ساكنة بغداد أن يغادروها سالمين، وألا يكون قدرهم الموت بضربة سيف من قاطع طريق على أبواب بغداد، أو الموت جوعا أو كمدا على حالة مدينة السلام، أو الموت برغبة طائشة لأحد رجال الدولة.

المستعصم بالله فاوض هولاكوا على أن يتنازل له عن بغداد ونصف خراج العراق مقابل السماح له بالاحتفاظ بجواريه فقط.

اقترب التتار، ساد الخوف في بغداد… هرب المئات من المدينة، بحثا عن كرامة كان يهدرها الخليفة وحاشيته تحت أقدام جواريه، وفي ذات الوقت الذي كان التتار يتجهون من أربيل صوب بغداد، كان المستعصم يرسل جواريه وغلمانه إلى الموصل ليحضروا له الآلات الموسيقية، ويغرق في الليالي الملاح.

إقرأ أيضا: بعض من كلام: المساواة في تونس… إنهم يغتالون الإسلام!

يتقدم هولاكو، والمستعصم بالله غارق في لهوه، والمدينة تتخبط في أزمة حقيقية، والاحتقان بلغ مداه في ظل مشهد سوريالي: خليفة يلهو، حاشية تنهب، شعب جائع وتائه بين غاضب ومهاجر، وجيش غازي يرابض على أبواب المدينة.

ينقل ابن كثير صورة تلخص جزء من مأساة سقوط بغداد، إذ جاء في كتابه البداية والنهاية ضمن حوادث سنة 656 هـ/1258م: “وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت “تلعب” بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت تسمى “عرفة”، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي “ترقص” بين يدي الخليفة؛ فانزعج الخليفة من ذلك، وفزع فزعًا شديدا……. فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة”.

صورة تجمع بين المرارة والسخرية، فالخليفة لم يغضب لآلاف الأرواح التي زهقت من أبناء شعبه، ولا لإهانة سيادته الترابية، ولا للأزمة الضاربة أطنابها في بغداد، ولا لنهب حاشيته واقتتالهم من أجل مصالحهم، ولكنه انزعج فقط من أجل مقتل جاريته المفضلة، وكأن الجارية كانت أغلى عند الخليفة من دماء الأبرياء ولحم الفقراء، وأنات المعوزين وصرخات الخائفين، وكأن دم الجارية كأن أغلى من كرامة وطن وشعب وتاريخه ومستقبله، وكأن كل شيء اختزل في دم جارية قتلت وهي ترقص، ما جعل المستعصم بالله يفاوض هولاكو على أن يتنازل له عن بغداد ونصف خراج العراق، مقابل السماح له بالاحتفاظ بجواريه فقط.

ابن كثير :”وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت “تلعب” بين يدي الخليفة وتضحكه… جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي “ترقص” بين يدي الخليفة… فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة”.

صورة مأساوية، لم تكن معزولة أو منفردة، بل تكررت كثيرا في كتب تاريخنا المثخن بالدم والخيانات والاستهتار واللامبالاة.

أتخيل فقط لو كانت الهواتف الذكية موجودة زمن المستعصم…

إقرأ أيضا: عن الغزالي وابن رشد: مشاهد من جريمة اغتيال

 لربما آنذاك كان سينشغل في التقاط السيلفيات له، ولوصلتنا صوره رفقة جواريه وغلمانه -وخاصة “عرفة” التي قتلت بين يديه أثناء الحصار- وعلى مقربة منهم جيش هولاكو، ولكن قبح الله التكنولوجيا التي لم تكن متطورة بما يكفي لنعيش لحظة الانهيار آنذاك.

تعليقات

  1. fatima Abidar

    “يتقدم هولاكو، والمستعصم بالله غارق في لهوه، والمدينة تتخبط في أزمة حقيقية، والاحتقان بلغ مداه في ظل مشهد سوريالي: خليفة يلهو، حاشية تنهب، شعب جائع وتائه بين غاضب ومهاجر، وجيش غازي يرابض على أبواب المدينة.”
    ما اشبه البارحة باليوم ..وان تغيرت شخوص مسرح التاريخ ..امشهد الانهيارات الكبرى نفسه الا انكم تحبون الكفار وتصوير التكنولوجيا..😊

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *