×
×

عبد الإله أبعصيص: شرعية “البنية” أو شرعية القهر؟

كل البنيات تجد سندها في استجابتها لمطالب من “تهيمن”عليهم؛ فالدولة كبنية لا تكون حائزة للشرعية، حتى تكون مستجيبة لمطالب مواطنيها؛ كيفما كانت وكيفما كانوا وكيفما تكن طبيعة هيمنتها عليهم. نفس …

كل البنيات تجد سندها في استجابتها لمطالب من “تهيمن”عليهم؛ فالدولة كبنية لا تكون حائزة للشرعية، حتى تكون مستجيبة لمطالب مواطنيها؛ كيفما كانت وكيفما كانوا وكيفما تكن طبيعة هيمنتها عليهم.

نفس الشيء بالنسبة لباقي البنيات، حزبا أو جمعية أو نقابة أو غيرها. لا يمكن للدولة في شخص حاكمها/حاكميها أن تكون مستجيبة ما لم تكن مستمعة ومتعايشة. نفس الأمر بالنسبة لغيرها من المؤسسات: لا يمكن لحزب أو نقابة، ما لم تكن مستمعة أو متعايشة، أن تكون مستجيبة.

الحاكم المتعايش هو القادر  على حسن الاستماع، إن مباشرة أو عن طريق وساطات يؤطرها القانون؛ تعمل على إيصال المطالب من أسفل إلى أعلى. نفس الأمر بالنسبة لقيادات الأحزاب والنقابات. إما تكون مستمعة بشكل مباشر أو عن طريق وسائط ينظمها القانون المؤطر لهذه التنظيمات.

الدولة كالقدر لا خيار أمامه، أما باقي البنى، فالأفراد هم من يختارونها لتمارس هيمنتها عليهم؛ شرعية كانت أم غير حائزة لأي شرعية…

في الوقت الذي ينعدم التعايش ويقل الاستماع، تنتفي الاستجابات. هنا، يكمن صلب المشكل: فالدولة تكون حينها في واد والمواطن في واد. لا هي متعايشة لتسمع وتستجيب لأنها لا تعيش نفس أوضاع من تهيمن عليهم. حتى من هم مكلفون، بحسب القانون، بنقل المطالب من أسفل إلى أعلى، لا هم متعايشون ولا آذان لهم ليسمعوا. نفس الأمر بالنسبة لباقي البنى، فقد ضاعت مابين متفرغ ومتقاعد وعجوز صمت آذانه؛ فلا هو متعايش ولا هو مستمع ليستجيب.

إقرأ أيضا: موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: إمارة المؤمنين، حكاية البدايات

وبين هذه وهذا وتلك… ضاع المواطن والمناضل والمنخرط.

الشرعية ليست بالتاريخ وحده، وليست بالقوة وحدها. هذه شرعيات غاصبة سندها قهري لا دوام لها مهما استطالت في الزمان والمكان. الشرعية الباقية الممتدة هي شرعية الاستجابة للمطالب.

إن ما تقوم به هذه البنى من ممارسات وأفعال وسلوكات وإجراءات وقرارات ومواقف، مهما كانت متفرقة أو بسيطة، منسجمة أو استراتيجية، تختزل في العمق نظرتها للحياة والمجتمع والتاريخ والمستقبل. لاشيء فيها متروك للصدفة أو للاعتباطية.

قد لا تكون تصرفات مبنية على دراسات و مخطط لها من قبل، لكنها تختزل نظرة ما عما سبق وعما سيأتي. إن الدولة والجمعية والحزب والنقابة كبنيات، لا تتصرف اعتباطا وإن لم تخطط وتبرمج بشكل علمي وقبلي، لكنها وهي تمارس أدوارها أو تمتنع عن ممارسة أدوارها، فإنها تعبر عن موقف ما. عن تصور ما ورؤية ما للعالم والمجتمع والحياة.

إن كانت ممارسة دمقراطية وشرعية، فهي تعبر عن نظرة سليمة للعالم وللعلاقات بين الأفراد والجماعات… وإن كان العكس، فطبعا ستعبر عن نظرة تختزل ما تراه وما تختزنه في وعيها ولا وعيها عن طبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعات وعن كيفية تصورها لما يجب أن تكون عليه الأوضاع التي لها دخل في تشكيلها ولها قدرة على التحكم في مسارها.

الدولة والجمعية والحزب والنقابة لا تتصرف اعتباطا… لكنها وهي تمارس أدوارها أو تمتنع عن ممارسة أدوارها، فإنها تعبر عن موقف ما. عن تصور ما ورؤية ما للعالم والمجتمع والحياة.

باختصار شديد، كل بنية لا تصدر إلا ما يعبر عن نظرتها وتصورها لما يجب أن تكون عليه الأوضاع التي تتحكم في صنعها. لا دخل للصدفة أو الحوادث العابرة مهما كان حجم ثأثيرها، لكنها تظل قادرة على تعديل مسارها بالشكل الذي يضمن لها الاستمرار والبقاء. هذا هو ما يسميه أهل الاقتصاد “la régularisation”، أي القدرة على التعديل الذاتي للمسار. ولعل الأمثلة على ما سبق كثيرة؛ فالدول الأكثر رفاها هي الدول المستجيبة بغض النظر عن طبيعة الحاكم المتغير، لأن الشرعية يحوزها كما سبق وقلنا، الحاكم “المستمع/المستجيب”. بينما الدول الغارقة في براثين الفقر والجهل والمتزاحمة في ذيل ترتيب الرفاهية، هي الدول التي يحوز حاكموها/حاكمها شرعيته المستندة على الغصب والقهر. رغم امتدادها في الزمان والمكان، فإن هذه العينة من الدول سائرة إلى زوال، ما لم تقم بتعديل مسارها الذاتي لتضمن بقاء ودواما حقيقيا.

إقرأ أيضا: هشام روزاق: دولة تجدد نــ(ــحــ)ــبها!!

نفس الأمر بالنسبة لأحزاب ونقابات، منها ما اندثر ومنها ما هو في الطريق الى الانذثار؛ والسبب في تقديرنا هو عدم قدرتها على التعايش مع من تهيمن عليهم “اختياريا”طبعا؛ لأن الفرق بين هيمنة الدولة وباقي البنى يكمن في الحق في الإختيار: الدولة كالقدر لا خيار أمامه، أما باقي البنى، فالأفراد هم من يختارونها لتمارس هيمنتها عليهم؛ شرعية كانت أم غير حائزة لأي شرعية…

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *