×
×

النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (2)

بعدما تطرقنا في الجزء الأول من هذه الورقة، لسؤال تكوين النظام الخاص للإخوان المسلمين، نخصّص هذا الجزء الثاني، لاستعراض مظاهر العنف التي مارسها هذا النّظام الخاصّ في مصر بعد قيام …

فريد بن بلقاسم: أستاذ بجامعة تونس المنار

بعدما تطرقنا في الجزء الأول من هذه الورقة، لسؤال تكوين النظام الخاص للإخوان المسلمين، نخصّص هذا الجزء الثاني، لاستعراض مظاهر العنف التي مارسها هذا النّظام الخاصّ في مصر بعد قيام ثورة يوليو\تموز 1952 في الخمسينات والستينات إبّان حكم عبد الناصر.

قبل أن نخوض في الصراع الّذي دار بين الجماعة والنظام المصري الجديد آنذاك، نلفت انتباه القارئ إلى أنّ عنف النّظام الخاص لم يقتصر على من تعتبرهم الجماعة أعداءها فقط بل شمل أعضاء من التنظيم نفسه. أهمّ عمليّة كانت اغتيال سيّد فايز في 19 نوفمبر \ شباط 1953 بواسطة علبة متفجّرة سُلّمت إليه على أساس أنّها صندوق حلوى هدية بمناسبة عيد المولد النبويّ. ما إن فتحها، حتى انفجرت في وجهه وقُتل هو وشقيقه. اتّهم عبد الرحمن السندي قائد النّظام الخاص حينها بتدبير الحادث في إطار عمليّة تصفية داخليّة بين الأجنحة المتصارعة داخل التنظيم.

تواترت الشهادات من قيادات الإخوان على أنّ جمال عبد الناصر كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، بل يذهب عشماوي إلى القول بأنّ “رجال الثورة من الإخوان، وأنّهم يأتمرون بأمر المرشد العام”؛ وقد انتظم شباب الإخوان في المعسكرات التي شكّلها ضباط الثورة في المدن. لكن…

اشتدت المواجهة بين التنظيم الخاصّ لجماعة الإخوان والنّظام المصريّ بقيادة عبد النّاصر، وبلغ الأمر بالإخوان في صراعهم معه حدّ التشفّي منه بعد هزيمة يونيو\حزيران 1967، إذ اعتبرها محمود الصبّاغ “آية من الآيات الدالّة على عظمة الخالق ولطيف عنايته”.

سرعان ما انقلبت العلاقة بين الطرفين لأسباب، يقول عشماوي، إنّها تتعلّق في الظاهر بالخلاف بينهما حول مفاوضات الجلاء مع البريطانيين. بفقدان الإخوان السيطرة على رجال الثورة الّذين “تنكّروا لبيعتهم مع الجماعة واتّفاقهم معها” في الباطن.

يمكن تقسيم هذه المرحلة إلى فترتين:

فترة المواجهة الأولى في الخمسينات:

بدأت بوادر التوتّر في المظاهرات التي سعى من خلالها الإخوان إلى إظهار قوّتهم وإحراج النّظام؛ وقد “اتّخذوا قرارا بالمواجهة والتصادم معه”، معتبرين أنّهم في “معركة مصيريّة مع رجال الحكم العسكريّ الّذين تنكّروا لقيادتهم وأداروا ظهورهم لبيعتهم”. في الحقيقة، لم تكن القوّة عدديّة فقط، بل كانت قوّة سلاح.

إقرأ أيضا: … حين تلقى أردوغان “هدية” بــ 25 مليون دولار

أعدّ الإخوان خطّة الصدام، وهي تقوم على خمس تحرّكات ذكرها عشماوي على النحو التالي:

أولا، تحييد الجيش بواسطة العناصر الإخوانيّة المدسوسة فيه،

ثانيا، إلقاء القبض على الشخصيات المهمّة، وإن تعذّر ذلك اغتيالهم،

ثالثا، الاستيلاء على أقسام البوليس والمباني المهمّة في الأقاليم،

رابعا، مساعدة المجموعات الوافدة على القاهرة على الاستيلاء على المباني الحكوميّة، وقد كانت محدّدة بدقّة،

وأخيرا، قيام الطلاّب بمظاهرة ضخمة ومسلّحة تحاصر القصر الجمهوري وتستولي عليه.

تطارح الإخوان خطّة تقوم على التخلّص من عبد النّاصر واغتيال شخصيّات مؤثّرة في الحكومة المصرية، وتخريب المنشآت مثل مبنى الإذاعة والتلفزيون ومحطّات الكهرباء.

ولك، أيّها القارئ، أن تقارن هذه الخطّة بما ذكره المنصف بن سالم في مذكرّاته، وترصد نقاط التشابه بينها وبين الخطّة التي أعدّتها ما سمّاها بمجموعة “الإنقاذ الوطني” للانقلاب على النّظام في 8 نوفمبر \ شباط 1987.

تمثّل حادثة المنشية في الإسكندرية في عام 1954، التي تعرّض فيها جمال عبد النّاصر، لعملية إطلاق نار، أوج مراحل الصّدام بين النّظام وجماعة الإخوان. وقد انكشفت من خلال ردّة فعل النّظام مظاهر الارتباك والشعور بالرعب لدى جماعة الإخوان.

في أعقاب هذه المواجهة الأولى، انقسم الإخوان إلى قسمين في علاقتهم بالحكومة؛ قسم دعا إلى الاتصال بها وتصفية الخلاف معها وقسم رفض ذلك، وقد آل الصراع بينهما إلى معركة جرح فيها بعضهم.

فترة المواجهة الثانية في الستينات:

بعد الإفراج عن الإخوان وخروجهم من المعتقلات منذ سنة 1956، استعاد النّظام الخاص نشاطه بالتدريب والإعداد الروحيّ والرياضيّ والعسكريّ، والبحث عن مصادر تمويله (إنشاء مؤسسات تجاريّة، تبرّعات الأعضاء في الداخل والخارج، تمويلات خارجيّة)؛ وتوفير الأسلحة والمتفجّرات والمفرقعات من داخل البلاد وخارجها، إلى أن تمّ الأمر في سنة 1962.

لقد كان العامل المميّز لتكوّن التنظيم في هذه المرحلة هو التأثّر بفكر سيّد قطب القائم أساسا على المفاصلة مع المجتمع والنّظام.

إقرأ أيضا: التيار المدخلي: الدين في خدمة السياسة 1\2

تطارح الإخوان خطّة تقوم على التخلّص من عبد النّاصر واغتيال شخصيّات مؤثّرة في الحكومة المصرية، وتخريب المنشآت مثل مبنى الإذاعة والتلفزيون ومحطّات الكهرباء.

تصاعدت أجواء التوتّر بين التنظيم والحكومة المصريّة؛ واللاّفت فيما يرويه علي عشماوي أنّ سيّد قطب كان يؤكّد على قرب الصدام بالاستناد إلى معلومات تأتيه من مكتب المشير عبد الحكيم عامر، وهو ما يطرح أسئلة حول علاقة سيّد قطب بالمشير في تلك الفترة.

ويبدو أنّ النّظام المصريّ قد بادر إلى هذا الصّدام من خلال شنّ حملة اعتقالات كبيرة تمكّن خلالها من القبض على قادة التنظيم الخاصّ ومحاكمتهم. تلك المحاكمة التي انتهت بإعدام سيّد قطب ومحمّد يوسف حواش وعبد الفتاح إسماعيل. بذلك، أقفل الستار على هذه المرحلة الثانية من المواجهة بين التنظيم الخاصّ لجماعة الإخوان والنّظام المصريّ بقيادة عبد النّاصر، وبلغ الأمر بالإخوان في صراعهم معه حدّ التشفّي منه بعد هزيمة يونيو\حزيران 1967، إذ اعتبرها محمود الصبّاغ “آية من الآيات الدالّة على عظمة الخالق ولطيف عنايته”.

في أعقاب المواجهة الأولى، انقسم الإخوان إلى قسمين في علاقتهم بالحكومة؛ قسم دعا إلى الاتصال بها وتصفية الخلاف معها وقسم رفض ذلك، وقد آل الصراع بينهما إلى معركة جرح فيها بعضهم.

لقد استعرضنا جملة من الأحداث التي تكشف طابع النّظام الخاصّ الإخوانيّ الصداميّ، وأنّه ذراع الجماعة المسلّح لممارسة العنف ضدّ الخصوم ولمواجهة النّظام الحاكم طيلة الفترة الممتدّة من الأربعينات إلى الستينات. لكن، يبدو أنّ قادة هذا النّظام كانوا يبالغون في تقدير قوّتهم، فوجدوا أنفسهم يخوضون مواجهات غير متكافئة. هذا الأمر أدّى إلى اعتقالهم ومحاكمتهم.

بعد الستينات، ستبدأ مرحلة جديدة تشكّلت فيها معالم تنظيمات جديدة اتّخذت بعدا أكثر تطرّفا في الفكر وأكثر عنفا في الممارسة، لاسيّما بعد ظهور حركات إسلامويّة في بلدان عربيّة أخرى متأثّرة لا بالإيديولوجيا الإخوانيّة فقط، وإنّما بأساليب الإخوان في العمل التنظيميّ، وأهمّها تكوين جهاز سريّ خاصّ، وهو ما اعترف به أحمد عادل كمال، أحد أعضاء النظام الخاصّ الإخواني في الأربعينات في مقدّمة كتابه “النقط فوق الحروف. الإخوان المسلمون والنّظام الخاصّ”، الذي أشرنا له في الجزء الأول من هذا الملف. أحمد عادل ذكر في كتابه هذا امتداد هذا الجهاز خارج مصر، في تركيا وبعض دول المغرب الكبير والسودان وغيرها.

لقراءة الجزء الأول: التنظيم السرّي عند الإخوان: بحث في المرجعيات ـــ بحث في النشأة

لقراءة الجزء الثاني: التنظيم السرّي عند الإخوان: بدايات الظهور – الجزء الثاني

لقراءة الجزء الثالث: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (1)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *