×
×

أحداث فجيج : مرايانا تلتقط أصل محنة الفلاحين المغاربة! 1/2

… كانت ثمة اتفاقية 1901 بين الجزائر الفرنسية والمملكة الشريفة، تنصّ على أنّ ساكنة فجيج المغربية لها الحق في أن تذهب لضيعاتها وأملاكها المتواجدة في المناطق الخاضعة لسيادة الجزائر.

تخيّل أنك تشتغل في ضيعتك، وعلى حين غرّة يأتيك غرباء مسلّحون، ليخبروك أن تلك الأرض التي دأبت على استغلالها أبا عن جدّ ومنذ قرون… ليست لك، ولا لبلدك من الأصل، وأن عقود المِلكية التي تتوفر عليها قد تصبح عديمة القيمة! فيصمت بلدك فجأةً…

هذا بالضّبط ملخّص الحكاية “المأساوية”، التي حدثت لساكنة فكيك قبل أيام، والتي تنذّر بأزمة ديبلوماسية من نوع آخر بين المغرب والجزائر.

الواقعُ أنه، ما إن انتهى المغرب من أزمة الكركرات في الصّحراء المغربية، حتى طفا من جديد مشكل فكيك، بعد أن طالبت السّلطات الجزائرية فلاحين بمنطقة العرجة، قرب الحدود المغربية الجزائرية، بإخلاء المكان، قبل الثامن عشر من مارس 2021.

موجات الاستنكار تعالت من جديد، وتنديدات بعودة الجزائر إلى سياسة الضّرب تحت الحزام تجاه المغرب. لكن…

هل بالفعل هذه الأراضي جزائرية؟ وهل قامت الجزائر بهذا التحرك من تلقاء ذاتها، أم أنّ الأمر تمّ بتنسيق مع السّلطات المغربية؟

يصعبُ تكهّن الأمر، وفق المتتبعين، نظراً لصمت الدّولة المغربية حيال هذه الأزمة، وغياب المعلومات الدقيقة الكافية حول الموضوع.

أثارت الصور المؤثرة للفلاحين بفجيج، الذين يغادرون ضيعاتهم ونخيلهم، شعوراً بالتضامن، لدى المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي.

كتابات على الجدران بعد مغادرة السّاكنة للعرجات

لا يُعرف إلى الآن كيف سيتمّ تعويض هؤلاء الفلاّحين…

فجيج… الخميس “الأسود

بشكل مفاجئ… أمهل الجيش الجزائري المزارعين المغاربة القاطنين في ضواحي مدينة “فجيج” على الحدود، إلى غاية الخميس 18 مارس بغية إخلاء أراضيهم، التي يستغلونها منذ القرن الماضي، وأغلبهم يتوفّر على وثائق عدلية تثبت صحة الملكية.

“أخرجت مُعدّاتي، واليوم سأشرب الشربة الأخيرة من وادي العرجة حتى لا أعود إلى هنا مرة أخرى”، كان هذا تعليقُ أحد الفلاحين المتضررين من مشكلة الحدود في مدينة فجيج، والذي نقلته صحيفة “الأيام 24” الإلكترونية، في محاولة لرصد المشهد من هناك.

أكثر من ذلك، أقدم الجيش الجزائري على نصب خيام على الحدود في منطقة “وادي العرجة”، ليسهر على عملية ترحيل المزارعين من المنطقة، في وقت لم تخرج المملكة المغربية بأيّ رد رسمي حيال الموضوع.

في فيديو متداول على شبكات التراسل الفوري، يوثق احتجاجات ساكنة مناطق فكيك، فإنّ قيمة ضيعة من الضيعات المتواجدة بالمنطقة تصل إلى 385 مليون سنتيم، ناهيك عن وجود ضيعات أكثر تكلفةً وثمناً.

وفق ما أفاد به عبد المالك، وهو أحد المستثمرين بالمنطقة، للصحف الوطنية، فإنّه يتوفر على زهاء 1500 نخلة بالمنطقة، وجاء القرار “الجزائري” على وزن فاجعة، بُعَيد أن وجده قد جهز صناديقه لحصد محصول التمر.

تشير المعلومات المتداولة إلى أن قوات جزائرية كانت قد دخلت المنطقة خلال فبراير الماضي، وأجرت دراسات وانسحبت، قبل أن تعود لجنة سياسية وعسكرية رفيعة المستوى إلى المنطقة منذ أيام، لتأمر الفلاحين المغاربة بالانسحاب قبل الخميس “الأسود”… تحت طائلة التهديد بالاعتقال.

تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، يرى في حديث لمرايانا أن قيام الجزائر بهذه الخطوة بكيفية “انفرادية”، دليل على التّهور في معالجة القضايا ذات الصبغة الخارجية.

المفرُوض، وفق الحسيني، أنّ يقوم السفير الجزائري بالرباط، بإبلاغ السلطات المغربية، ويقوم الطرفان بتعيين لجنة مشتركة، متكونة من خبراء وطوبوغرافيين، لتحديد الدولة التي تخضع العرجات لسيادتها بشكل دقيق.

يوم الخميس “الأسود”، يرى محللون، هو يوم يسائل الوطنية الحقة للمغاربة، وقيم التضامن تجاه هؤلاء المزارعين، الذين سيتعرضون لخسارة فادحة إذا أخليت المنطقة، والذين لم يكونوا في الحقيقة سوى ضحايا لضعف السياسة التواصلية للدّولة.

ضيعات لمغاربة، على “أراض جزائرية”…

في حديث له مع مرايانا، يفرجُ بوبكر لاركو، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، عن معطيات مهمّة، أهمّها أنه كانت ثمة اتفاقية 1901 بين الجزائر الفرنسية والمملكة الشريفة، تنصّ على أنّ ساكنة فجيج المغربية لها الحق في أن تذهب لضيعاتها وأملاكها المتواجدة في المناطق الخاضعة لسيادة الجزائر.

أكثر من ذلك، يضيف لاركو، فإنّ بني ونيس، وهي أول قرية جزائرية، تعتبر تاريخياً قصراً من قصور فجيج، أي أنّ المباني الموجودة والأراضي الفلاحية كلّها في ملكية أهل فجيج، وهناك أسر استقرّت هناك، اختارت أن تحصل على جنسية جزائرية لتبقى هناك، ولكن أصولها تنحدر من فجيج.

منطقة العرجات المعنية

كانت هناك اتفاقية أخرى تهمّ الجمارك بين المغرب والجزائر، لكي تُعفى ساكنة فجيج من تدابير الولوج إلى الأراضي في الضفة الأخرى، وكانت تسمى “العمور الصحراء”، وهي قبائل عربية، حسب المتحدّث.

يضيف لاركو، أنّ تلك الأراضي لها وثائقها، والسّاكنة كانت تؤدي ضريبتين، واحدة لفائدة مركز فشرية في الجزائر، وأخرى لمركز جرادة في المغرب، وهذا يرجع إلى زمن الاستعمار.

في سنة 1972، تمّ الاتفاق بين الحسن الثاني وهواري بومدين، لأجل ترسيم الحدود، على أساس أنّ الجزائر لا أطماع لها في الصحراء المغربية المتنازع عليها. مقابل ذلك، تمّ السكوت عن تندوف وبشار والحدود، التي من بينها حدود فجيج.

حافظت هذه الاتفاقية، مع ذلك، على حقّ ساكنة فجيج في الولوج  إلى أملاكها والاستمرار في نشاطها الفلاحي، على حد تعبيره.

هذه المنطقة، التي تفجّرت فيها الأزمة، هي جزء صغير من العرجة، المتواجدة خلف الوادي، ويصعب كثيراً أن يصل له الجزائريون من جهتهم بالسيارات، فبقي مهجوراً. لجأ بعض سكان المنطقة للاستثمار الفلاحي في تلك الأراضي، وغرسوا النخيل وحفروا الآبار و”الشاريج”، رغم أنّ السلطة كانت تمنع المواطنين أحياناً!

في النهاية، هي أراضي في ملكية أهل فجيج، ولكنّها توجد في أراض جزائرية، حسب الاتفاقية.

يقول لاركو إنّه كانت ثمّة حركية منذُ سنَة 2009، 2010، تضمّنت عملاً توثِيقياً، جُمعت فيه وثائق الملكية لضيعات وبساتين ساكنة فجيج الموجودة على التراب الجزائري، وتمّ رفع هذه الوثائق ضمن مرافعة لرئيس مجلس النواب مصطفى المنصوري آنذاك، وكذلك للأحزاب السياسية، للتعريف بأهمية هذه القضية، والبحث عن حلول عادلة ومنصفة، ولكنها لم تجد السبيل الذي كانت تنشده!

بالنسبة لعبد الرحمن الحرادجي، أستاذ الجغرافيا بجامعة محمد الأول وجدة، فإنّ اتفاقية 1972، تتضمّن غموضاً فيما يتعلّق بترسيم الحدود، لأن هذه العملية من المفروض أن تقوم بها لجنة تقنية متخصّصة، يتمّ تشكيلها من طرف البلدين، وليس في علم العموم إطلاقاً أنّ هذه العملية تمتّ، ميدانياً، سواء في فجيج أو نواحيها.

حسب ما أفاد الحرادجي لـ”مرايانا”، فإنّ الغموضَ يكمن، أيضاً، في أنّ منطق الحدود يخضع للتّسوية في الميدان. مثلاً، بخصوص الوادي، فالمجاري متشابكة، وتارة هو في الضفة اليمنى وتارّة أخرى في الضفة اليسرى، بمعنى أنّ الوادي متحرّك.

وبالتالي، فعندما تكون النصوب والإحداثيات الجغرافية مدقّقة، فإن المواقع، رغم تغيّر الوادي أو أي علامة أخرى، ستبقى مضبوطة بالجي بي إس، والأمر حينها لن يكون فيه نقاش أو غموض أو لبس.

بينما، في حالة الاتفاقية بين المغرب والجزائر، فهذه العملية لم تتم. بمعنى أنّ مخطط الحدود قابل لبعض التأويلات الجزئية؛ وإلاّ، لماذا يتم ترسيم الحدود في الأرض على الميدان عادةً؟، يتساءل الحرادجي.

للإجابة على هذا السؤال، يضيف الحرادجي: “بُغية رَفع كلّ لبس، ومن أجل حِماية وصِيانة الحُقوق لذويها. وللفصل بين ما هو مغربي وما هو جزائري حدودياً، لا ينبغي أن تقسّم ضيعات وبساتين يملكها المغاربة. تقسيم الحدود على الميدان، لا بد أن يصون حقوق ملكية المغاربة في العرجة.”

لقد كان هناك تردد من الجانب المغربي دام لعشرين سنة، قبل أن يصادق على اتفاقية سنة 1992، رغم أن بعض النواب حينها رفضوا المصادقة على هذه الاتفاقية، لأنها تمنح أراضي مغربية للجزائر علانيةً. لكن، كان من الصعب معارضة قرارات الملك الحسن الثاني النهائية وقتذاك.

تشير اتفاقية 1992 في مادتها الأولى إلى “واد غير مسمى”، وهذا ما اعتبره البعض أصل الغموض. هناك أيضا من قال بأنّ الواد الذي استهدفه الجنود الجزائريون ليس هو المعني بالاتفاقية…

على كل حال، يبدو أنّ أهل فجيج لم يُستشاروا أبداً في هذه الحدود، ولم يؤحذ رأيهم في ما إذا كانت دقيقة أم لا.

… لحدود الآن، لا يعرف الموقف الرسمي للحكومة تجاه هذه الأوضاع في فجيج، وكأنّ الأمر لا يتعلّق بمغاربة لهم حقوقهم وكرامتهم، كما دوّن نشطاء.

في الجزء الثاني نحاول الرد على سؤال: هل يمكن أن يدفع هذا الأمر إلى طرح المغرب ملف الصحراء الشرقية على المنتظم الأممي؟

مواضيع قد تهمّك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *