×
×

التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10التاريخ الإسلامي لإسبانيا... من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد (الجزء الخامس)

لم يكن للملك فيرديناند أن يقدِم على مغامرة غير محسوبة العواقب من خلال تخيير مسلمي غرناطة بين النفي أو المعمودية (اعتناق المسيحية)، وذلك لاعتبارات عديدة عرفناها في الجزء الرابع. لكنه، عوض ذلك، تبنى سياسة الحرية على أمل أن يتنصر المسلمون من خلال احتكاكهم بالنصارى.

بناءً على ذلك، عَين الراهبَ الورع، إيرناندو دي طلبيرة، في منصب أول رئيس أساقفة غرناطة، الذي كان يفضل استمالة المسلمين إلى النصرانية بالكلمة والكتاب، بدل الترهيب.

قدّم هذا الراهب عظات عدة لنخبة المسلمين، لاعتقاده أن التنصير ينبغي أن يبدأ من الأعلى إلى أسفل، كما تعلم وأمر كهنته بتعلم اللغة العربية، وقيل إنه تمكن من قراءة الوصايا العشر وبعضا من كتاب العقيدة بها.

كان دي طليبرة يحترم رصانة المسلمين، وقال: “إنه يجب أن نتبنى أخلاقهم ويجب عليهم أن يتبنوا ديننا”. رغم ذلك، يشير المؤرخ الإنجليزي ماثيو كار في كتابه “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس” الذي أشرنا إليه في الجزء الأول من هذا الملف، إلى أنه كان متحمسا لاستئصال الطائفة المحمدية كأي رجل دين آخر؛ ذلك أن تنصير مسلمي غرناطة، بالنسبة له، كان مرادفا لتمدينهم.

نجح دي ثيسنيروس في طريقته الجديدة، فكثف جهوده إلى أن أصبح يتباهى أمام البابا ألكسندر السادس بأن ثلاثة آلاف أندلسي تنصروا في يوم واحد…

غير أن طرق دي طليبرة لم تؤت النتائج المطلوبة سريعا. ثم لاحقا، سيلتحق به رئيس أساقفة طليطلة، فرنشيسكو خيمينيث دي ثيسنيروس. الأخير عمل معه ولم يبد حماسة للطرق التبشيرية التي كان يتبعها زميله.

كان معدل التقدم بطيئا، وسرعان ما نفد صبر دي ثيسنيروس، فبدأ في إرسال المسلمين العنيدين إلى السجن. هناك، عومل هؤلاء  بطرق بشعة إلى أن كان الواحد منهم يوافق على اعتناق النصرانية.

دي ثيسنيروس نجح في طريقته الجديدة، فكثف جهوده إلى أن أصبح يتباهى أمام البابا ألكسندر السادس بأن ثلاثة آلاف أندلسي تنصروا في يوم واحد… الواقع أن نطاق التنصير كان واسعا إلى درجة أن المسلمين كانوا يرشون بالماء المقدس، عوض أخذهم إلى حوض التعميد.

اقرأ أيضا: “هذا أخطر أنواع اللاتسامح وأكثرها شيوعا في المجتمعات… وهكذا يمكن مواجهته! 3/1”

لم يبد رئيس أساقفة طليطلة أسفا، حيال اعتبار مجلس كنيسة طليطلة بأن هذا التنصير يشكل خرقا لاتفاقيات الاستسلام، إذ أعلن أنه إذا تعذر “جذب الكفار إلى طريق الخلاص، وجب جرهم إليه جرا”.

مسلمو غرناطة، بالتأكيد، لم يذعنوا جميعا. هكذا، لم يمض وقت طويل حتى أتت جهود دي ثيسنيروس بنتائج كارثية.

انفجر الغضب في نفوس السكان المسلمين، وأعلنوها ثورة مفتوحة في وجه دي ثيسنيروس، حتى أنهم انقضوا على بيته ونصحوه بأن ينجو بحياته، بيد أنه أُفلت… هذه الأخبار وصلت إلى الملكين، فيرديناند وإيزابيلا، والذين كانا في إشبيلية؛ فاعتقدا لوهلة أولى أنها ثورة عامة.

بينما كانت أجراس الكنائس تحتفل بتحول غرناطة إلى مدينة نصرانية، كانت الثورة تنتشر عبر الأرياف المحيطة بالمدينة.

اسْتُدعي دي ثيسنيروس لتقديم تفسير، فاعترف بأن حماسه المفرط لما في صالح الدين، أسهم في الاضطراب. لكنه علل ما حدث بأن المسلمين هم الذين خرقوا المعاهدات. هكذا، وبدلا من فرض عقوبات عليه، اقترح بمكر أن يصدر الملكان عفوا جماعيا عن الثوار شريطة أن يدخلوا في النصرانية.

هكذا، رجع إلى غرناطة ليترأس موجة أخرى من التنصير… في أسابيع، كانت غرناطة ظاهريا -على الأقل- قد تحولت إلى مدينة نصرانية، وبدأ يزعم دي ثيسنيروس في مجلس الكنيسة بأنه لا يوجد في المدينة مسلم واحد، وأنه حول كل المساجد إلى كنائس.

نفس العملية كانت تجري في البلدات والقرى المجاورة لغرناطة، فانحسرت الانتقادات الموجهة لعدوانية دي ثيسنيروس بعد هذه النجاحات؛ حتى إن دي طليبرة نفسه، اعترف بأن زميله حقق انتصارات أكبر من انتصارات فيرديناند وإيزابيلا، لأنهما فتحا الأرض في حين هو اكتسب أرواح الغرناطيين.

اقرأ أيضا: “التيار المدخلي: الدين في خدمة السياسة 1\2”

في غضون شهر، كان قائد موجة التنصير قد نقض المعاهدات تماما. لكن، بينما كانت أجراس الكنائس تحتفل بتحول غرناطة إلى مدينة نصرانية، كانت الثورة تنتشر عبر الأرياف المحيطة بالمدينة.

لم تكن لدى هؤلاء الثوار استراتيجية عسكرية أو سياسية أبعد من الرفض العام للإذعان لما اعتبروه انتهاكا لاتفاقيات الاستسلام… امتدت الثورة من جبال البشرات إلى مقاطعة ألمرية، فحشد نحو 80 ألف جندي نصرانية لإخضاعهم في عمليات وصفها بعض المؤرخين بـ”غياب الشهامة ورقة الشعور”.

عام 1501، ستنقذ وجيهة مسلمة، حياة دي ثينسروس مهندس التنصير القسري، الذي أصيب بالحمى؛ إذ أتت له بعشابة أندلسية في عمر الثمانين، عجلت بتعافيه على خلاف توصيات أطبائه النصارى.

كما الحال في حروب الاسترداد: من يستسلم، ينجو بحياته وممتلكاته، شرط أن يوافق على التعميد. أما من لا يفعل؛ فيعامل معاملة قاسية.

في بلدة بلفيك، مثلا، تحمل السكان المسلمون حصارا شديدا لثلاثة أشهر في البرد الشديد، قبل أن يجبرهم السكرتير الملكي دي ثافرا على الاستسلام تحت رحمة الملك، بعدما قطع عنهم إمدادات المياه. وبأوامره، أيضا، ألقي مئتان من زعماء الثوار من فوق مئذنة أحد المساجد، واستعبدت النساء والأطفال.

في بلدة أندرش، ذبح ثلاثة آلاف مسلم بأوامر من القائد الإسباني لويس دي بيومونت، منهم ستمائة امرأة وطفل فجروا داخل مسجد كانوا قد لجؤوا إليه. ومع أن بعض الأندلسيين فضلوا الموت كمسلمين، على أن ينَصّروا، فقد انحنى آخرون أمام ما اعتبروه أمرا حتميا، ووافقوا على التعميد اعتقادا منهم بأنهم سيتركون وشأنهم بعد ذلك. كما حدثت أيضا حالات تحول صادقة إلى النصرانية، وفق ما يسرده كتاب “الدين والدم.. إبادة شعب الأندلس”.

اقرأ أيضا: “على هامش التفجير الإرهابي بتونس: هكذا تستقطب التنظيمات المتطرفة الانتحاريين عبر الشبكة العنكبوتية”

ما إن بدأ تسريح الجيش، حتى بلغت البلاط أخبار عن انطلاق ثورة أخرى من رندة بالجبال الحمراء، حيث قيل إن القرويين المسلمين فيها، قتلوا الكهنة وباعوا النساء والأطفال النصارى رقيقا في إفريقيا.

أُرسلت قوات إلى هناك بقيادة ألونسو دي أغيلار، أحد محاربي غرناطة. لم يشك أحد من النصارى في قدرة هذه الحملة القوية على دحر الثوار في وقت قصير. لكن ضعف انضباط جنود دي أغيلار أدى إلى نتيجة مختلفة تماما.

لاحق رجال أغيلار مجموعة من الثوار المسلحين إلى الجبال الحمراء المقفرة، فوجدوهم في مواقع حصينة، فخيموا هناك بانتظار الصبح… في جنح الليل، زحف الثوار إلى الخطوط النصرانية ودخلوا معهم في قتال التحامي في الظلام؛ ثم، بحلول الفجر، كانت قوات أغيلار قد أفنيت، بما فيها أغيلار نفسه.

كان التعصب الديني، وهذا النوع من الحكم وإدارة الدولة، مقبولا حينذاك على نحو واسع، فقد دفع ميكيافيللي في كتابه الأمير بأن الدول المغلوبة يسهل الاحتفاظ بها حين يتبنى سكانها المهزومون لغة “الفاتحين” وعاداتهم وقوانينهم.

كان بإمكان الملك فيرديناند أن ينتقم منهم بجيوشه، لكنه اختار أن يكون مرنا، فيما اختار الثوار السلم، فخيرهم بين النفي والمعمودية، فيما رأت الملكة إيزابيلا أنه إذا لم يتنصروا، سيتنصر أبناؤهم وأحفادهم.

عام 1501، ستنقذ وجيهة مسلمة، حياة دي ثينسروس مهندس التنصير القسري، الذي أصيب بالحمى؛ إذ أتت له بعشابة أندلسية في عمر الثمانين، عجلت بتعافيه على خلاف توصيات أطبائه النصارى.

رغم هذا الجميل، عاش الرجل ليصبح رئيس محكمة التفتيش، ويشن حملة عسكرية على وهران شمال إفريقا، فظل يشن حروبه خارج إسبانيا إلى أن مات عام 1517.

اقرأ أيضا: “تاريخ الحج قبل الإسلام: بين القطيعة والاستمرارية 1\3”

في ذات السنة، سيأمر الملكان بحرق كل الكتب والمخطوطات الإسلامية في الإمارة السابقة، في ما يعرف بـ”محرقة غرناطة”. لم تسلم من هذه المحرقة إلا بضعة كتب طبية وفلسفية؛ وهي تعد، وفق بعض المؤرخين، أحد أفعال الهمجية الثقافية التاريخية.

كان التعصب الديني، وهذا النوع من الحكم وإدارة الدولة، مقبولا حينذاك على نحو واسع، فقد دفع ميكيافيللي في كتابه الأمير بأن الدول المغلوبة يسهل الاحتفاظ بها حين يتبنى سكانها المهزومون لغة “الفاتحين” وعاداتهم وقوانينهم.

بعد أن قام فيرديناند وإيزابيلا، بين عشية وضحاها، بتحويل زهاء 300 ألف مسلم إلى نصارى جدد، أصبح لزاما عليهما حينذاك أن يوسعا العملية عينها إلى بقية إسبانيا، فما الذي حدث بعد ذلك؟ ذاك ما سنتعرف عليه في الجزء السادس من هذا الملف.

لقراءة الجزء الأول: التاريخ الإسلامي لإسبانيا… من حضارة غير مسبوقة إلى محنة الدم والدين والطرد 1\10

لقراءة الجزء الثاني: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

لقراءة الجزء الثالث: سقوط غرناطة… آخر ممالك المسلمين في إسبانيا 3\10

لقراءة الجزء الرابع: بعد سقوط غرناطة: تسامح أولي ومحاولات تنصير… لدواعٍ اقتصادية وأمنية! 4\10

لقراءة الجزء السادس: وسُمع آخر أذان في إسبانيا… إلى حدود أواخر القرن العشرين! 6\10

لقراءة الجزء السابع: ثورة المورسكيين… أكثر الحروب الأهلية الإسبانية وحشية ودموية! 7\10

لقراءة الجزء الثامن: لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10

لقراءة الجزء التاسع: طرد المورسكيين واستئصال آخر بقايا الحضارة الأندلسية من إسبانيا 9\10

لقراءة الجزء العاشر والأخير: هل تصالحت إسبانيا اليوم مع ماضيها في الإبادة الدينية والعرقية؟ 10\10

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *