×
×

هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2التاريخ الإسلامي لإسبانيا... من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد (الجزء الثاني)

جعل المسلمون من الأندلس، كما رأينا في الجزء الأول، حضارة استثنائية في المنطقة. ولم تكن في ذلك قرطبة، العاصمة، مجرد مدينة نائية من الإمبراطورية الإسلامية، إنما كان لها من الإنجازات الحضارية ما جعلها تنافس بغداد ودمشق في التطور والازدهار.

غير أن هذه الإنجازات دائما ما كانت تقوم على بنية سياسية هشة، كما يشير إلى ذلك كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”[1] لمؤلفه المؤرخ الإنجليزي ماثيو كار؛ الأمر الذي جعل الأندلس، عمليا، عرضة للخصومات العرقية والقبلية.

أول ما يطالعنا من هذه النعرات، سلسلة من الثورات الأمازيغية التي فجرت خلافة قرطبة بكاملها مع مطلع القرن 11، حتى إنها حولت القصر الأموي الفخم الذي يسمى “المدينة الزهراء”، في الضاحية الغربية لقرطبة، إلى حطام مهجور احتلته طفيليات العشب.

كان قدر إيبيريا في القرون التالية معقدا، حيث كانت بها ممالك إسلامية ونصرانية عدة، لكنها في الغالب، كانت تنشغل بصراعات عائلية وإقليمية، عوض الكفاح المشترك ضد العدو.

الحكام الذين تعاقبوا على حكم الأندلس، لم يستطيعوا الوقوف في وجه تفتيتها إلى إمارات صغيرة، عرفت فيما بعد باسم دول الطوائف… وفي الوقت نفسه، كان عود الممالك النصرانية في شمال أيبيريا، يشتد على نحو حثيث.

طيلة القرن الـ11، تعرض حكام الطوائف لضغط كبير من الحكام النصارى في البرتغال وأراغون وكاتالونيا المُتّحدتيْن حديثا. عمليا، كان غزو ألفونسو الخامس القشتالي لطليطلة عام 1085، نقطة تحول في عملية استرداد النصارى لأراضيهم، فهو الإمبراطور الذي طالب بكل إسبانيا!

في الوقت ذاته، كان حكام الطوائف يطلبون العون من إمبراطورية المرابطين شمال غرب إفريقيا… هكذا، كان قدر إيبيريا في القرون التالية معقدا، حيث كانت بها ممالك إسلامية ونصرانية عدة؛ لكنها في الغالب، كانت تنشغل بصراعات عائلية وإقليمية، عوض الكفاح المشترك ضد “العدو”.

اقرأ أيضا: “خيرونة الفاسية… “زعيمة” المذهب الأشعري بالمغرب”

خلفت دولة الموحدين في شمال إفريقيا، عام 1145، دولة المرابطين. وقد حاول حكامها جاهدين أن يوحدوا ملوك الطوائف للوقوف في وجه قشتالة وحلفائها، بيد أن ذلك كان دون جدوى ولا نتيجة.

أما نقطة التحول الأكبر في معارك الاسترداد، فكانت معركة العُقاب عام 1212، التي انتصر فيها تحالف قشتالة وأراغون والبرتغال ضد جيش إسلامي ضخم، ومثل الانتصار فيها الضربة القاصمة لمحاولات الموحدين في إيقاف التقدم النصراني.

كانت المدن الغرناطية التي تستسلم تحظى بفرصة توقيع “معاهدات استسلام” تحفظ لها الحياة والممتلكات وحرية العبادة، كان الذين يقاومون الغزو يحظون بمعاملة قاسية، تتراوح بين العبودية والإعدام الفوري.

معارك الاسترداد دخلت أنجح فتراتها وأقواها مع انسحاب الموحدين عام 1223، إذ أخذت قشتالة تفتح المدن الإسلامية الواحدة تلو الأخرى، وكان أوج ذلك إسقاطها لمدنية إشبيلية عام 1248. بالمقابل، انتزعت البرتغال الغرب من السيطرة الإسلامية، فيما أكملت أراغون غزو بلنسية بقيادة الملك جيمس الفاتح.

مع حلول منتصف القرن 13، كانت مملكتا قشتالة وأراغون قد هيمنتا على إيبيريا. لم يتبق تحت سيطرة المسلمين في إسبانيا بعد ذلك، سوى إمارة غرناطة في الجنوب الشرقي… على مدى قرنين ونصف، استطاعت إذن هذه الإمارة أن تحافظ على استقلالها الهش.

لم يكن ذلك بسبب قوة حكام غرناطة الذاتية، بقدر ما كان هؤلاء يعتمدون على الانقسامات الداخلية في قشتالة، التي انتهت بزواج الملكين إيزابيلا القشتالية من فيرديناند الأراغوني عام 1469؛ فباتت بذلك مسألة نهاية غرناطة الإسلامية رهينة للزمن فحسب.

ولأن العالم النصراني كان مجروحا بسقوط قسطنطينة عام 1453 وزوال الإمبراطورية البيزنطية لحساب العثمانيين، فإن الزوجين الجديدين التقطا راية الاسترداد، مستلهمين دعوة البابوية لإعداد حملة صليبية جديدة، فعزما على توحيد الرعايا الذين نهشتهم الحرب الأهلية، بغزو آخر معاقل الإسلام على التراب الإسباني.

اقرأ أيضا: “… حين تلقى أردوغان “هدية” بــ 25 مليون دولار”

بيد أن غرناطة كانت مع ذلك معقلا صعبا، فمدنها المسورة وقلاعها المحصنة وتضاريسها الجبلية الوعرة شكلت عقبات عدة أمام جيوش النصارى… مثلت الغارة الإسلامية على بلدة الزهراء الحدودية، عام 1481، ذريعة لغزو الإمارة… وعلى مدار العقد التالي، شق قرابة 60 ألف فارس وجندي من المشاة ووحدات غير نظامية، طريقهم إلى جبال غرناطة، في مهمة كانت تروم أساسا حرق محاصيل المسلمين وتدميرها.

“كان الأندلسيون يبذلون كل قوتهم وطاقتهم في القتال، وكان على رجالهم الشجعان أن يدافعوا عن حياتهم وحياة زوجاتهم وأطفالهم من الرق، فكانوا لا يحجمون عن القتال، ويفعلون ذلك فوق جثث أطفالهم وإخوانهم وأحبتهم أملا في إنقاذ الباقين”.

الجيوش النصرانية ضمت حينها كثيرا من المتطوعين الأجانب الذين جذبهم وعد البابا بالغفران، وفرص النهب التي توفرها الحروب… شكل ذلك في النهاية حرب استنزاف طاحنة، لم تتقرر نتيجتها بمعارك كبرى، إنما بعمليات حصار وكمائن ومناوشات، كما يقول المؤرخ الإنجليزي ماثيو كار.

عملت إيزابيلا على تمويل الحرب النصرانية من خلال فرض ضرائب خاصة على رعاياها اليهود، كما كانت ترهن مجوهراتها الخاصة في فترات توقف الحرب. أما زوجها فيردناند، الذي أدار العمليات العسكرية، فقد كان يجمع بين القسوة والبرغماتية، ما جعل ميكيافيللي[2] يلقبه بالأمير المثال لعصر النهضة.

وبينما كانت المدن الغرناطية التي تستسلم تحظى بفرصة توقيع “معاهدات استسلام” تحفظ لها الحياة والممتلكات وحرية العبادة، كان الذين يقاومون الغزو يحظون بمعاملة قاسية، تتراوح بين العبودية والإعدام الفوري.

سكان مالقا المسلمون، مثلا، قاوموا بضراوة عام 1487 ضد القصف المدفعي المتكرر، لكن الجوع أجبرهم على الاستسلام. هكذا، عوقبوا جميعا بأن بيعوا عبيدا أو قدموا هدايا لحكام نصارى آخرين.

اقرأ أيضا: “هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية!”

على أن المسلمين دائما ما أثارت مقاومتهم إعجاب العدو نفسه، فالمؤرخ الإسباني فرناندو دي بولغار، وفق ما يورده كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”، أبدى إعجابه بالتحدي الذي أظهره سكان حمة التي شكل سقوطها في نهاية المطاف الضربة القاضية للمسلمين، إذ أنها عبدت الطريق للعدو نحو عاصمة المملكة، غرناطة.

كانت قيادة المسلمين مترددة ومتعاونة مع العدو، إذ كانت تضع نصب عينيها ضمان ممتلكاتها وامتيازاتها أكثر من مقاومة الغزاة. وقد تجلى ذلك في آخر حاكمي غرناطة المسلمين، الحاكم محمد الثاني عشر، الذي يعرف باسم أبي عبيدل.

يقول دي بولغار: “كان الأندلسيون يبذلون كل قوتهم وطاقتهم في القتال، وكان على رجالهم الشجعان أن يدافعوا عن حياتهم وحياة زوجاتهم وأطفالهم من الرق، فكانوا لا يحجمون عن القتال، ويفعلون ذلك فوق جثث أطفالهم وإخوانهم وأحبتهم أملا في إنقاذ الباقين”.

غير أن الموارد البشرية والمادية التي كانت متوفرة للنصارى كانت أكبر، نجد ذلك في ما قاله مسلم غرناطي مجهول لاحقا، وفق ما يورده ذات الكتاب:

“هاجمنا النصارى من كل حدب وصوب في سيل لا ينقطع، فرقة بعد أخرى… وأخذوا يضربوننا بحماس وإصرار كالجراد في كثرة فرسانهم وأسلحتهم… وعندما ضعفت قوتنا، خيموا في أرضنا وضربونا، بلدة بعد أخرى… وأحضروا كثيرا من المدافع الكبيرة التي هدمت الأسوار الحصينة للمدن”.

ليست قوة العتاد فقط من كانت بجانب النصارى، إنما أيضا القيادة المترددة والمتعاونة مع العدو من صفوف المسلمين، التي كانت تضع نصب عينيها ضمان ممتلكاتها وامتيازاتها، أكثر من مقاومة الغزاة.

اقرأ أيضا: “حسين الوادعي: الكذب في سبيل الله… أو ماركس حنيفا مسلما”

هذا الضعف تجلى في آخر حاكمي غرناطة المسلمين، الحاكم محمد الثاني عشر، الذي يعرف باسم أبي عبيدل، بحيث إن فترة حكمه تقلبت بين المواجهة غير المؤثرة، والعلاقات السرية مع العدو.

أيا كان الأمر، فبتوقف المساعدات التي كانت ترد من شمال إفريقيا، كان قد تقرر مصير الإمارة، التي تساقطت بلداتها ومدنها واحدة بعد الأخرى، إلى أن وقفت أخيرا جيوش فيرديناند وإيزابيلا على أبواب العاصمة نفسها، غرناطة… فماذا حدث بعد ذلك؟ ذاك ما سنتعرف عليه في الجزء الثالث من هذا الملف.


[1]  مشار إليه في الجزء الأول من هذا الملف… تعريب: مصطفى قاسم.
[2]  مفكر وفيلسوف إيطالي، عرف بكتابه “الأمير”، ويعد مؤسس النظرية السياسية الواقعية.

لقراءة الجزء الأول: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

لقراءة الجزء الثالث: سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا 3\10

لقراءة الجزء الرابع: بعد سقوط غرناطة: تسامح أولي ومحاولات تنصير… لدواعٍ اقتصادية وأمنية! 4\10

لقراءة الجزء الخامس: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

لقراءة الجزء السادس: وسُمع آخر أذان في إسبانيا… إلى حدود أواخر القرن العشرين! 6\10

لقراءة الجزء السابع: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

لقراءة الجزء الثامن: لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10

لقراءة الجزء التاسع: طرد المورسكيين واستئصال آخر بقايا الحضارة الأندلسية من إسبانيا 9\10

لقراءة الجزء العاشر والأخير: هل تصالحت إسبانيا اليوم مع ماضيها في الإبادة الدينية والعرقية؟ 10\10

تعليقات

  1. رقية

    من هوم نصارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *