×
×

علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

شكلت هجرة النبي من مكة إلى المدينة تحولا، ليس فقط في طبيعة الرسالة السماوية، وإنما أيضا في وظيفة النبي نفسه: إن محمدا لم يكن في مكة إلا رجلا يبشر بدعوة …

شكلت هجرة النبي من مكة إلى المدينة تحولا، ليس فقط في طبيعة الرسالة السماوية، وإنما أيضا في وظيفة النبي نفسه: إن محمدا لم يكن في مكة إلا رجلا يبشر بدعوة جديدة على الرغم من لا مبالاة، بل معاداة الأقوياء. أما في المدينة، فقد تحول إلى قائد ومسير يحمل على عاتقه السلطات المدنية والعسكرية، زيادة عن السلطة الدينية.

أما الوحي، الذي كان على امتداد السُّوَر المكية روحانيا عباديا ودعويا مسالما، فقد تحول في المدينة إلى الخوض في قضايا وأسئلة تشريعية وسياسية؛ ناهيك عن تلك المتعلقة بالحياة اليومية للكيان السياسي الذي كان قيد التشكل حول نواة المقدس.

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

هل يمكن أن نستخلص أن الإسلام ليس فقط “دينا ودنيا”، وإنما هو أيضا “دين ودولة”؟ هل يمكن أن نبني على ذلك أيضا أن النبي كان سياسيا، ورئيسا لأول دولة إسلامية؟ وبالتالي أن الإسلام دين سياسي؟

بهذا البعد الثنائي الذي يجمع بين العقيدة؛ أي العلاقات العمودية بين الإنسان والله، والشريعة؛ أي العلاقات الأفقية بين الإنسان والإنسان، سيتميز الإسلام ليس فقط عن الوثنية التي سعى إلى التخلص منها، وإنما أيضا عن الديانتين السماويتين السابقتين: اليهودية والمسيحية اللتين جاء ليتممهما، و”يصحح ما لحقهما من تحريف”. بمعنى آخر، ليحتويهما ويتجاوزهما، جاعلا من نفسه الدين الحق الذي يجُبُّ ما قبله: “ومن يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين” (سورة آل عمران، آية 85).

لكن، هل يمكن، انطلاقا من هذا التحول الذي لحق طبيعة الوحي، ومن اهتمام القرآن المدني بالروحي والزمني في نفس الآن، أن نستخلص أن النبي محمدا قد أسس دولة؟ بمعنى آخر، هل يمكن أن نستخلص أن الإسلام ليس فقط “دينا ودنيا”، وإنما هو أيضا “دين ودولة”؟ هل يمكن أن نبني على ذلك أيضا أن النبي كان سياسيا، ورئيسا لأول دولة إسلامية؟ وبالتالي أن الإسلام دين سياسي؟

صحيح أن محمدا وقع سنة 624 الصحيفة أو العهد بين كل من المهاجرين والأنصار الذين كانوا يمثلون القبائل الثمانية المدنية التي اعتنقت الإسلام، والقبائل اليهودية المدنية. كثيرون هم أولئك الذين اعتبروا هذه الصحيفة “دستورا” يؤرخ لولادة الدولة الإسلامية الأولى. لكن محمد سعيد العشماوي[1] ينبهنا إلى أن قراءة رزينة لتلك الصحيفة، يمكن أن تخرجنا من هذا الخلط.

هذا العقد يبقى مجرد وثيقة عربية قبَلية، تتضمن الأسلوب والطريقة والنظام السابق للإسلام، لأن الإسلام ببساطة لم يكن بعد قد أنجب قواعده التنظيمية، ولا فصل إطاره الخاص

هذا العقد (الصحيفة) يشبه في مضمونه ومفرداته وتعابيره، تلك العقود التي كانت تبرمها القبائل العربية قبل الإسلام بعد حروبها. وهو لا يشير ولا يحيل في أي لحظة على آية قرآنية. كما أنه يحافظ لكل قبيلة على وحدتها، مما يجعل منه تحالفا قبليا بالدرجة الأولى. وهو، أخيرا، لم يضم كل المجموعات في نظام إسلامي جديد، ولا في عادات وأخلاق إسلامية جديدة؛ بل وثّق اتفاقا جديدا بناء على ما كان قائما.

يخلص محمد سعيد العشماوي من ذلك إلى أن هذا العقد يبقى مجرد وثيقة عربية قبَلية، تتضمن الأسلوب والطريقة والنظام السابق للإسلام، لأن الإسلام ببساطة لم يكن بعد قد أنجب قواعده التنظيمية، ولا فصّل إطاره الخاص.

اقرأ أيضا: من وقوف عرفة الى النحر: المناسك الأشد قدسية عند عرب ما قبل الإسلام (الجزء الثالث)

ينبغي التأكيد في الأخير، على أن كلمة “حُكم”، التي يعتمد عليها أنصار الإسلام السياسي، للدعوة إلى العودة إلى “نموذج” حكم الرسول والخلفاء الراشدين، لم تكن تعني في مرحلة ما قبل الإسلام، ولا في قصائد الشعر الجاهلي، بل ولا في مرحلة النبي أو القرآن، السلطة السياسية، وإنما فقط التدخل بحِكمة لفض النزاعات بين الأفراد والقبائل، ومنه كلمة “حَكَم” التي لا تزال تستعمل إلى اليوم بمعنى التحكيم وليس الحُكم.

أما السياسة، فكان يشار إليها بكلمة “أمر”، التي تعني إدارة شؤون الناس، بدليل الآية القرآنية: ” والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” (سورة الشورى، آية 38). بهذا المعنى، قال أبو بكر: ” وددت يوم سقيفة بني ساعدة أني قذفت هذا الأمر في عنق أحد الرجلين (يعني عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح)، فكان أميرا وكنت وزيرا” وقال: “وددت لو أني كنت سألت رسول الله في الأمر، فلا ينازع الأمر أهله”[2].

يتبين مما سبق أن الرسول لم يكن سيدا ولا ملكا ولا سلطانا، وإنما كان يسير كل ما له علاقة بالدين: الدفاع عن الإسلام، إقامة الشريعة وحل الخلافات بين المؤمنين، وقد كان يفعل ذلك باعتباره حَكَما وليس رئيس دولة، مصداقا للآية القرآنية: “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما” (سورة النساء، الآية 65).

[1]  ـ محمد سعيد العشماوي، الخلافة الإسلامية، ط. الانتشار العربي، ص 140ـ146
[2]  ـ نفسه، ص ١٥١.

*علي اليوسفي العلوي باحث مغربي

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: تساؤلات جديدة حول اجتماع السقيفة

تعليقات

  1. الحلو

    تحية طيبة استاذ
    اشكركم على مقالتكم هذه ، لكن يبدو ان الطرح غير مكتمل و الفكرة تحتاج لمزيد من الحجج ،لاسيما ان الاسلام حدد ضوابط متعددة تنظم وتمس الجانب الدنوي للفرد وللمجتنع المسلم منها الزكاة والقصاص وكتابة الدين قكيف يمكن القول ان الاسلام لم يدعو اولم يؤسس لفكرة الدولة من خلال منطوق الوحي ؟
    ثم تولي تسيير الصحابة لامور المجتمع المسلم باعتماد الية الشورى وباعتماد ايات قرانية في تسيير واحاديث نبوية فكيف يمكن الجزم بان الاسلام دين لاسياسة فيه ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *