×
×

الطريق إلى الإرهاب: خطّة الإخوان لاختراق الدّولة والسّيطرة عليها

أهمّ شرط يُفرض على المنتدبين للجهاز الخاص ويؤدّي الإخلال به إلى عقوبة الإعدام، هو السريّة المطلقة المرتبطة بقدسيّة البيعة للمرشد؛ لأنّ العضو، كما يقول المرشد الثالث الشيخ عمر التلمساني: “لا يبايع إنسانا بالذّات ولكنّه يبايع الله سبحانه وتعالى على الوفاء، مخلصا في العمل الّذي أراد أن يساهم فيه”، مشيرا في ذلك إلى الآية: “إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم”.

تابعنا في الجزء السابق من هذا الملف، كيف رسمت حركة الإخوان المسلمين، خطة مدروسة لأسلمة المجتمع والسيطرة عليه.

في هذا الجزء، نواصل النبش في أسرار التنظيم، ونقف على أهم خططه لاختراق الدولة والسيطرة على أجهزتها ومؤسساتها.

مصطفى التواتي أستاذ الحضارة والأديان المقارنة بجامعة منّوبة _ تونس

جعلت بعض الحركات الإخوانيّة من صورة الحمامة شعارا لها. لكنّ جناحي الحمامة المفتوحين للسلام يخفيان في الحقيقة مخالب وأنيابا ممثّلة فيما بات يعرف بالجهاز السرّي الذي يجد تفسيرا لضرورة وجوده في الهدف السياسي المعلن للجماعة، وهو ما يمكن فهمه من كلام حسن البنّا نفسه في “إسلامنا، رسالة المؤتمر الخامس”، عندما أجاب عن السؤال: “هل في منهج الإخوان المسلمين أن يكوّنوا حكومة وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم في ذلك؟”، إذ رد البنا قائلا:

“إنّ قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلاميّة، لا يكفّر عنها إلاّ النّهوض واستخلاص قوّة التنفيذ من أيدي الّذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف”.

انطلق الإخوان منذ التأسيس، باختراق منظّمة الكشّافة وأسلمتها وتحويلها إلى ما يعرف “بالجوّالة” أو الكشّافة الإسلاميّة؛ ومن هذا التنظيم انتدبوا العناصر الأولى للجهاز الخاصّ، ثمّ وقع دعمه بانتدابات من صفوف الجيش وقوّات الأمن والاستعلامات وغيرها من أجهزة الدّولة.

لكنّه يضيف أنّ الإخوان “أعقل وأحزم من أن يتقدّموا لمهمّة الحكم ونفوس النّاس على هذا الحال. فلا بدّ من فترة تُنْشر فيها مبادئ الإخوان وتسود”، والمقصود هنا فترة “التمكين”.

لعلّ تجربة الإخوان المسلمين الكارثيّة في الجزائر ومؤخّرا في مصر، وفشلهم في التمسّك بالحكم في أوّل ولاية لهم على تونس، خير دليل على تسرّعهم أحيانا، متناسين نصيحة المرشد المؤسس الذي كان يفضّل للإخوان ألاّ يحكموا مباشرة قبل التمكّن، والأجدى أن يحكموا في هذه المرحلة من وراء واجهات أخرى؛ وهم يعرفون كيف يتخلّصون منها بعد قضاء الحاجة أو عند الخوف من فقدان السيطرة عليها، كما فعلوا مع جعفر النّميري في السودان.

إقرأ أيضا: علي اليوسفي: الجذور التاريخية للحجاب

في هذا الإطار، كان البنا قد قال: “إن وجدوا (الإخوان) من الأمّة من يستعدّ لحمل هذا العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني، فهم جنوده وأنصاره وأعوانه”.

يبدو واضحا إذن أن الإخوان لا يتحرّجون من التحالف الظّرفي والانتهازي مع أي طرف مهما كانت عداوتهم له، خير مثال على ذلك، تحالفهم مع السادات والنميري وما قاموا به في تونس في السبعينات من تحالف مع الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم ضدّ اليسار، قبل أن ينقلبوا عليه ويشرعوا في الإعداد لانقلاب عسكري أحبطه انقلاب بن علي في1987. حينها، تحالفوا معه قبل أن ينقلبوا عليه بدوره ويحاولوا اغتياله، قبل أن يواصلوا نفس السياسة بعد الثورة، حيث تحالفوا مع المرزوقي ومصطفى بن جعفر إلى أن استهلكوهما تماما سياسيّا.

في مرحلة ما بعد انتخابات 2014، “توافق” الإخوان المسلمون مع عدوّهم السّابق، الباجي قائد السّبسي، وقد انتهى هذا “التّوافق” بتفتيت حزبه وتمرّد رئيس حكومته عليه بتحريض من حركة النهضة، لتوظيفه كحليف علماني ضعيف في انتخابات 2019.

لكنّ هذا العمل السياسي المخرّب للقوى المنافسة، كان يتمّ بالتوازي مع عمل آخر سري لتحقيق “التمكّن” المنشود عبر مسلكين:

أولا، اختراق أجهزة الدّولة الأمنيّة والعسكريّة والإداريّة والاقتصاديّة، وحتّى الأحزاب الأخرى، كما فعلوا في مصر مع حزب العمل والحزب الوطني الحاكم، وفي تونس مع حزب المؤتمر، ومحاولاتهم السيطرة على المنظّمات الوطنيّة الكبرى مثل اتّحادات الشغل ومنظمات أرباب العمل والفلاحين.. إلخ.

الإخوان لا يتحرّجون من التحالف الظّرفي والانتهازي مع أي طرف مهما كانت عداوتهم له، خير مثال على ذلك، تحالفهم مع السادات والنميري وما قاموا به في تونس في السبعينات من تحالف مع الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم ضدّ اليسار، قبل أن ينقلبوا عليه ويشرعوا في الإعداد لانقلاب عسكري عليه.

ثانيا، تكوين جهاز أمنيّ وعسكريّ سريّ، مرتبط مباشرة بالمرشد أو رئيس الحركة، تنفيذا لقول البنّا: “الاستعداد بالتسلّح والتدريب أمر ضروري لاكتمال الدعوة”. في هذا الإطار مثلا، انطلق الإخوان منذ التأسيس، باختراق منظّمة الكشّافة وأسلمتها وتحويلها إلى ما يعرف “بالجوّالة” أو الكشّافة الإسلاميّة؛ ومن هذا التنظيم انتدبوا العناصر الأولى للجهاز الخاصّ، ثمّ وقع دعمه بانتدابات من صفوف الجيش وقوّات الأمن والاستعلامات وغيرها من أجهزة الدّولة.

إقرأ أيضا: إيران اليوم: دولة شيعية تضطهد السّنة وتنتهك حقوقهم المدنية والسياسية 2/2

في هذه التجربة المصريّة الّتي أصبحت نموذجا لتنظيمات الإخوان في مختلف البلدان، يخضع المنتدبون في هذا الجهاز لتكوين متنوّع ومكثّف وصارم، موزّع على مراحل تدوم حوالي سنة ونصف، ويشمل حسب الوثائق الّتي وقعت بيد الأمن المصري في سنة 1950: تكوينا رياضيّا وعسكريّا، وتكوينا في كتابة التقارير ورسم الخرائط والحصول على المعلومات بمختلف الوسائل المتاحة، وتكوينا في الإسعافات الأوّليّة، والتنصّت وتقفّي الشخصيّات، ودراسة خريطة المدن الهامّة ومعرفة مسالكها وأبرز مبانيها ومواقع مراكز السّلطة فيها وأعداد رجال الأمن وأعوان المرور وتوزيعهم وسلوكاتهم، وتعلّم قيادة الدراجات النارية والسيّارة، إلخ.

أمّا أهمّ شرط يُفرض على المنتدبين ويؤدّي الإخلال به إلى عقوبة الإعدام، فهو السريّة المطلقة المرتبطة بقدسيّة البيعة للمرشد؛ لأنّ العضو، كما يقول المرشد الثالث الشيخ عمر التلمساني: “لا يبايع إنسانا بالذّات ولكنّه يبايع الله سبحانه وتعالى على الوفاء، مخلصا في العمل الّذي أراد أن يساهم فيه”، مشيرا في ذلك إلى الآية: “إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم”.

العمل السياسي المخرّب للقوى المنافسة، كان يتمّ بالتوازي مع عمل آخر سري لتحقيق “التمكّن” المنشود عبر مسلكين: أولا، اختراق أجهزة الدّولة الأمنيّة والعسكريّة والإداريّة والاقتصاديّة، وحتّى الأحزاب الأخرى، كما فعلوا في مصر مع حزب العمل والحزب الوطني الحاكم، وفي تونس مع حزب المؤتمر، ومحاولاتهم السيطرة على المنظّمات الوطنيّة الكبرى مثل اتّحادات الشغل ومنظمات أرباب العمل والفلاحين…

من الطريف أن يؤكّد قادة الإخوان رفضهم للعنف رغم ثبوت وجود مثل هذا التنظيم الخاصّ السرّي وتورّطه في اغتيالات سياسيّة وأعمال إرهابيّة مثل اغتيال النقراشي رئيس الوزراء في مطلع الخمسينات ومحاولة اغتيال عبد الناصر، وما تزال تحوم حوله شبهة حريق القاهرة في أواخر الثلاثينات.

بل وانقلب السّحر على السّاحر حين قامت عناصر من التنظيم باغتيال حسن البنّا نفسه لأنّه اضطرّ إلى التبرّؤ من قتلة النقراشي بقولته الشهيرة: “ليسوا إخوانا ولا مسلمين”.

إقرأ أيضا: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

وقد ظهر دور هذا الجهاز جليّا أثناء الثورة الشعبيّة التي أطاحت بحسني مبارك في مصر، وخلال فترة حكم الإخوان هناك، وخاصّة بعد الإطاحة بالرئيس بمرسي.

أمّا في تونس، فإنّ الرأي العام ما يزال ينتظر فتح تحقيق جدّي في التهم التي وجّهتها لجنة من المحامين إلى حركة النهضة الإخوانية باستغلال تولّيها السّلطة ضمن حكومة الترويكا بعد الثورة، لتكوين جهاز أمني سرّي مواز لأجهزة الدولة ومخترق لها، وقد يكون ضالعا في الاغتيالات السياسية التي شهدتها البلاد آنذاك، والتغطية على هروب عدد من القيادات الإرهابية، وتسفير آلاف من الشباب للقتال في سوريا وليبيا والعراق. ورغم الكمّ الهائل من الأدلّة والوثائق التي دعم بها هؤلاء المحامون تهمهم، فإنّ الحكومة التي تسيطر عليها الحركة لا يبدو أنّها قادرة على فتح مثل هذا التحقيق.

في الجزء المقبل نتابع: الإخوان وعسكرة الرعب: من الجهاز الخاص إلى الجماعة المقاتلة.

لقراءة الجزء الأول: التنظيم السرّي عند الإخوان: بحث في المرجعيات ـــ بحث في النشأة

لقراءة الجزء الثاني: التنظيم السرّي عند الإخوان: بدايات الظهور – الجزء الثاني

لقراءة الجزء الثالث: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (1)

لقراءة الجزء الرابع: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (2)

لقراءة الجزء الخامس: الإخوان المسلمون: الطّريــق إلى الإرهــاب 1

لقراءة الجزء السادس: الإخوان المسلمون: السّلفيّة من الفكرة إلى الدّعوة فالجهاد

لقراءة الجزء السابع: الإخوان المسلمون: خطّة الإخوان لأسلمة المجتمع والهيمنة عليه

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *