×
×

التنظيم السرّي عند الإخوان: بدايات الظهور – الجزء الثاني

ـ التأسيس لمفهوم العنف المشروع من منظور مفهوم الجهاد هذه هي الشخصية الإخوانية، كما تابعنا تفاصيلها في الجزء الأول من هذا الملف، ولا فرق بين الرجال والنساء في نشاطهم الحركي. …

ـ التأسيس لمفهوم العنف المشروع من منظور مفهوم الجهاد

نائلة السليني، أستاذة بجامعة سوسة ورئيسة وحدة البحث في موضوع مدونات الأحوال الشخصية، تونس

هذه هي الشخصية الإخوانية، كما تابعنا تفاصيلها في الجزء الأول من هذا الملف، ولا فرق بين الرجال والنساء في نشاطهم الحركي. لكن، لا تكتمل هذه الصورة في صلابتها وشدّتها إلاّ إذا توفّر لها من العدّة ما يحفظ بقاءها.

تجمع المراجع على أنّ تنظيم الإخوان لم يشتك البتّة من الفقر أو قلّة ذات اليد. كانت سياستهم قائمة على السعي إلى إنشاء دولة داخل الدولة. يشير عبد العظيم رمضان في المرجع الذي أشرنا له في الجزء الأول من هذا الملف إلى أنّه، في سنة 47، “كان للإخوان أسلحة وجيش ومصانع وشركات ومدارس ومستشفيات؛ فكانوا شبه دولة داخل دولة. وكانوا على وشك الاستيلاء على السلطة لولا القرار بحلّ الجماعة في 48 وسجن قيادييهم ومصادرة أموالهم.”

ماهي أسباب القرار في حلّ الجماعة آنذاك؟

·                   لأنّ أعضاء الجماعة كانوا يسعون إلى قلب النظام السياسي وتعهّد فريق منهم لقّب “فريق الجوالة” بذلك

·                   المواجهات العنيفة بين الجماعة ومعارضيهم

·                   التفطّن إلى أنّهم كانوا يتدرّبون على السلاح وصنع القنابل : تخزين السلاح مثلا في عزبة فرغلي وكان ذلك في 22 أكتوبر \ تشرين الأول 48

·                   سيطرة الإخوان على الأرياف عن طريق تحريض الأهالي على التظاهر طلبا في زيادة الأجور أو التوقف عن العمل والمطالبة بامتلاك أراضي دولية.

قوي تحالف الإخوان مع القصر والملك فاروق في 51، وخاصّة عند خروج مظاهرات ضد فاروق لتعيينه حافظ عفيفي مديرا للديوان الملكي، وسجّلت زيارات مكثّفة للمرشد إلى الملك، كان منها المعلن رسميا ومنها السرّي.

نقطة هامّة أخرى تتمثّل في أنّ حلّ جماعة الإخوان كان تطبيقا لقرار خارجي بعد اجتماع السفراء الأجانب بمصر في 10نوفمبر 48؛ فكان أن أسر 32 قيادي من قادة الجهاز، ووضعت الحكومة يدها على وثائقهم. عزل البنّا دون اعتقاله تحقيرا له.

إقرأ أيضا: التنظيم السرّي عند الإخوان: بحث في المرجعيات ـــ بحث في النشأة

قام ما تبقى من الجناح حينها بمحاولة إتلاف الوثائق، فقد أعدّوا سيارة ناسفة في 49 أمام محكمة الاستئناف، لكن تفطّن إليها الأمن وأبعدت عن المحكمة فانفجرت وأصابت 25 شخصا بجروح.

النتيجة: صدر الأمر بحلّ الجماعة وانتهى التحالف مع القصر بنهاية مأساوية: سلسلة من الاغتيالات طالت الطرفين من قتل للنقراشي باشا والبنّا.

قوي تحالف الإخوان مع القصر والملك فاروق في 51، وخاصّة عند خروج مظاهرات ضد فاروق لتعيينه حاظ عفيفي مديرا للديوان الملكي، وسجّلت زيارات مكثّفة للمرشد إلى الملك، كان منها المعلن رسميا ومنها السرّي.

في سنة 53، جمع الإخوان شتاتهم لكن كانوا منقسمين إلى 3 أجنحة: جناح متطرّف برئاسة عشماوي، وجناح محافظ ويقوده عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا، وثالث معتدل برئاسة أحمد حسن الباقوي. اتفق أعضاء الجماعة على اختيار مرشد من خارج مكتب الإرشاد، وهو حسن إسماعيل الهضيبي، صديق البنا.

نشأت تحالفات جديدة بين الجماعة وحزب الوفد، فكان الإخوان يبحثون عن وجه جديد مغاير للوجه الذي يذكّر الناس بعنفهم، وخاصّة أنّهم كانوا يبحثون عن موقع جديد مع الحكومة، فغيّروا اسمهم وصاروا يسمون بحزب ” النهضة الإسلامية”، استجابة لمقترح الجناح المعتدل.

يقول الهضيبي في شهادته: “لمّا جيت في الإخوان المسلمين سنة 51، تبيّن لي شي اسمه ” النظام الخاص”، فأنا سألت: إيه الغرض من هذا النظام؟ وإيه مرماه؟ وإيه تعملو بيه خصوصا بعدما ثبت أنّو ارتكب جرائم؟…

بعد تصفية تنظيم سيد قطب سنة 1965، قامت جماعة “صالح سرية” (الذي بدأ تشكيل تنظيمه في أوائل هذه السنة، بهدف السيطرة على الحكم) بالاستيلاء على كلية الفنية العسكرية وعلى الأسلحة والذخائر وعرباتها التي في مخازنها؛ لكن الخطة فشلت.

إقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: شبابنا بين الإلحاد والإيمان

من جهته، كان شكرى مصطفى أحد أهم القطبين وتلميذ سيد قطب النجيب، وهو مؤسس جماعة التكفير والهجرة كما أطلق عليها، وأول من كفر واتهم بالارتداد عن الدين عددا من الأفراد السابقين للجماعة، بعد انشقاقهم أو خروجهم منها؛ وذلك بعدما استخدمت العنف المفرط. كان أبرز ما فعلوه خطف وزير الأوقاف آنذاك، الشيخ محمد الذهبى، مقابل الإفراج عن معتقلين من الجماعة. عندما شعر شكري مصطفى بالمماطلة، قام بإطلاق النار على رأسه وهو يصلي.

يقول عبد العظيم رمضان، في كتابه الذي أشرنا له في الجزء الأول من هذا الملف: “عام 1982، حدث تطوران مهمانِ: الأول، تخلي جماعة الإخوان المسلمين عن العنف، وتحولها إلى جماعة برلمانية بعد دخولها الانتخابات البرلمانية تحت عباءة أحزاب شرعية أخرى. والتطور الثاني هو انتقال العنف من الإخوان المسلمين إلى جماعات أخرى”.

يجوز إذن القول إنّ أعضاء الجماعة، ومنذ هذا التاريخ، بدؤوا يحذقون فنون مغازلة النظام الحاكم لاستمالته والاقتراب منه، لكن هذه السياسة لم تقصهم عن العنف وعن نشاط جهازهم السرّي؛ بل بالعكس، فتحت لهم مساحات أرحب للانتشار واستقطاب الناس.

نقطة أخيرة وجب التنبيه إليها، وهي أنّ قياديي الجماعة لم يكونوا جميعهم، عبر مراحل تاريخهم، على علم بما يدور داخل جهازهم السرّي، فالتكتّم والاحتياط كانا سيّدا الموقف. لعلّ هذا ما يفسّر ما تعيشه حركتهم بين الحين والآخر من انقسام لا يدركه سوى من كان داخل هذا التنظيم. إن حدث أن خرج خلاف إلى العموم، فسرعان ما يطوّق ببيانات من مكتب المرشد لتنبّه إلى أنّ مواقف الخاصّة من البعض “لا تلزم سوى أصحابها”.

في سنة 53، جمع الإخوان شتاتهم لكن كانوا منقسمين إلى 3 أجنحة: جناح متطرّف برئاسة عشماوي، وجناح محافظ ويقوده عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا، وثالث معتدل برئاسة أحمد حسن الباقوي.

يقدّم لنا الهضيبي شهادة طريفة، وقد كان مرشد الإخوان في سنة 51 وانتخب من خارج النواة الصلبة لهم اجتنابا لمواجهة محتملة بين الجناح المعتدل والجناح المتطرّف. يقول الهضيبي في شهادته: “لمّا جيت في الإخوان المسلمين سنة 51، تبيّن لي شي اسمه ” النظام الخاص”، فأنا سألت: إيه الغرض من هذا النظام؟ وإيه مرماه؟ وإيه تعملو بيه خصوصا بعدما ثبت أنّو ارتكب جرائم؟… وكلّ هذه الجرائم التي ارتكبت طبعا انحراف وخروج عن الغرض الأصلي من هذا النظام وهو إعداد الفرد المسلم إعدادا صالحا للدفاع عن الوطن الإسلامي”.

إقرأ أيضا: على هامش قضية رهف: هل سقط قناع حقوق المرأة في السعودية؟

إذن، أراد الهضيبي معرفة الأعضاء وإيقاف هذه العصابة لكنّه عجز، والسبب انعدام ثقتهم في شخصه: “يمكن يفتكرو أنّهم مجاهدين أكثر شوية وأنا رجل كبير”، يتابع الهضيبي.

هذه نماذج من الأحداث التي ساهمت في تطوير هذا التنظيم. واللافت، ذاك الشبه المريب بين ما حدث في الأربعينات والخمسينات إلى الثمانينات وبين ما نعيشه منذ 2011 وإلى يومنا هذا. فكأنّ لحركة الإخوان دماغا صلبا يحرّكه وله جميع أصناف الأجوبة لما قد يمرّون به من مصاعب. فكأنّ حركة التاريخ متوقّفة وكأنّهم أنتجوا دوّامة أقحمونا فيها إقحاما وحموها بجهاز عسكريّ لا يؤمن سوى بالقمع والدم.

ترقبوا، قريبا، الجزء الثالث من هذا الملف على مرايانا

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *