سناء العاجي الحنفي: امرأة هزت عرش استقرار الأسرة… أو الميزوجينية العابرة للإيديولوجيات
مناهضة حقوق النساء ليست منطق الإسلاميين والمحافظين فقط، والذين يرون في حرية وانطلاق واستقلالية النساء تهديدا للتراتبية التي صنعتها المجتمعات التقليدية والنصوص القديمة؛ بل هو منطق يشترك فيه الكثير من الإسلاميين والكثير من المحافظين… وأيضا الكثير من حملة شعارات اليسار والديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان. هم يساريون وحقوقيون وحداثيون فيما يتعلق بشكل نظام الدولة، وماهية السلطة. لكن حقوق النساء ترعبهم، تماما كما ترعب الإسلاميين والمحافظين.
الحقيقة القاسية هي أن الميزوجينية إيديولوجية مشتركة تخترق التوجهات والتصنيفات التقليدية.
حرية النساء تهدد استقرار الأسرة.
وكرامة النساء تهدد استقرار الأسرة.
وحقوق النساء تهدد استقرار الأسرة.
لكن العنف لا يهدد استقرار الأسرة. وهدر حقوق النساء المدنية والاقتصادية والاجتماعية لا يهدد استقرار الأسرة. والتحرش الجنسي في الشارع وفي العمل لا يهدد استقرار الأسرة. وعدم احتساب قيمة العمل المنزلي لا يهدد استقرار الأسرة.
كلما طرحت منصة، أو جمعية، أو صحافي أو كاتبة نقاشا حول حقوق النساء، حول التعديلات المرتقبة (متى؟) لمدونة الأسرة، حول تقييم العمل المنزلي، حول المساواة في الإرث، حول الحد من العنف ضد النساء، يخرج البعض بتعليقات تعبر عن خوفهم العميق على “استقرار الأسرة” إذا تم تنفيذ هذه المطالب، وخوفهم من تحويل العلاقات العاطفية لحسابات مادية (!!)، وخوفهم من “العزوف عن الزواج”.
أولا، العزوف المحتمل عن الزواج قد يكون اختيارا شخصيا وجب علينا احترامه. كما أنه قد يكون نتيجة تحولات اقتصادية واجتماعية معقدة يعيشها مجتمعنا (وتعيشها معظم المجتمعات في الواقع، لأن الظاهرة عالمية).
في هذه الحالة، فنحن نحتاج آلياتٍ لمحاولة التفكيك والفهم، ليس بالضرورة بهدف “إيجاد حلول”، ولكن لكي نفهم التحولات المجتمعية بدون أحكام قيمة. وأيضا، دون أن نصبغ تحولات قيمية معقدة، بتصورات نأتي بها من الماضي أو من تجارب وأحكام شخصية: هل هناك تصورات جديدة لأنماط العلاقات لدى شباب وشابات اليوم؟ هل الاقتصادي يتحكم في العاطفي؟ هل هناك، لدى الأجيال الجديدة، مساءلة دفينة لمؤسسة الزواج نفسها، بشكلها التقليدي؟… إلى غير ذلك من الأسئلة التي نحتاج لطرحها سوسيولوجيا بهدف الفهم، لا بهدف إطلاق صافرات الإنذار حول “الخطر المحدق” بتصور مجتمعي يراه البعض الشكل الأوحد للعيش؛ فيما قد يعيش هذا النمط، بفعل التحولات المجتمعية عبر العالم، لحظة مساءلة؛ تماما كما ساءلت البشرية عبر التاريخ أنماط عيش كانت متعارفا عليها حينها.
لكن، أهم من كل هذا: ما الذي يجعل البعض يعتقد ويؤمن أن هضم حقوق النساء هو ما سيجعل العزوف عن الزواج يختفي (ما داموا يعتبرون أن النسوية والحديث عن حقوق النساء هي السبب الذي يجعل الشباب عازفا عن الزواج – وهو تصور ذكوري محض بالمناسبة)؟
هل يعني هذا أن استمرار حرمان النساء من حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية والمدنية، والحفاظ على وضع التمييز والظلم القائم ضد النساء، هو ما يُطمئِن الراغب في الزواج؟ ربما لأنه يعلم أنه لن يساهم في تحمل الأعباء المنزلية وأنه قد يعنف دون عواقب وأنه قد يطلق دون توفير نفقة لأطفاله وأنه قد يهدد زوجته السابقة بحرمانها من الحضانة إن قررت الزواج (بينما يستطيع الزواج) وأنه قد يستغل ولايته القانونية الحصرية على الأطفال ليبتزها، وأنه سيعتبر عملها المنزلي غير ذي قيمة (طبعا، مادامت “غيرْ ﮜـالسة فالدار”)…
هذا هو التفسير الوحيد الممكن والمتاح لفهم خوف بعضهم من ضمان حقوق النساء، واعتبار هذه الحقوق هي ما يهدد استقرار الأسرة ويتسبب في عزوف الشباب عن الزواج.
بالمناسبة، عجيب كيف أن العزوف يرتبط، في المخيال الجمعي، بالشباب / الذكور. ماذا لو كانت النساء أيضا، بفضل تطور وعيهن الحقوقي، أصبحن عازفات / متخوفات من الزواج بصيغته التقليدية؟ ألم نقل إننا نحتاج لطرح الأسئلة سوسيولوجيا لكي نفهم… لا لإطلاق صافرات الإنذار والشعارات العاطفية الاختزالية؟
أحد هؤلاء المروجين لنظرية “تهديد استقرار الأسرة بسبب حقوق النساء”، و”تهديد النسويات للأسرة”، كتب مؤخرا بأن من يتزوج امرأة مطلقة هو فاقد للرجولة “تزوج بفضلات من هو أفضل منه” (“تزوّج بشياطة سيده” كما كتب). تساءلت أولا: ماذا لو كانت هذه السيدة قد اختارت الطلاق لأنها كانت متزوجة من شخص سيء؟ ثم تساءلت ثانيا وأنا أتذكر: وماذا عن النبي وقد كانت معظم زوجاته مطلقات وأرامل؟
الحقيقة أن حَمَلة هذا الخطاب يستعملون الدين… فقط لتكريس تحقير النساء. وإلا، فكيف يثورون ضد المطلقات وزواجهن، والإسلام لم يَحرِّم زواج المطلقة، والنبي نفسه والصحابة في معظمهم تزوجوا نساء مطلقات أو أرامل لهن أبناء، دون أن يهددهم أزواجهم السابقون بسحب الحضانة لأنهن تزوجن؟ أم أن النموذج النبوي لا يروق لهم إلا في التعدد وتزويج الصغيرات؟
كما أن هذه التصورات تفضح حقيقة مرعبة: مناهضة حقوق النساء ليست منطق الإسلاميين والمحافظين فقط، والذين يرون في حرية وانطلاق واستقلالية النساء تهديدا للتراتبية التي صنعتها المجتمعات التقليدية والنصوص القديمة؛ بل هو منطق يشترك فيه الكثير من الإسلاميين والكثير من المحافظين… وأيضا الكثير من حملة شعارات اليسار والديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان. هم يساريون وحقوقيون وحداثيون فيما يتعلق بشكل نظام الدولة، وماهية السلطة. لكن حقوق النساء ترعبهم، تماما كما ترعب الإسلاميين والمحافظين. حقوق الإنسان عندهم تتوقف عند الحقوق السياسية. لكن، تقييم العمل المنزلي؟ المساواة في الإرث؟ حق المرأة في التحكم في جسدها واختياراتها؟ التوقيف الإرادي للحمل؟ منع التعدد ومنع تزويج الصغيرات؟ كل هذا خطاب نسوي غربي يهدد قيم الأسرة.
الحقيقة القاسية هي أن الميزوجينةَ إيديولوجية مشتركة تخترق التوجهات والتصنيفات التقليدية.
والحقيقة أيضا أن تأمل معطيات وأرقام وشهادات واقع أسرنا الحالي… يثبت لمن مازال في الحاجة لدليل، أن أسرنا في معظمها ليست مستقرة، لأن العديد من نسائها وبناتها وأطفالها، يعانون الظلم.
نسب الطلاق التي ترتفع (وإن كانت هذه بدورها ظاهرة معقدة تحتاج لتفكيك وفهم، لا لصافرات إنذار) يبقى أحد أهم أسبابها هو أن مئات النساء اللواتي كن يتحملن الظلم لأسباب اقتصادية أو اجتماعية، صرن يفضلن حريتهن على حياة مهينة أو ظالمة. وحتى هذه تصبح تهمة يشهرها البعض: “العيالات ما بقاوش كيصبرو”؛ إذ للحفاظ على استقرار الأسرة، نحن لا نحتاج لتغيير القوانين والعقليات ولتطبيق قوانين عادلة؛ بل نحتاج فقط لنساء يصبرن على الظلم والعنف (مضطرات في الغالب، حين لا يتوفر بديل يحمي حقوقهن وكرامتهن).
لعل الاستقرار الذي يدافع عنه هؤلاء، هو ما تترجمه المقولة الشعبية: “يلا يلقيتي جوج مطولين، عرف الدْرْك على واحد فيهم”. فما المشكل إن استمرت النساء في تحمل الظلم في مختلف جوانب الحياة، ما دمنا نحافظ على صورة وهمية لأسرة مستقرة (لا طلاق فيها) بغض النظر عن سعادة الأفراد داخلها؟

