×
×

الإخوان المسلمون: الطّريــق إلى الإرهــاب 1

تابعنا في الجزء الأول والثاني والثالث والرابع من هذا الملف، سياقات تشكيل الجهاز السري للإخوان المسلمين والتأسيس لمفهوم العنف، كما نبشنا في الكثير من تاريخ العنف لدى الجماعة. في هذا …

مصطفى التواتي أستاذ الحضارة والأديان المقارنة بجامعة منّوبة _ تونس

تابعنا في الجزء الأول والثاني والثالث والرابع من هذا الملف، سياقات تشكيل الجهاز السري للإخوان المسلمين والتأسيس لمفهوم العنف، كما نبشنا في الكثير من تاريخ العنف لدى الجماعة.

في هذا الجزء (الخامس)، نتوقف عند أهم عناوين العنف التي استند لها الإخوان عبر تاريخهم.

مولوتوف السيادين

“السيادين” هو مصطلح نقترحه للدلالة على الخليط المتفجّر بين السّياسة والدين، فالظاهرة الدينية وُلدت من رحم العنف الأصلي في الكون، ثمّ ارتبطت بالسلطة عموما والسلطة السياسيّة بالخصوص ليتشكّل مثلّث مقدّس: الرّعب، الرّهبة، العنف.

لقد أكّدت البحوث الأنثروبولوجية أنّ العنف ملازم لأصل الظاهرة الدينيّة وجوهرها، بل إنّ هذه الظاهرة نشأت أصلا من وعي الإنسان المبكّر بما يتعرّض له من عنف كونيّ شامل ومدمّر، وبأنّه لا إمكانيّة للاستمرار في الوجود إلاّ بالصّراع القاسي مع عنف الطّبيعة والكائنات الوحشيّة والأقدار.

من العبث أن نبحث عن سرّ الإرهاب، باعتباره الشكل الأكثر تدهورا للتعبير دينيّا عن طموحات الفئات والشعوب المقهورة، في هذه الآية أو تلك من القرآن الكريم… لأنّ السرّ يكمن في تدهور الواقع المفروض داخليّا وخارجيّا، وهو واقع من شأنه أن يفرّخ قراءات إرهابيّة لأكثر النّصوص الدينيّة تسامحا”.

أدرك الإنسان أن هذا الأمر يتجاوز طاقته البدنيّة المحدودة. لذلك، كان عليه اللّجوء إلى السلاح الوحيد الّذي خصّته به الطبيعة، وهو العقل الّذي مكّنه، بتراكم التجارب، من ابتداع منظومة ثقافيّة سحريّة لاحتواء ذلك العنف الكوني وتحويل وجهته، عبر تجريده وتمثّله في شكل قوى غيبيّة متعالية ممثّلة في آلهة عديدة.

هذه الآلهة تتقاسم العنف وتفرغ جزءا منه في الصّراعات المرعبة فيما بينها، فيما يحاول الإنسان دفع الأذى المترتّب عن النصيب الموجّه إليه عبر قنوات طقوسيّة تمثّلية، بدأت بتقديم الأضاحي البشريّة، من الأطفال خاصّة، لهؤلاء الآلهة دفعا لأذاهم عن الجماعة والأفراد..

ثمّ، مع تطوّر العقل البشري، أوجد الإنسان أضحية خادعة “Leurre” تستقطب نهم الآلهة للدم وتحيد به عن الأضاحي البشريّة إلى أضاح حيوانيّة… ولئن حرّر ذلك الطفولة من مخاطر الذّبح والحرق في معابد الآلهة القساة، فإنّ تحوّل الظاهرة الدينيّة العنيفة ذاتها إلى ظاهرة ثقافيّة، جعل الإنسان مع الزمن يتشرّب جزءا من ذلك العنف المقدّس، ليتعالى به إلى مصافّ الآلهة.

إقرأ أيضا: هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الأول)

لعل هذا ما يفسّر، في حالته القصوى، ظاهرة الملوك المتألّهين في الحضارات الشرقيّة، وهو أيضا ما أبّد العلاقة بين الوعي الدّيني والعنف والسياسة.

هذا الوعي الّذي يحتدّ كلّما تأزّمت الأوضاع الماديّة والمعنويّة للأفراد والجماعات، ويزداد معه الشعور بالضعف والهشاشة والمهانة، وذلك في إطار عمليّة تعويضيّة خوفا على الوجود الفعلي أو الثقافي.

العنف المقدّس ينشأ ويتطوّر عنفا جماعيّا؛ قبل أن يتحوّل إلى عنف سياسي، وهو ما يكسبه حدّا أعلى من الخطورة لأنّه يتحوّل بسرعة إلى “إرهاب مقدّس”، له كتابه وطقوسه وفتاواه وقدّيسوه وشيوخه.

مهما كانت فظاعة هذا العنف وقسوته، فإنّ إضفاء القدسيّة عليه وربطه بمنظومة طقوسيّة وإدراجه ضمن رسالة إلهيّة جماعيّة، تجعله عنفا سائغا للأرواح الهشّة تتداوى به من وجع ضعفها الأصلي عبر ثنائيّة: الجهاد/الشهادة.

في هذا السياق، تتضح لنا العلاقة العضويّة، في تاريخ الحضارة الإسلامية، بين ظهور حركات العنف المقدّس وانتشارها، من جهة، واستفحال واقع التأزّم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، من جهة ثانية. كذلك كان الشأن عند ظهور حركة الخوارج ثمّ حركة القرامطة والحركة النزاريّة الّتي أنتجت الحشّاشين وكذلك يمكن أن نفسّر، ولو جزئيّا، انبعاث حركات الإسلام السياسي العنيفة بعد هزيمة 1967 المهينة للشعور القومي والديني لدى الشعوب العربيّة، وخاصّة الفئات الشبابيّة منها.

بعكس العنف العادي، الّذي هو عموما عنف فرديّ، فإنّ العنف المقدّس ينشأ ويتطوّر عنفا جماعيّا؛ قبل أن يتحوّل إلى عنف سياسي، وهو ما يكسبه حدّا أعلى من الخطورة لأنّه يتحوّل بسرعة إلى “إرهاب مقدّس”، له كتابه وطقوسه وفتاواه وقدّيسوه وشيوخه.

مهما كانت فظاعة هذا العنف وقسوته، فإنّ إضفاء القدسيّة عليه وربطه بمنظومة طقوسيّة وإدراجه ضمن رسالة إلهيّة جماعيّة، تجعله عنفا سائغا للأرواح الهشّة تتداوى به من وجع ضعفها الأصلي عبر ثنائيّة: الجهاد/الشهادة.

كما نبّهنا في كتابنا “التعبير الدّيني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام”، فإنّه “من العبث أن نبحث عن سرّ الإرهاب، باعتباره الشكل الأكثر تدهورا للتعبير دينيّا عن طموحات الفئات والشعوب المقهورة، في هذه الآية أو تلك من القرآن الكريم، كآيات الجهاد مثلا؛ لأنّ السرّ يكمن في تدهور الواقع المفروض داخليّا وخارجيّا، وهو واقع من شأنه أن يفرّخ قراءات إرهابيّة لأكثر النّصوص الدينيّة تسامحا”.

إقرأ أيضا: الزبير بن العوام، طلحة بن عُبيد الله وعلي بن أبي طالب: هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الثاني)

هذا ما يؤكّد رجاحة ما قاله كارل ماركس في “نقد فلسفة الحقوق عند هيغل” من أنّ “البؤس الديني هو في شطر منه تعبير عن بؤس الواقع، وهو في نفس الوقت احتجاج على ذلك البؤس الواقعي نفسه”.

في الجزء السادس، نتعرف على تطور السّلفيّة، من الفكرة إلى الدّعوة  ثم الجهاد.

لقراءة الجزء الأول: التنظيم السرّي عند الإخوان: بحث في المرجعيات ـــ بحث في النشأة

لقراءة الجزء الثاني: التنظيم السرّي عند الإخوان: بدايات الظهور – الجزء الثاني

لقراءة الجزء الثالث: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (1)

لقراءة الجزء الرابع: النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (2)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *