×
×

التيار المدخلي: الدين في خدمة السياسة 1\2لماذا غضب مغاربة من مداخلة السعودية؟ وكيف كون المداخلة شباب المغرب؟

تأثير الشأن الديني “المقدس” على الواقع الدنيوي “المدنس” لم يكن قط وليد المجتمعات الحديثة، بل يرجع إلى عصور سحيقة في تاريخ البشرية الطويل. وحدها نسبة التأثير هي التي تختلف من …

الشيخ ربيع بي هادي المدخلي

تأثير الشأن الديني “المقدس” على الواقع الدنيوي “المدنس” لم يكن قط وليد المجتمعات الحديثة، بل يرجع إلى عصور سحيقة في تاريخ البشرية الطويل. وحدها نسبة التأثير هي التي تختلف من عصر إلى آخر.

المداخلة، أو التيار المدخلي، نسبة إلى الشيخ السعودي ربيع المدخلي، أحد المذاهب السلفية الأكثر تسيّسا في الوقت الراهن. هو واحد من هذه التيارات التي لا تنفك عن الخوض في المسائل الدنيوية “المدنسة”، مستعينة فيها بأقوال “الله” و “رسوله”.

في هذا الملف، نحاول التعرف على أفكار التيار المدخلي، ومواقفه من السياسة والحاكم والجماعات الدينية. وهي مواقف لطالما أثارت الجدل في الأوساط الدينية، التي تشترك معه في النهل من نفس المعين.

حسن الكتاني: “كنا نظن المداخلة من غلاة أهل السنة في طاعة الحاكم وأنهم يهربون من سفك الدماء هروبا حتى رأيناهم يصطفون مع السيسي ضد مرسي ويوافقونه على سفك دماء الأبرياء بالآلاف”

“على السلفيين النصرة لدين الله تعالى وحمايته من الإخوان المسلمين وغيرهم؛ فالإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام. منذ قامت دعوة الإخوان المسلمين، وهم من أكذب الفرق بعد الروافض؛ عندهم وحدة أديان، ووحدة الوجود، وعندهم علمانية”. أثارت هذه العبارات المقتضبة، الواردة في رسالة قصيرة أذاعها شيخ سعودي، حفيظة مجموعة كبيرة من رجال الدين بالمغرب، وبالأخص أولئك الذين يتصدرون واجهة المنابر الإعلامية بين الحين والآخر، مخلفة علامات استفهام كبيرة لدى العديد من المتتبعين، لاسيما وأن هذه العبارات صادرة عن شيخ “مغمور”، يكاد يكون غير معروف عند الجمهور المغربي.

في حقيقة الأمر، لم تكن هذه العبارات عادية، على الأقل بالنسبة لمن تصدى لها بالرفض من رجال الدين المغاربة، باعتبار أنها صدرت في سياق سياسي محدد يخص الثورة الليبية، وعن أحد أكثر الشيوخ السلفيين إثارة للجدل في الأوساط الدينية، منذ تسعينات القرن الماضي. يتعلق الأمر بالشيخ السعودي ربيع بن هادي المدخلي، مؤسس التيار المدخلي ومنظره الأول.

الشيخ السلفي، حماد القباج، المنتمي لحزب العدالة والتنمية المغربي، اعتبر في تصريحات صحافية أن زعيم المداخلة: “يكشف دوره السياسي المسخر لفائدة قوى وأنظمة الاستبداد”

نُشرت الرسالة يوم 3 يوليوز 2016 تحت عنوان “نصيحة للمسلمين عمومًا والسلفيين خاصة، في ليبيا وغيرها من البلاد الإسلامية”. حذر الشيخُ المدخلي في رسالته السلفيين من “خطر” الإخوان المسلمين عليهم وعلى الإسلام بأكمله، مشيرا إلى أن “الإخوان يلبسون لباس الإسلام وهم أشد على السلفيين من اليهود والنصارى”.

إقرأ أيضا: فزاعة التقية في زمن الإسلاموفوبيا

دعوة منظر التيار المدخلي، بالرغم من أنها لم تشر إلى أشخاص محددين، إلا أن الكثير من الملاحظين اعتبروا بأنها تحمل في طياتها تكفيرا صريحا، نابعا بالأساس من جدل كلامي لا يمكن لأحد ادعاء الإحاطة بالحقيقة المطلقة فيه، ويتبدى ذلك بوضوح في دعوته للسلفيين في بنغازي الليبية بأن “يلتفوا لصدِّ عدوان الإخوان المفلسين، ولا يُمكِّنوا الإخوان من بنغازي”.

على أن “هجوم” الإخوان والسلفيين المغاربة على شيخ “المداخلة” لم يكن حصرا للرد على الرسالة فقط، كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، بل أن “الخصومة” بين الطرفين ترجع إلى سنوات خلت، حينما كان ربيع المدخلي يتصدى لبعض الأصوات الإسلامية التي كان يعدّها منخرطة بشكل أو بآخر في العمل السياسي، كالشيخ يوسف القرضاوي على سبيل المثال، والذي اعتبره الشيخ ربيع في إحدى الفتاوى،  أنه “رأس من رؤوس الضلال في هذا الوقت”.

وقد زادت “الخصومة” بين الطرفين حدة، على مختلف المستويات، إثر أحداث ماسمي بالربيع العربي، التي أسقطت بعض رؤساء الدول العربية، زاد منسوبها بعد تولي محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين، رئاسة الدولة المصرية.

المغاربة غاضبون

عندما نشر الشيخ ربيع المدخلي رسالته، لم تمض سوى ساعات قليلة حتى انطلقت ردود الفعل المختلفة، من مختلف الأطراف المعنية بها، لاسيما من السلفيين. من الملاحظ أيضا أن أغلب ردود الفعل التي أعقبت نشر الرسالة، استنكرت في مجملها، مضامينها، حيث اتهمت صاحبها بالجهل، معتبرة بأن نية كاتبها هي تأجيج الفتنة.

وبالنظر إلى أن الرسالة كانت قد دعت السلفيين في المغرب، إلى جانب دول أخرى مثل السعودية وليبيا واليمن وغيرها، بالتقيد بما ورد فيها من “نصائح”، فإن أول ردود الفعل عليها، انطلقت بالضبط من المغرب، من لدن وجوه بارزة على المستوى الإعلامي.

“الإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام. منذ قامت دعوة الإخوان المسلمين، وهم من أكذب الفرق بعد الروافض”

الشيخ السلفي المغربي المثير للجدل، حسن الكتاني، كان من الأوائل الذين انكبوا على الرد على الرسالة المدخلية، حيث وصف منظر المداخلة بأنه “شيخ الفئة الضالة”، قائلا: “كنا نظن المداخلة من غلاة أهل السنة في طاعة الحاكم وأنهم يهربون من سفك الدماء هروبا حتى رأيناهم يصطفون مع السيسي ضد مرسي ويوافقونه على سفك دماء الأبرياء بالآلاف”. وأضاف: “كنا نظنهم يعظمون العلماء الرسميين لكثرة تثريبهم على الشباب الذين يستنقصون منهم، حتى رأيناهم في ليبيا يناصرون الخارجي المارق حفتر ضد الحكومة وضد دار الإفتاء وعلى رأسها الإمام الغرياني”.

إقرأ أيضا: حينما رفس القوم ابن تيمية لتجسيده “جلوس” الله

انتقادات المغاربة للشيخ المدخلي لم تتوقف عند هذا الحد، فقد دخلت أيضا مؤسسات “علمية” على خط القضية، كرابطة “علماء المغرب العربي”، التي كان يرأسها الشيخ المغربي المتوفى مؤخرا محمد زحل، معتبرة في بيان أصدرته حول الرسالة بأن هذه الأخيرة تحمل دعوة إلى “الفتنة بين المسلمين، وزرع للحقد والعداوة بين أهل السنة والجماعة”.

الشيخ السلفي، حماد القباج، المنتمي لحزب العدالة والتنمية المغربي، هاجم من جهته أيضا رسالة المدخلي، إذ اعتبر في تصريحات صحافية أن زعيم المداخلة: “يكشف دوره السياسي المسخر لفائدة قوى وأنظمة الاستبداد”. القباج شدد على أن الشيخ السعودي يهدف إلى “زرع بذور الاقتتال بين أبناء الشعب الليبي على أساس الكذب وترسيخ فتنة الطائفية”، مشيرا إلى وجود ما أسماها “حملة ظالمة على الإخوان”، حملة اعتبر الشيخ السلفي، أنها “سياسية ولا علاقة لها بالرد الشرعي”، على حد تعبيره.

وبالفعل، من خلال التفاعلات التي أعقبت رسالة الشيخ المدخلي، لاحظ مجموعة من المراقبين أنها تتجاوز كونها مجرد ردود فعل على “النصيحة” المدخلية، بل تتجاوزها إلى أشياء أخرى أكثر “عمقا”، تتعلق أساسا باختيارات ومواقف الشيخ ربيع المدخلي، المتعارضة مع آراء الكثير من الشيوخ والفقهاء.

في الجزء الثاني من هذا الملف، سنتعرف بشكل أعمق على التيار المدخلي، منذ بداياته إلى أسسه التي يوجد من بينها، مثلا، تحريم الأحزاب السياسية وتحريم الخروج في مظاهرات واحتجاجات وتحريم تقديم النصح للحاكم أو الخروج عن طاعته.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *