×
×

من وقوف عرفة الى النحر: المناسك الأشد قدسية عند عرب ما قبل الإسلام 3\3تاريخ الحج قبل الإسلام: بين القطيعة والاستمرارية (الجزء الثالث)

بعدما تابعنا في الجزئين الأول والثاني، حكاية الحج عند باقي الشعوب والديانات والثقافات، وحضوره عند عرب ماقبل الإسلام، وتايعنا بالأساس، أهم طرق ممارسة شعائر الحج قبل الإسلام، وخصوصا ما يتعلق …

يوسف المساتي

بعدما تابعنا في الجزئين الأول والثاني، حكاية الحج عند باقي الشعوب والديانات والثقافات، وحضوره عند عرب ماقبل الإسلام، وتايعنا بالأساس، أهم طرق ممارسة شعائر الحج قبل الإسلام، وخصوصا ما يتعلق منها بطرق التلبية والطواف والنحر، وكيف تطورت مع ظهور الإسلام. نواصل في هذا الجزء، الثالث ولأخير، اقتفاء أثر شعائر الحج لدى عرب ما قبل الإسلام، من خلال التوقف عند شعائر الوقوف بعرفة والنحر… والطرق التي كانت تمارس بها.

من وقوف عرفة الى النحر: المناسك الأشد قدسية

من مناسك حج عرب الفترة ما قبل إسلامية، كان الوقوف بعرفة في التاسع من ذي الحجة، ويسمى يوم عرفة، حيث يقف الحجاج فيه من الظهر إلى وقت الغروب، فإذا غربت الشمس اتجه الحجاج إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، وقد كان العرب من غير قريش يفيضون في عرفة عند غروب الشمس وفي المزدلفة عند شروقها، وذهبت آراء بعض الباحثين إلى اعتبار أن وقوف عرب الفترة ما قبل إسلامية بعرفة وقت الغروب مرتبط بعبادة الشمس التي عرفتها بعض القبائل العربية، فيما يذهب آخرون إلى أن عرفة قد يكون اتخذ قدسيته لارتباطه بصنم من الأصنام، وإلا لما صار جزء من أجزاء مناسك الحج وشعائره عندهم.

إقرأ أيضا: في يوم الغفران.. اليهود يتطهرون من خطاياهم بالدجاج! 

بعد أن يصل الحجاج إلى منى يقومون برمي الجمرات، وهو من شعائر الحج المعروفة في المحجات الأخرى من جزيرة العرب، كما عرف عند غير العرب أيضا، وبحسب ما نستقيه من المصادر الإسلامية، فإن مواضع رمي الجمرات عديدة عند عرب تلك الفترة يطاف حولها، ويحج إليها منها مواضع أصنام، وأماكن مقدسة، ومن بين المواضع التي عرفت برمي الجمرات، نجد جمرة العقبة والجمار وموضع الجمار بمنى، حيث تتجمع وتتكوم عنده الحصى، وهي جمرات ثلاث: الجمرة الأولى والجمرة الوسطى وجمرة العقبة.

وكان عرب الفترة ما قبل إسلامية، إذا فرغوا من مناسك الحج وذبحوا نسائكهم، يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم وبأحسابهم وأنسابهم، فنزل الوحي خلال الفترة الإسلامية: “فإذا قضيتم مناسككم، فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا”.

وتتحدث المصادر على أن أول من أرسى مبدأ رمي الجمرات كان هو عمرو بن لحي، الذي بحسب ما تقول الروايات جاء بسبعة أصنام فنصبها بمنى عند موضع الحجرات، وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، إحدى وعشرين حصاة، يرمي كل منها بثلاث جمرات، ويقال للوثن حين يرمى أنت أكبر من فلان للصنم الذي يرمى قبله.

ولم يكن يحل لعرب الفترة ما قبل إسلامية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم وإلا بطل، ونفس الأمر ينطبق على عدد من الشعوب الأخرى خلال المناسبات الدينية المماثلة، أما بعض القبائل فلم تكن تحلق شعورها في مواسم حجها إلا عند أصنامها، فكان الأوس إذا حجوا وقفوا مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوا صنمهم مناة حلقوا رؤوسهم عنده، وأقاموا لا يرون لحجتهم تماما إلا بذلك.

إقرأ أيضا: إسرائيليات: هل المرأة ضلع أعوج وهل رأى الرسولُ اللهَ؟ 3\3 

 

عيد الأضحى: إعلان نهاية الحج الرسمية

ومن شعائر الحج في الفترة ما قبل إسلامية كان تقديم العتائر وهي الأضحية في الإسلام، وكانت تعتبر هذه المرحلة هي ذروة الحج، ولهذا عرف عيد الحج بعيد الأضحى. فيما سمي اليوم الذي تضحى به الأضحية بيوم النحر وبالأضحى وبيوم الأضحى، وبحسب ما نستقيه من الروايات فقد كانوا ينحرونها على الأنصاب وعلى مقربة من الاصنام، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للأفراد، وقد تترك لكواسر الجو وضواري البر فلا “يصد عنها انسان ولا سبع”.

ومن شعائر الحج في الفترة ما قبل إسلامية كان تقديم العتائر وهي الأضحية في الإسلام، وكانت تعتبر هذه المرحلة هي ذروة الحج، ولهذا عرف عيد الحج بعيد الأضحى. فيما سمي اليوم الذي تضحى به الأضحية بيوم النحر وبالأضحى وبيوم الأضحى

وكان بعض عرب الفترة ما قبل الإسلامية، يسلخون جلود الهدي، ليأخذوها معهم، وهو ما جعل بعض الباحثين وفي مقدمتهم جواد علي يذهبون إلى أنه يتفق مع لفظة ال”تشريق” التي تعني تقديد اللحم، ومنه سميت أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، وقيل سمي التشريق تشريقا لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.

كانت بقية القبائل تطوف في أعيادها حول أصنامها، وتهدي إليها، ثم تنحر عندها، عند اكمالها لهذه الشعائر دلالة على اكمالها شعائر الحج إلى هذه المواضع وانتهائها منها على أحسن وجه، فكان من يقصد العزى يذبح عند شجرة هناك ثم يدعو، وكان من يقصد مناة يهدي لها، كما كان غيرهم يهدي للكعبة، ويطوفون بها ثم ينحرون عندها، وكان عبدة ذي الخلصة في أسفل مكة يذبحون عنده.

إقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

وكان عرب الفترة ما قبل إسلامية، إذا فرغوا من مناسك الحج وذبحوا نسائكهم، يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم وبأحسابهم وأنسابهم، فنزل الوحي خلال الفترة الإسلامية: “فإذا قضيتم مناسككم، فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا”.

ختاما، يثير انتباهنا ذلك التشابه الكبير بين مناسك الحج في الفترة ما قبل إسلامية والفترة إسلامية، وهو تشابه يستحق أكثر من دراسة أنثربولوجية للوقوف على التمثلات الكامنة خلفها، كما يستحق التوقف عند عملية التهذيب والتشذيب التي قام بها الإسلام لمناسك الحج سواء من حيث استحضار البعد التوحيدي، أو من حيث توحيده لمناسك القرشيين، كما سيحدث في فترة لاحقة بتوحيد القراءات القرآنية على لغة أهل قريش.

عمليات الحذف والتشذيب والتوحيد، تستلزم جرأة معرفية وقدرة على مقاربة الألغام والمحاذير المرتبطة بهذا الموضوع، لكنها ضرورية لإعادة كتابة جديدة لتاريخ وتراث قديمين، ومحاولة رصد الثابت والمتحول.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *