×
×

من اليمن، حسين الوادعي يكتب: شبابنا بين الإلحاد والإيمان

تابعت نقاشا ظريفا قبل فترة حول الإلحاد بين الشباب العربي. الفكرة الرئيسية للنقاش كانت أن الإلحاد المنتشر بين الشباب اليوم إلحاد سطحي، لأن الملحدين لم يتعمقوا في الفلسفة والعلم حتى …

تابعت نقاشا ظريفا قبل فترة حول الإلحاد بين الشباب العربي.

الفكرة الرئيسية للنقاش كانت أن الإلحاد المنتشر بين الشباب اليوم إلحاد سطحي، لأن الملحدين لم يتعمقوا في الفلسفة والعلم حتى يبنوا إلحادهم على أساس متين!

ربط الإلحاد بالقراءات العلمية والفلسفية يحتاج الى تصحيح.

إن نظرية التطور لا تدفع الشباب للإلحاد، لأن الكثيرين تبنوها واحتفظوا بإيمانهم. اقتنعوا بحقيقة التطور، لكن آمنوا أن الله أيضا وراء هذا التطور، وصار لدينا رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود يدافعون عنها وهم في قمة إيمانهم

للإلحاد  أسباب كثيرة من بينها “القراءة”، لكنها ليست السبب الوحيد. لكن، على العكس من الفكرة الشائعة، يرتبط الإلحاد بالقراءات الدينية لا بالقراءات الفلسفية.

الإلحاد كان تيارا فرعيا جدا بين الفلاسفة، وأغلب كبار الفلاسفة لم يكونوا ملحدين. كما كان الإلحاد اتجاها فرعيا بين العلماء، فأغلب العلماء ليسوا ملحدين.

الذي يدفع شباب اليوم الإلحاد ليس أفكار ماركس وفريد وداروين، ولكنها أفكار بن تيمية والخميني وبن عثيمين وسيد قطب والسيستاني وغيرهم.

اقرأ لنفس الكاتب: الكذب في سبيل الله… أو ماركس حنيفا مسلما

أما طريق الإلحاد، فلا يبدأ بقراءة “أصل الأنواع” أو “رأس المال”، ولكنه يبدأ بالصدمات الفكرية والأخلاقية التي يتلقاها الشباب، وهم يقرؤون البخاري والكليني والصارم المسلول ومعالم في الطريق وتوحيد الخالق، وغيرها.

إن نظرية التطور لا تدفع الشباب للإلحاد، لأن الكثيرين تبنوها واحتفظوا بإيمانهم. اقتنعوا بحقيقة التطور، لكن آمنوا أن الله أيضا وراء هذا التطور، وصار لدينا رجال دين مسلمون ومسيحيون ويهود يدافعون عنها وهم في قمة إيمانهم.

المشكلة الكبيرة في العالم الإسلامي اليوم أنك لا تستطيع التفريق بين “الخطاب المعتدل” و “الخطاب المتطرف”.

ما يدفع الشباب للإلحاد هو الجانب الخرافي واللاإنساني الذي يقذفه الخطاب الديني السائد كل يوم من حكايات إبادة بني قريظة، إلى حكايات الفتح والغزو والنهب وسبي النساء، إلى المبالغات اللامنطقية في حكايات الإسراء والمعراج والجن والسحر والحمار المتكلم والصخور الناطقة.

ما يدفع شباب اليوم للإلحاد هو الخطاب الديني المتطرف الذي يحرم أو يتشكك في كل شيء إيجابي في الحياة، من العلم إلى الحرية إلى الفن والديمقراطية والعلمانية والمساواة، بحيث يجد الشاب نفسه بين خيارين مرين: إما التدين والكراهية والعزلة، أو الإلحاد والانفتاح على الحياة.

اقرأ لنفس الكاتب: حول البخاري وأصحابه

الفكرة الثانية في نقد الإلحاد هي أن الشباب الملحدين لم يعرفوا “الدين الحقيقي” وأنهم لو عرفوه لما ألحدوا. لكن الشباب يرفضون ذاك الذي يقدم لهم على أنه “الدين الحقيقي”، لأنهم يرونه غير إنساني وغير مقنع، وحين يبحثون عن هذا الدين الحقيقي لا يرون اختلافا بينه وبين “الدين المزور” الذي دفعهم للإلحاد.

المشكلة الكبيرة في العالم الإسلامي اليوم أنك لا تستطيع التفريق بين “الخطاب المعتدل” و “الخطاب المتطرف”.

هذه حقيقة مرة.

الإلحاد موقف شخصي قد يكون دائما أو مؤقتا. ولأنه موقف شخصي، فليس له تبعات عامة ولا يؤثر على الآخرين ولا يدعو للقلق أو للدعوات المحمومة “للعلاج”

فحين قامت داعش بسبي واغتصاب اليزيديات، دافعت الأزهرية سعاد صالح عن مبدأ السبي والاغتصاب، كما دافع عنه الوهابي صالح الفوزان.

وهذا يقودنا إلى أهم سبب لانتشار ظاهرة الإلحاد، وهو بالتأكيد ليس قراءة الكتب، وانما مرارة الواقع.

اقرأ أيضا: على هامش حادثة إمليل: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

واقع توحش الممارسات الدينية وعجزها عن مواكبة التطور الإنساني هو السبب الأهم للإلحاد العربي.

ليست مصادفة مثلا أن الإلحاد تحول إلى ظاهرة بعد صعود جماعات مثل “القاعدة”، “داعش”، “الحشد الشعبي”، “الحوثيون”، وغيرها. وليست مصادفة أن عجز الخطاب الديني الرسمي عن مواجهة هذا التوحش دفع بظاهرة الإلحاد بين الشباب إلى مستويات غير مسبوقة.

نعم، صارت ظاهرة الإلحاد بين الشباب مقلقة للبعض، لكني لا أراها كذلك. فالإلحاد موقف شخصي قد يكون دائما أو مؤقتا. ولأنه موقف شخصي، فليس له تبعات عامة ولا يؤثر على الآخرين ولا يدعو للقلق أو للدعوات المحمومة “للعلاج”.

على العكس من ذلك، أرى أن للإلحاد وظيفة إيجابية في ظروف معينة.

واقع توحش الممارسات الدينية وعجزها عن مواكبة التطور الإنساني هو السبب الأهم للإلحاد العربي.

لقد توحش الخطاب الديني وصار معاديا للعقل والسلام والحرية والمساواة والتقدم. في هذا الوضع الخاص، يصبح للإلحاد وظيفة إيجابية هي مساعدة الشباب على رفض التوحش والتمسك بالقيم الإنسانية الكبرى. ويشكل الإلحاد ضغطا قويا نحو إصلاح الخطاب الديني وتحديثه.

اقرأ لنفس الكاتب:

من خلال تجربتي الشخصية، صرت في موقع يرى للإيمان وللإلحاد قيمة إيجابية متكاملة وليست متناقضة.

لكن المؤمن يجب أن يكون نزيها وصادقا. فعندما يصر أن الإسلام دين سلام، يجب أن يتوقف عن مديح الفتوحات والسبي والغزو والجهاد والقتل من أجل العقيدة ويرفضها. وعندما يقول إن الإسلام دين عدل وحرية، يجب أن يدافع عن حرية الرأي والتعبير والعقيدة بلا استثناءات، وأن يتخلى عن الخطاب التحقيري التمييزي ضد المرأة والذمي وغير المتدين.

كذلك، مطلوب من الملحد أن يكون أكثر تناغما وتواضعا. فحين تدافع عن الإلحاد، حاذر أن تتحول إلى “الإلحاد الجهادي” الذي يطالب بإبادة المؤمنين وحرق الكتب المقدسة وهدم المساجد والكنائس.

الإلحاد فكرة عقلانية ضد الواحدية والتسلط ومع الحرية، ويجب أن تخلص لفكرة الحرية والتعدد الى النهاية.

يجب أن نفهم الايمان والإلحاد كخيارات شخصية لا كمعارك اجتماعية. فالبعض يستقر ضميره وعقله بالإيمان، والبعض يستقر عقله وضميره بالإلحاد حسب الفروق الذهنية والنفسية والاجتماعية. وأنا ادافع عنهما معاً ما داما لا يتعديان على حقوق الآخرين في اعتناق ما يريدون.

اقرأ أيضا: من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: هكذا أنقذني الشعر والحب!

تعليقات

  1. صلعم

    هذه المقالة هي شعارات وراء شعارات. “لم يعرفوا الدين الحق” و يقول “سطحيين” و كل الكلام المكتوب. يا جماعة لماذا تجدوا نفسكم في محل للدفاع عن الدين
    إذا الدين هش لهذه الدرجة فهو لا يستاهل أي أحد يتبعه و اذا هو قوي ستجد الملحدين أول ناس يرجعوا. كل انسان ترك الدين له منطقة معينة. عدم توافقه مع العلم، أو عدم توافق القصص مع الواقع، أو عدم الإنسانية و الأحكام العنيفة و العنصرية ضد كل من لا يتبع نفس الدين و السرقة و القتل و السبي و تحليل نكاح الصغيرة و عدم محاكمة من ينكح علامه الذكر و كشف ثدي الجارية و تغطية الحرة و إرضاع الكبير و امور كثيرة جدا مثل معركة قريضة و زواج الرسول من صفية بعد إبادة قبيلتها و قتل زوجها و اباها و نكاحها في الطريق. و سبايا اوطاس. هناك الكثير و الكثير الذي يخرج أي انسان عاقل أو انساني أو منطقي بسهولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *