×
×

الإخوان المسلمون: خطّة الإخوان لأسلمة المجتمع والهيمنة عليه

توقفنا في الجزء السابق من هذه الورقة عند أهم التطورات التي دفعت نحو تبني العنف وعسكرة الدين لدى جماعة الإخوان. كما تابعنا في الجزء الأول والثاني والثالث والرابع والخامس من هذه السلسلة، أهم الأسس النظرية التي استعملتها الجماعة لتسويغ العنف، وكذا بعض أهم محطات الإرهاب كما استعملته الجماعة.

في هذا الجزء، ننبش في أهم الوسائل التي اعتمدتها الجماعة، لفرض مشروعها داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

مصطفى التواتي أستاذ الحضارة والأديان المقارنة بجامعة منّوبة _ تونس

من المهمّ أن ننبّه هنا إلى أنّ جماعة الإخوان في منطلقها، بصفتها حركة سلفيّة تقليديّة إصلاحيّة، لم تكن تكفّر المجتمعات الإسلاميّة القائمة ولا نظمها السياسيّة، وإنّما كانت تعمل على إصلاحها من الدّاخل باختراقها وتأطيرها. في هذا الإطار، كان تنظيم الإخوان المسلمين يقوم باستدراج المجتمع عبر الخدمات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والضغط بالشعارات الأخلاقيّة والدينيّة وإشاعة نمط حياة وسلوك، يرونه إسلاميّا، وطمأنة الفئات الهشّة عبر ترسيخ الشعور بينهم بالانتماء إلى أسرة واسعة متضامنة.

أمّا للوصول إلى أسلمة الدولة، فقد خطّطوا لاختراق السلطات القائمة في جميع مستوياتها وأجهزتها، سواء كانت ملكيّة أو جمهوريّة. المهمّ كان هو التسريب التدريجي لمبادئ الشريعة والحكم بكتاب الله، ولو باستفراغه في نصوص تحمل عنوان “دستور”. لكن الهدف في النهاية كان هو أسلمة الدولة بأيّ وسيلة كانت: التحالف مع السلطة القائمة، الانقلاب العسكري، ثورة الشارع…

رسمت الجماعة منهجا عمليّا لترجمة الخطّة التي عبّر عنها الشيخ المؤسس في رسائله، بدءا بالعمل على اختراق المجتمع وأسلمته تدريجيّا قصد الهيمنة عليه وتوظيفه في خطّة اختراق الدّولة والاستيلاء على دواليبها.

حتى الانتخابات التي كانوا يؤثّمونها في الأصل، أصبحت جائزة إذا كانت مضمونة النتائج. لقد جرّبوا جميع هذه الوسائل من مصر إلى السودان والأردن والجزائر والمغرب وتونس، ومعظم بلدان الخليج، وغالبا ما انتهت تجاربهم بكوارث عليهم وعلى بلدانهم. لا نقول أوطانهم لأنّهم لا يؤمنون بمفهوم الوطنيّة ويستعيضون عنه بمفهوم الأمّة.

إقرأ أيضا: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… كما رسمته المصادر الإسلامية السنية 1/5

الحقيقة أنّ هذه الخطّة كانت حاضرة في ذهن المرشد المؤسس حسن البنّا منذ البدايات، إذ كتب في “الرسائل الثلاث”: “نحن نعلم تماما ما نريد. ونعرف الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة. نريد أوّلا الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، ونريد بعد ذلك البيت المسلم، ونريد بعد ذلك الشعب المسلم، ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة، ونريد بعد ذلك أن نضمّ إلينا كلّ جزء من وطننا الإسلامي الّذي فرّقته السياسة الغربيّة. ونريد بعد ذلك أن تكون راية الله خافقة عالية على تلك البقاع، ونريد مع ذلك أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلّغ النّاس جميعا… ولكلّ مرحلة من هذه المراحل خطواتها وفروعها ووسائلها”.

لقد رسمت الجماعة منهجا عمليّا لترجمة الخطّة التي عبّر عنها الشيخ المؤسس في رسائله، بدءا بالعمل على اختراق المجتمع وأسلمته تدريجيّا قصد الهيمنة عليه وتوظيفه في خطّة اختراق الدّولة والاستيلاء على دواليبها. كما تمرّ خطّتهم هذه فيما يتعلّق بالمجتمع عبر جملة من القنوات، من أهمّها:

أولا، السيطرة على مناهج التربية والتعليم، عبر طريقين، الأوّل إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل رياض الأطفال والكتاتيب والمدارس القرآنيّة والمعاهد والمدارس الداخليّة، والثّاني اختراق المنظومة الرسميّة عبر توجيه البرامج والمناهج واستقطاب المدرّسين قصد “تربية الشعب تربية إسلاميّة صحيحة”.

إقرأ أيضا: حركة الحشاشين…أخطر حركة ثورية عرفها التاريخ الإسلامي؟ 4/1

 ثانيا، تأطير القرب: تعمل الجماعة على القرب من النّاس في الأحياء السكنيّة ومراكز العمل والأسواق، وتعويض علاقات التضامن والتكافل الّتي أخذت في التلاشي، وملء الفراغ الّذي تركته الدّولة، وذلك بتأسيس شبكة من الجمعيّات الخيريّة في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعيّة، وبعث نسيج من الشركات الاقتصاديّة ومساعدة الأفراد على بعث مشاريع صغرى في الحرف والتجارة؛ حتّى أضحى للجماعة اقتصاد مواز للاقتصاد الرسمي. كثيرا ما تسبّب هذا الاقتصاد الموازي لجماعة للدّولة في أزمات اقتصاديّة، كما حدث مرارا في المجال المالي من خلال شركات توظيف الأموال التابعة لها.

ثالثا، اختراق منظّمات المجتمع المدني من جمعيّات ثقافيّة ورياضيّة وحقوقيّة ونقابات مهنيّة وطلابيّة، بل واختراق المؤسّسات الدينيّة الرسميّة مثل الأزهر، وجمعيّات الأوقاف.

للوصول إلى أسلمة الدولة، فقد خطّطوا لاختراق السلطات القائمة في جميع مستوياتها وأجهزتها، سواء كانت ملكيّة أو جمهوريّة. المهمّ كان هو التسريب التدريجي لمبادئ الشريعة والحكم بكتاب الله، ولو باستفراغه في نصوص تحمل عنوان “دستور”.

رابعا، السّيطرة على وسائل الإعلام والدعاية الأكثر تأثيرا، في ذلك يقول حسن البنّا في “الرسائل الثّلاث”:

“وسائل الدعاية الآن غيرها بالأمس (…). كانت الأمس كلمة في خطبة أو اجتماع أو كلمة تكتب في رسالة أو خطاب، أمّا الآن فنشرات ومجلاّت وجرائد ورسالات ومسارح وخيالات وحاك ومذياع (…). لهذا كلّه كان من واجب الدّعوة أن يحسنوا تلك الوسائل جميعا حتّى يتأتّى عملهم بثمرته المطلوبة”.

فما بالك بما توفّره اليوم وسائل الاتصال الاجتماعي؟!

إقرأ أيضا: هل هي نهاية “فحص العذرية”؟ أطباء مغاربة يمتنعون عن منح شهادة العذرية ويدعون إلى مقاطعتها 

خامسا، نشر ثقافة شعبيّة موازية تقوم على الروح والرموز والأخلاق “الإسلاميّة” من خلال المناسبات الأسريّة كالأعراس، والمناسبات العامّة كالموالد والأعياد؛ وكذلك من خلال اختراق وسائل الإعلام والفضاءات والهيئات الثقافيّة القائمة أو تلك التي أسسوها لحسابهم الخاص مثل الفضائيات المموّلة غالبا من شيوخ الخليج ومن عائدات تنظيف الأموال المشبوهة.

لكن، هل توقّف حقّا الإخوان عند هذه الوسائل الناعمة على خطورتها لتحقيق أهدافهم الشموليّة، تطبيقا لشعارهم الثابت: ” الإسلام هو الحلّ “؟

للأسف، الواقع يجيب بالنفي، لأنّه أثبت وجود جهاز عسكري أمنيّ سرّي ضمن الهيكلة الفعلية لجميع التنظيمات الإخوانيّة انطلاقا من التنظيم الأمّ في مصر، وذلك في إطار خطّة أشمل للسيطرة على الدولة وتفكيكها أو الإطاحة بها وتعويضها بدولة الخلافة حتى ولو اضطرّوا لتغليفها بيافطة “جمهوريّة”.

في الجزء الثامن، سنتابع خطّة الإخوان لاختراق الدولة والسيطرة عليها

لقراءة الجزء الأول: التنظيم السرّي عند الإخوان: بحث في المرجعيات ـــ بحث في النشأة

لقراءة الجزء الثاني: التنظيم السرّي عند الإخوان: بدايات الظهور – الجزء الثاني

لقراءة الجزء الثالث: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (1)

لقراءة الجزء الرابع: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (2)

لقراءة الجزء الخامس: الإخوان المسلمون: الطّريــق إلى الإرهــاب 1

لقراءة الجزء السادس: الإخوان المسلمون: السّلفيّة من الفكرة إلى الدّعوة فالجهاد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *