×
×

النظام الخاص الإخوانيّ من التكوين إلى التنفيذ (1)

بعدما تابعنا سياقات تشكيل الجهاز السري للإخوان المسلمين والتأسيس لمفهوم العنف، من خلال الجزء الأول والثاني من هذا الملف، نواصل من خلال هذا الجزء، عملية النبش في مسارات هذا التنظيم. …

بعدما تابعنا سياقات تشكيل الجهاز السري للإخوان المسلمين والتأسيس لمفهوم العنف، من خلال الجزء الأول والثاني من هذا الملف، نواصل من خلال هذا الجزء، عملية النبش في مسارات هذا التنظيم.

فريد بن بلقاسم: أستاذ بجامعة تونس المنار

جماعة الإخوان أسّست، ومنذ مرحلة مبكّرة من تاريخها، جهازا سرّيا مسلّحا، وهذه حقيقة اعترف بها أعضاء من الإخوان انتموا إلى هذا الجهاز الّذي أطلقوا عليه اسم النّظام الخاصّ.

عدد من هؤلاء الأعضاء ألّفوا كتبا خصّصوها كلّها، أو أجزاء منها، للتأريخ لهذا الجهاز، وهي بمثابة الشهادة التي لا تقرّ فقط بوجوده وإنّما تستعرض أيضا ممارساته في المراحل التاريخيّة التي عاصرها هؤلاء.

يتنزّل هذا المقال في سياق مواصلة النّظر في هذا الجهاز السريّ لجماعة الإخوان المسلمين: ونهتمّ في الجزأين الثالث والرابع منه، بالجانب التنفيذيّ، من خلال رصد ممارسات هذا الجهاز منذ نشأته إلى الستينات.

وقد استندنا في ذلك إلى مصدرين رئيسيين وهما: محمود الصبّاغ، وهو أحد قادة التنظيم منذ بدايات تكوينه في أواخر ثلاثينات القرن الماضي إلى الخمسينات، وكتابه “حقيقة التنظيم الخاصّ ودوره في دعوة الإخوان المسلمين”، وعلي عشماوي وهو من قادة النظام الخاص منذ منتصف الخمسينات إلى الستينات وكتابه “التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين”.

المتابع لسيرة الإخوان عبر التاريخ سواء في مصر أو في غيرها، يلاحظ أنّهم غالبا ما يعتبرون أعمال العنف الصادرة عن أعضائهم أعمالا فردية لا تتحمّل الجماعة مسؤوليتها، فضلا عن العمل على تبريرها من خلال اتّباع الطريقة نفسها، وهي ادّعاء المظلوميّة.

نتوقّف بداية عند ذكر خاصيتين ميّزتا النّظام الخاصّ الإخوانيّ:

       الخاصية الأولى نستخلصها من كتاب الصبّاغ الذي أشرنا له في الجزء الأول من هذا الملف، وهي تنزيل هذا النّظام ضمن مفهوم الجهاد من المنظور الإخوانيّ. هذا المفهوم يختزله قول حسن البنّا مؤسّس الجماعة إنّ “الأمر أصبح جدّا لا هزلا، وأنّ الخطب والأقوال ما عادت تجدي، وأنّه لا بدّ من الجمع بين الإيمان العميق والتكوين الدقيق والعمل المتواصل”‘.

إقرأ أيضا: علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

 الحقيقة إنّ المتابع لسيرة النّظام الخاصّ الإخوانيّ، ومنذ مرحلة مبكّرة من تاريخه، يدرك أنّ المراد بهذا الجهاز المصطبغ بطابع السريّة، لا يتوقّف عند تكوين أعضائه وتدريبهم وإعدادهم روحيّا ورياضيّا وعسكريّا فقط، بل الانتقال بهم إلى مرحلة التنفيذ بعد أن يكونوا قد تهيّؤوا تبعا لنظام البيعة القائم على السمع والطاعة، أي “على امتثال الأمر وإنفاذه توّا في العسر واليسر والمنشط والمكره”، مثلما نصّ عليه تعريف البنّا للطاعة في رسالة التعاليم.

بناء على ذلك، تحدّدت أهميّة هذا التنظيم، فأفراده عند البنّا “هم التعداد الحقيقي للإخوان المسلمين”، و”هم يحظون باهتمامه الكامل وأولويته المطلقة في الإعداد والتربية والمتابعة”، بحسب ما ذكر علي عشماوي.

       أمّا الخاصيّة الثانية، فتتمثّل في أنّ خطط الجهاز السريّ الإخوانيّ، كانت تشمل دسّ بعض أفراد الجماعة في التنظيمات الأخرى بغية معرفة أسرارها، والاعتماد على جهاز مخابرات خاص؛ إذ يقول عشماوي: “يولع الإخوان دائماً بجمع المعلومات والتجسّس على الآخرين، وهم يفخرون دائماً أنّ لديهم جهاز مخابرات قادر على جمع وتحليل المعلومات، فهم يتجسّسون على كلّ شيء: على الأحزاب والهيئات، والحكومات، بل على الأجهزة، وكلّ فرد في موقعه جاسوس لحساب الجماعة، فكلّ موظف وكلّ عامل يرسل باستمرار بأسرار وظيفته أو عمله إلى قيادة الجماعة، بل كلّ ضابط وكلّ شرطيّ يقوم بنفس العمل لحساب قيادته داخل الجماعة”.

تبعا لهاتين الخاصيّتين اللّتين كانتا بمثابة المبادئ التي سيّرت النّظام الخاص لجماعة الإخوان وحكمت عقيدة قيادته وأفراده، صدرت عن هذا الجهاز جملة من الأعمال والممارسات المطبوعة بطابع العنف تجاه الخصوم في الساحة السياسيّة المصريّة. وقد شهدت حقبة الخمسينات، مثلما هو معلوم، تحوّلا سياسيّا بإطاحة تنظيم الضبّاط الأحرار بالنّظام الملكيّ في مصر فيما عُرف بثورة 23 يوليوز \ تموز 1952.

عنف النّظام الخاصّ في الأربعينات إبّان الحكم الملكيّ

سجّل النّظام الخاصّ الإخوانيّ حضوره في الساحة السياسيّة المصريّة بتدبير عمليات اغتيال ضدّ الخصوم السياسيين للجماعة، مدشّنا بذلك مرحلة جديدة من الممارسة السياسيّة قائمة على العنف.  من أشهر عمليات الاغتيال نذكر ما يلي:

يعود أوّل استخدام للعنف في سجلّ جماعة الإخوان إلى اغتيال أحمد ماهر باشا، رئيس الوزراء المصري في 24 فبراير\شباط 1945 على يد محمود العيسوي.

إقرأ أيضا: موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: إمارة المؤمنين، حكاية البدايات…

تلاه اغتيال القاضي أحمد الخازندار، وهو القاضي الذي كان ينظر في قضيّة سينما مترو التي اتّهم فيها الإخوان، في 22 مارس\آذار 1948، على يد حسن عبد الحافظ ومحمود زينهم.

في 28 ديسمبر\كانون الأول من سنة 1948، دبّر عناصر من النّظام الخاص، من بينهم عبد المجيد أحمد حسن، اغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء المصري.

يولع الإخوان دائماً بجمع المعلومات والتجسّس على الآخرين، وهم يفخرون دائماً أنّ لديهم جهاز مخابرات قادر على جمع وتحليل المعلومات، فهم يتجسّسون على كلّ شيء: على الأحزاب والهيئات، والحكومات، بل على الأجهزة، وكلّ فرد في موقعه جاسوس لحساب الجماعة

يستوقفنا في كتاب الصبّاغ الذي أشرنا له في الجزء الأول من هذا الملف، القراءة التي قدّمها لحدث اغتيال النقراشي، وهي قراءة ليست فقط تبريريّة وتضفي المشروعيّة عليه، بل هي أيضا قراءة تمجيديّة. فقد اعتبر أن الاغتيال جاء في سياق الردّ على القرار الحكوميّ بحلّ جماعة الإخوان، وهو قرار “لا فقط جائر يحرم المصريين ممّا تدعو إليه جماعة الإخوان”، وإنّما من وقّعه “محارب غادر للإسلام والمسلمين” أيضا. وبذلك يتم وضع الاغتيال في سياق “قتل المحاربين للإسلام” باعتباره “فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة”، وهو شكل من أشكال “العبادة” و”قدر محتوم لكلّ من يتحدّى إرادة الشعوب وعقائد المخلصين”.

رغم أنّ الصبّاغ أشاد بهذا العمل، إلاّ أنّه وضعه في خانة الأعمال الفرديّة النّابعة من إحساس شابّ غلت الدّماء في عروقه من الظلم ولم تكن بتوجيه أو أمر من القيادة. في الحقيقة، إنّ المتابع لسيرة الإخوان عبر التاريخ سواء في مصر أو في غيرها، يلاحظ أنّهم غالبا ما يعتبرون أعمال العنف الصادرة عن أعضائهم أعمالا فردية لا تتحمّل الجماعة مسؤوليتها، فضلا عن العمل على تبريرها من خلال اتّباع الطريقة نفسها، وهي ادّعاء المظلوميّة.

إقرأ أيضا: مستقبل الديانة اليهودية في نسختها المغربية

بمثل هذا المنطق التبريريّ، يعمد الصبّاغ إلى شرعنة ما قام به بعض شباب الإخوان من النّظام الخاصّ، ويذكر من بينهم شفيق أنس في محاولة إحراق خزانة وثائق سيارة الجيب، تلك الحادثة التي أشارت إليها الأستاذة نائلة سليني في الجزء الثاني من هذا الملف.

تبيّن هذه الحوادث أنّنا إزاء جماعة أسّست جهازا سرّيا مدرّبا تدريبا عسكريّا على القيام بأعمال عنف من قتل واغتيال وتدمير وتفجير. هذا الجهاز مكلَّف بتنفيذ مثل هذه الأعمال دفاعا عن الجماعة متى واجهت أوضاعا تهدّدها. فهي إذن لا تدافع عن نفسها باستعمال الوسائل القانونيّة السلميّة المتاحة لها ولغيرها من الحركات متى رأت أنّها تعرّضت إلى ظلم، ولكنّها تلجأ إلى الردّ باستعمال العنف بواسطة هذا الجهاز السريّ الّذي لا يتوانى عن استعمال العنف الموجّه نحو ليس فقط المسؤولين الرسميين في الدولة المصريّة فحسب، وإنّما نحو مؤسّساتها وعموم النّاس أيضا.

ترقبوا الجزء الرابع… قريبا على مرايانا

لقراءة الجزء الأول: التنظيم السرّي عند الإخوان: بحث في المرجعيات ـــ بحث في النشأة 

لقراءة الجزء الثاني: التنظيم السرّي عند الإخوان: بدايات الظهور

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *