×
×

إدريس هاني: رأيي في عبد الله العروي ليس واحداً، والجزائر عليها أن تعود إلى مشروع مالك بن نبي! 4\4

في الأجزاء السابقة وقفنا على مقاربة المفكر هاني للتّراث العربي الإسلامي، ونظرته للحلول الممكنة لإنهاء الصراعات المذهبية بين السّنة والشّيعة.
في هذا الجزء الأخير، نحاول فهم النقد المتوالي من طرف إدريس هاني لعبد الله العروي: وبما أنّه من الصعب جدا الوصول للعروي لمنحه حقّه في الردّ، فسيكون تجاوب مرايانا مع أجوبة إدريس هاني متّسما بالحذر.
ثمّ بعدها، سنعرّج على رأي إدريس هاني، كمفكّر مغربي، في التّطورات الأخيرة فيمَا يتعلّقُ بالمَغرب والجزائر وقطعِ العلاقَات الدبلوماسية بين البلدين.

  • ذاتَ محاضرةٍ لكَ، قلت متوجها للعروي، مجازياً: كيف تبترُ تاريخاً، وأنت مؤرّخ… هناك من اعتبر ذلك مغالطة، لأن عبد الله العروي في مشروعه لم يدعُ إلى بتر التراث من التاريخ، بل دعا إلى ما أسماه بالقطيعة المنهجية مع التراث. ما ردّك على ذلك؟

رأيي في العروي ليس واحداً كما قلت مراراً، بل هو متوتّر بحسب المواقف والعِبارات، وهو أعمق من أن يدرِكه الهواة. هل أدرك أولئك موارد احتفائي ببعض مقالاته؟ هل وقف أولئك على محاضرات حول فكره كنت له فيها منصفا ومحتفيا؟ لا أأبه للهواة وملاحظاتهم المبتورة المبتدئة وتهجّيهم لغة النقد.

وأمّا القطيعة، فقد تطرقت إليها مراراً ومنذ عشرات السنين، حتى أنّني وصفتها في أواخر تلك الدراسات بالقطيعة الكبرى. كنت أقصد أنّ العروي، وهو نفسه يؤكد، بأنّنا لن نتقدم برسم الوعي التاريخي إلاّ حينما نكُفّ أن نقول إننا عرب أو مسلمون. القطيعة مع التراث قضية محسومة وواضحة في خطاب العروي، فلا يمكن أن نشرح البديهي. إنّما قصدت بأنّه مؤرخ، أي كيف يحضر التّراث في تجارب الأمم، وأنّ القطيعة بالمعنى الجذري تكاد تكون مستحيلة، بل هي تجريد غير واقعي. يحضر التّراث بأشكال وأنواع مختلفة في حاضرنا، لذا، أُرجع من له التباس في معرفة موقفي، إلى قراءة الفُصول المخصّصة للقَطيعة مع التّراث عند العروي في كتابي: “خرائط أيديولوجية ممزقّة”.

  • بيد أنّك، في مطلع السّنة الماضية، لمّحت إلى ممارسة العروي للسّرقة الفكرية، عبر ما أسميته بالتّناص بين كتاب مفهوم الدولة للعروي وكتاب (La notion de l’état) لأليكسندر دي أونتريف، وذهبتَ إلى أن العروي لم يذكر الأخير في الهوامش. ألا ترى أن “قراءاتك للعروي تتّخذُ نزوعاً شخصياً وانطباعياً يسيء إليك وإلى العروي ككاتب وكمثقّف”، وفقَ ما جاء في تّعليقات بعض المتابعين على مقالك بهذا الصّدد؟

لم ألمّح، بل قدمتُ إفادة كاملة حول هذا التّناص. وطبعاً، لا أهمية للردود غير المحترفة. لكنّ الكثير من المثقفين أقرّوني على ذلك وهذا يكفي. للعلم، فإنّ التّناص ليس هو السرقة، وإنّ غير المحترفين لن يفهموا الفرق بين النقد وبين إفادة واقعيّة وموثقة. هناك من لا يفهم النّقد إلاّ بخلفيات كيدية، ونحن هنا، الآن ودائما، غير معنيين بها، أنا أعرَفُ مِن هؤلاء بالمتن العرويّ، وكتبتُ وحاضرت حوله منذ سنوات، ومثل هذا الذي لاحظتُه يقعُ فيه الكثُيرون.

  • لكنّ سُؤالي يتعلّق بالكِتاب أساساً وليسَ شيئاً آخر؟

أعرف، وطبعاً، مفهُوم الدّولة عندَ العروي كتاب قيّم، ومحترف، ولا غنى عنه. لكن آثار ألكسندر دي أونتريف واضحة فيه. المفروض أن المعني بالأمر هو من له الحق في أن يوضح حيثيات هذه الشبهة، إن كانت شبهة بالفعل. لكن، للأسف، هناك من لم يكن لهم علم بوجود كتاب يحمل الاسم ذاته لأونتريف، ولم يعرفوه إلاّ بعد أن كتبت ما كتبت. بمعنى أنّ مشكلتهم شخصية، وهي: لماذا تنبهت إلى أمر لم يرد في أذهانهم؟ هنا يحضر التحليل النفسي لأي موقف نقدي، في زمن الكراهية.

لكن، هل بالفعل رأيي في العروي هو كذلك؟ أبداً، فحتى الآن يبدو لي العروي هو من أذكى المفكرين العرب. إنه يمارس التناص بشكل مبدع، وليس ذلك أول تناص له، بل هناك الكثير من أشكال التناص مع أستاذه ريمون آرون، مع مالك بن نبي، مع هنري تيراس، وليس آخره مع إلكسندر دي أونتريف.

  • لقد عدنا أثناء الإعداد لهذا الحِوار إلى لائحة مصادر كتاب “مفهوم الدولة”، ووجدنا أنّ العروي أشار إلى كتاب أليكسندر دي أونتريف ضمن المراجع الأجنبية. ألا يكفي ذلك؟

هذا يؤكد تماماً ما ذهبتُ إليه، فأليكسندر دي أونتريف، هو الحاضر/ الغائب في متن العروي، لم يذكر في أيّ هامش من هوامش الكتاب، عند أيّ فكرة مُقتبسة، كما فعل مع غيره، على الرّغم من أن مفهوم الدّولة عند دي أونتريف حاضرٌ من المقدّمة إلى الخاتمة سواءٌ كأفكار أو كاستلهام، ولقد وضعهُ في ثبت المراجع ضمن مراجع ثانوية، دون أن تتم الإحالة عليه ككتاب مرجعي عمدة.

هناك أفكار منذ المقدمة، يمكنكم العودة إليها، ولا يمكن أن يدرك القارئ أنها تنتسب لألكسندر دي أونتريف، لأنه لم تقع الإحالات عليها في مكانها، ما عدا إحالة يتيمة في أمر جانبي.

مع أنّ الاقتباس يكاد يبدأ من الجملة الأولى، ويستمر. طبعاً، لم أنطلق من تشابه العناوين، لأن كتاب دي اونتريف كان لدي منذ سنوات ولم يوح لي بذلك، حتى اطّلعت عليه. سيقول البعض بأن العروي تناول مفهوم الدولة العربية والإسلامية، وهذا صحيح. هو تناول مفهوم الخلافة بشكل عميق كما تناول دي اونتريف مفهوم الدولة المسيحية، هذا تطبيق أو استلهام ذكي أيضا من ألكسندر دي انتريف، ولكنه استلهام مفيد.

وجود دي أونتريف في ثبت المراجع حسب الترتيب الأبجدي، لا يساعد على معرفة أين يبدأ الاقتباس منه وأين ينتهي. كانت تلك ملاحظة تقنية، وهذا يتطلب قراءة مقارنة متينة لنقف عند مستويات التناص وما هو أبعد من التناص. هل هذا يكفي للطّعن في كتاب مفهوم الدّولة؟ أبداً، سيظلّ الكتاب عملاً مرجعيا، وحين نسجل هذه الملاحظة، فذلك لا يعني أن طريقة استلهام الخبير تشبه استلهام غير الخبير. لذا، أتمنى أن لا تؤثر هذه الملاحظة على أهمية الكتاب، وهذا يتطلب أن يكون النقد والمتلقي للنقد، خارج حسابات الموقف التبسيطي والكيدي.

هناك كُتَّابٌ لم أعد أطيق أن أقرأ لهم. لكن العروي هو من بين الكتاب العرب القلائل الذين أستمتع بقراءتهم، وآخر أعماله الآن هي بين يدي: (l’Algérie et le Sahara marocain).

  • عموماً، نحن نعلنُ تحفّظنا في مرايانا بخصُوص هذا التّناص، لأنّه يحتَاجُ إلى إثباتات موثّقة وأدلة أكاديمية صارمة، لا يسمحُ المقامُ للغَوص فيهَا الآن… غير أنّنا نودّ أن نقف على ذكرك لعلاقة الجزائر بالصّحراء المغربية. إذْ لاحَظنا أنّها اتّسمت بالتّصعيد، وقطع العلاقات الدبلوماسية… كيف تقرأُ هذا التّوتر من ناحِية استراتيجية؟

من المُؤسف أن تذهب الأمور إلى هذا الحدّ، فالتصعيد كان في نظري متوقّعا، لأنّنا سقطنا في منظورية كارل سميث في صناعة العدوّ.

لا بدّ لكلّ تصوّر وموقف من نتائج. لكن ماذا يعني التّصعيد حين يتعلّق الأمر ببلدين قدرهما الجغرافي يفرض عليهما حُسن الجوار، إذ أنّ هذا ليس خياراً. فبعد أن كنا نتطلع لبناء اتحاد مغاربي، أصبحنا نتطلع فقط إلى أفق تطبيق مبدأ حسن الجوار.

هناك عوامل أعمق من كونها سياسية محضة. هنا، أستدعي علم النفس المرضي للعلاقات الدّولية. هذه العلاقة لم تعد فقط غير طبيعية، بل باتت مرضية. وحينما نستند إلى منظورية كارل سميث، فهذا يعني أنّنا سنصطدم يوما لا محالة.

أنا هنا لا أريد أن أتحدث في ما يقارب نصف قرن من النزاع. لكنني، أيضاً، لا أكاد أفهم إلى متى سيستمر هذا النّزاع؟ إننا لن نفهم شيئا إذا ما حاولنا قراءة الموقف من خلال الشّعارات، ولكن سنفْهم الكثيرَ إذا استَنطقنا التّاريخ والوثيقة.

أعتقد أنّ أسباب هذا التّوتر واضحة بما يكفي، والكلّ يعرف ما هي واجباته، وأعتقد أنّ المستقبل، إن استبعدنا الصدام، هو الجلوس على الطاولة، جلوس أشقاء لتصحيح أسس العلاقة الخاطئة منذ الاستقلال، بشجاعة، وحتى من دون واسطة.

لا يمكننا أن نفصل ثم نُوحد، علينا أن نفكر في الاتحاد وكفى تجزئة. إذا كان الأشقاء يدركون بأنّ المغاربة لن يتنازلوا عن وحدتهم الترابية، فماذا ننتظر، ولم نهدر الزمن السياسي؟ ليس هناك من أفق سوى انقلاب أو ما يسميه روبرت كابلان بثأر الجغرافيا.

  • وما العمل في نظرك؟

لكل طرف مسؤولية، وسننظر ما الذي يمكن أن يقدمه هذا الطرف أو ذاك من تنازلات مشروطة بقيام علاقة متجددة جذريا، وفي إطار النهوض بالفريضة الغائبة، ألا وهي الاتحاد المغاربي. وفي هذا السّياق، وجب تجاوُز كل العقبات بما هو منطقي في العُرف السّياسي والقانون الدولي.

في هذا الإطار، أدعو الجزائر أن تعود إلى مشروع مالك بن نبيّ، إلى محور طنجةـ جاكارتا، والكومنولث إسلامي، والآفرو_أسيوية. مالك بن نبيّ كان مع الاتحادات، مع فكرة باندونغ، مع توسيع مجال التحالف والشراكة في ضوء فكرة النهضة ومفهوم الحضارة، مشروع مالك بن نبي مناهض لمشروع الانفصال ومشاريع التفتيت تحت عناوين شتّى، بما فيها لعبة تقرير المصير التي لها أكثر من مستوى مفهومي في القانون الدّولي، أسوأها الانفصال.

مالك بن نبيّ مهم في هذه المرحلة، لأنّنا في نهاية المطاف لا نريد أن نخسر المستقبل، ولا حتى اليأس من مشروع اتحاد مغاربي تندكّ معه كل الأزمات، كما لا نريد تنفيذ خريطة برنار لويس بديلا عن محور طنجة-جاكرتا.

إن الأمر لا يتعلق بتصحيح علاقة فقط، بل يتعين تحقيق انقلاب جذري على نمط خاطئ من العلاقات، أضاع من عمر البلدين ما يقارب نصف قرن من الجمود وهدر الموارد. إذا انطلقنا من الذّاكرة المشتركة، وفكّرنا في المستقبل، وتنازلنا عن رهانات الحرب الباردة، وجلسنا على الطاولة وتحمّلنا مسؤوليّتنا بخصوص القضَايا العالقة، ومنها قضية الصّحراء المغربية، وبدأنا في إحياء مشرُوع الاتّحاد المغاربي، سننهي عقوداً من السّياسات اللاّعقلانية، ونفكّ الحصار عن شعوب المنطقة.

لا غرو في أنّ هذا يتطلّب شجاعة سياسية، ولا يحتاج كما قلتُ لوساطات، لأنّني أزعم بأنّ لا وسيط يستطيع أن يفهم مزاج ولغة الطّرفين غيرهما. كل طرف ثالث لن يفهم عمق الإشكالية بين البلدين، وسيبدأ لا محالة، كما يفعلون دائما، من أعراض المشكلة لا جوهرها، ومخرجاتها لا مدخلاتها، وخبرها لا مبتدئها.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *