×
×

أحداث فجيج: هل تدفع المغرب إلى المطالبة بالصحراء الشرقية؟ 2/2

ليسَ جديداً على الجزائر أن تتجه إلى المدنيين للانتقام من سياسات المغرب الخارجية. قبل ذلك، وسنة 1975، نهجت  الجزائر سياسةً أكثر فظاعة ، حيثُ هجّرت 350 ألف مغربي وشرّدتهم، في إطار ما أسماه العسكر الجزائري بـ “المسيرة الكحلا”، كرد على المسيرة الخضراء التي استعاد بها المغرب صحراءه…

في الجزء الأوّل من هذا الملف، رأينا أنّ خطوة السلطات الجزائرية في مطالبة فلاحي فجيج بإخلاء منطقة “العرجة”، تستمد غموضها من اتفاقية 1972، وكذلك من غياب تواصل الدولة المغربية في هذا الخصوص.

في هذا الجزء الثاني، نرصد إمكانية اعتبار هذه الخطوة فرصةً لمطالبة المغرب بالصحراء الشرقية، بناءً على تحليل الأستاذ الباحث في التاريخ مصطفى بوهندي.

في بلاغ صدر عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبر فرعه بفكيك، قال إن “الدولة المغربية لم تكن واضحة مع ساكنة أهل فكيك والمغاربة ككل بخصوص ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر حيث بقيت خاضعة للتقلبات السياسية بين البلدين”، مشيرا إلى أن “القرار المبرم بين السلطتين المغربية والجزائرية لا ندري على أي اتفاقية يستند، علما أن اتفاقيه 1972 إن كانت هي المعتمدة في أصلها غير واضحة المعالم الحدودية بتاتا”.

البلاغ أشار أيضا إلى أن “الدولة المغربية غررت بسكان وفلاحي واحة فكيك وورطتهم، إذ تركتهم يستثمرون لسنين في أراض قد تنتزع منهم في أية لحظة كما هو الحال الآن”.

الأراضي المعنية، حسب البلاغ، والتي استثمر فيها عدد من الفلاحين من قصر أولاد سليمان لسنين مضت، تقعُ في ملكية أصحابها بعقود ووثائق ثابتة ورسمية.

فجيج: نافذةُ الصحراء الشّرقية!

في حديثه مع مرايانا، يعتبر مصطفى بوهندي، الباحث في التاريخ، أنّ هذه القضية ذاتُ إشكال قانوني أولاً، فالمواطنون في أي بلد يلتزمون بالقوانين المنظّمة للعلاقات الاجتماعية. في المغرب، مثلاً، نخضع للقوانين المغربية والجزائريون يخضعون لقوانين جزائرية، وهكذا دواليك!

بالتالي، حسب بوهندي، فالمواطنون الذين يزرعون في مناطق العرجة، إذا لم تكن لديهم وثائق تثبت الملكية، فالمنطقة تعتبر جزائرية حسب الخريطة التي ترسُم الحدود بين البلدين، حتى لو كانت في الواقع أراضي مغربية تاريخياً.

أمّا بالنسبة  للفلاحين الذين يتوفرون على وثائق، فيبقى المطروح فقط، هو كيفية تعامل السلطة معهم، على سبيل المثال، عن طريق الشراء أو البيع أو الحلول الطبيعية الممكنة؛ فالأراضي موثقة وهي حقّ لأصاحبها، ولا ينبغي أن يضيع هذا الحق مبدئياً، سواء في الإطار الوطني أو الدولي.

لذلكَ، فالفلاحون المتوفرون على عقود ملكية، حاولوا إثبات ملكيتهم لهذه الأراضي بوثائق في حوزتهم، تحمل مرجعيات مغربية، وثائق عدلية تعود لـ1914، وآخر وثيقة مسجلة سنة 1934 ببوعرفة، وفق ما أفاده مواطن من فجيج في شريط يوثق المسيرات الاحتجاجية بالمنطقة…

الواضح أنّ هذه الوثائق لا يوجد بها أي ذكر للسّلطة الجزائرية، لأنها أصلا لم تكن موجودة قبل استقلال الجزائر أو ما أصبح دولة جزائرية بعد 1962.

يتعلّق الأمر إذن بقضية جماعية، لذلك فالدولة المغربية ينبغي أن تتدخل لكي تضمن الحقوق لأصحابها، لا أن تتركهم يواجهون تهميش الوطن من جهة، وتحرّش الجزائر من جهة أخرى.

بوهندي يرى أنّ هذه الخطوة بمثابة رد كيدي، لأن الجزائر خسرت المعركة ديبلوماسياً، وتبحث عن سبل لتحقيق انتصارات كيفما كانت. لهذا، ذهبت لفلاحين عاديين يستغلون تلك الأراضي منذ قرون، حتى قبل ترسيم الحدود.

ما تقوم به الجزائر اليوم هو، في النهاية، خطأ يمكن أن يدفع المغرب إلى طرح قضية الصحراء الشرقية على هيئة الأمم المتحدة، لأن هناك وثائقا تثبت مغربية تلك المناطق، وأنّ الحدود بالفعل مستعمرة، يقول بوهندي.

وفق الباحث في التاريخ، فإنّ المغرب له ما يكفي للرد بالمثل،  لأن هناك أيضاً جزائريون فوق أراضي مغربية يمكنه مطالبتهم  بإخلائها. هؤلاء الجزائريون يستغلون ما يوفره المغرب من إمكانيات في المناطق الحدودية نواحي بشار وتندوف وفكيك المغربية.

في الجهة الجزائرية، ليس هناك غير القفر والحر والجفاف، بينما في الناحية المغربية نجد الجبال والماء… ، مثل السد المغربي الموجود نواحي بشار. تلك المناطق تستفيد من مياه المغرب، وكان بإمكان المغرب أن يقطع الماء عليها، لكنّه لم يفعل!

يبدو أن المغرب له، أيضاً، وسائل ضغط يمكن أن يشهرها في وجه الجزائر، بيد أنّ الدبلوماسية المَغربية لم تفصح عن أية نية في الرد بالمثل على نظام العسكر الجزائري، ومن الوارد أن المغرب سيَفتح هذا الملف قريباً…

فكيك… “المسيرة السّوداء”!

هذا التّحرك الجزائري هو في النهاية، رد فعل مباشر على النجاحات التي حققها المغرب في ملف القضايا المفتعلة بسبب الصحراء المغربية.

ليسَ جديداً على الجزائر أن تتجه إلى المدنيين للانتقام من سياسات المغرب الخارجية. قبل ذلك، وسنة 1975، نهجت  الجزائر سياسةً أكثر فظاعة ، حيثُ هجّرت 350 ألف مغربي وشرّدتهم، في إطار ما أسماه العسكر الجزائري بـ “المسيرة الكحلا”، كرد على المسيرة الخضراء التي استعاد بها المغرب صحراءه.

الحقيقة أنّ هذا لم يكن سوى رقماً رسمياً، أمّا العدد الحقيقي فهو طرد 500 ألف مغربي “شرّدوهم وسرقوا أراضيهم وأملاكهم ومحاصيل فلاحتهم. هؤلاء كانوا يعيشون في الجزائر أصلاً، لأن آباءهم تطوّعوا وذهبوا لمساعدة المقاومة الجزائرية في حربها التحريرية”.

طُرِدوا بشكل شنيع، حيث منهم من أخرج بملابس نومه وحُمّلوا غصباً في شاحِنات. لهذا… ليس غريباً أن يتمّ التوجه إلى منطقة العرجة ومطالبة الساكنة بالرّحيل وتقديم مهلة لذلك… نظام عسكري ارتكب هذه الجريمة سنة 1975، يمكن أن تتوقّع منه أي شيء، يقُول بوهندي.

ويختم المتحدّث بأنّه إذا استمرّت الجزائر في هذه السياسة، وأخلت منطقة العرجة، فستكون هي الخاسر، لأن منطقة العرجة منطقة صغيرة ومرتبطة بالعرجات الكبيرة، والإنتاجات الفلاحية لن تبقى على حالها إن هي انتقلت من أيادٍ مغربية دأبت على استغلالها منذ قرون وعقود.

لكن… ستبقى الدّولة المغربية مطالَبة بتسوية وضع هؤلاء الفلاّحين باعتبارهم مواطنين مغاربة، وأن تسهر على أن لا تضيع حقوقهم… في كلّ الأحوال!

ما بعد فجيج… هل الحرب في الأفق؟

يستعبدُ المحللون إمكانية انزلاق المنطقة إلى حرب نتيجة التحرّشات المتوالية للجزائر… لكن…

الباحثون رجّحوا إمكانية لجوء المغرب إلى تعويض هؤلاء الفلاّحين بأماكن رعي وزراعة أخرى، تفادياً للتصعيد إزاء الجارة الشّرقية الجزائر، التي تمرّ بمرحلة عصيبة بفعل تنامي الحِراك من جديد، وتسعى إلى تصدير النّزاع وفتح جبهة مع المغرب للتأثير على الرأي العام المحلي، وهو الأمر الذي يبدو أنّ المغرب يتفاداهُ منذ مدّة.

لا يفنّد تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، صوابية هذا التحليل وفق ما أوضحه لـ”مرايانا”، معتبراً أنّ نية النظام العسكري في الجزائر منذ زمان هي إدخال المنطقة في حرب. الرئيس تبون عبر مراراً على أن للجزائر عدوا كلاسيكيا وهو يشير للمغرب. فضلاً عن ذلك، فالمؤسسة العسكرية بوأت الجزائر الصدارة من حيثُ استيراد الأسلحة في أفريقيا، وخيار الحرب يمكن أن يكون المنفذ الوحيد الذي قد يفكّ تداعيات الحراك الذي لم يتوقّف إلا بشكل مُؤقّت بسببِ كوفيد 19.

المغرب اليوم يتوفّر كذلك على أسلحة مهمّة، يمكن أن تؤدي إلى تكافؤ، لكن الثمن في النهاية، سيؤديه الشعب الجزائري والمغربي.

يتّضح أن المغرب، وفق منتقدين، يتحمّل بدوره المسؤولية، لأنّه بقي صامتاً، بل أصبح غامضاً في سياساته الخارجية في الآونة الأخيرة، ويقاس الأمر بقطع العلاقات مع ألمانيا دون توضيح الدوافع الحقيقية لذلك، واليوم يختار الصّمت أمام أزمة توغل الجزائريين لطرد الفلاحين من منطقة العرجة.

في النهاية، تصر الجزائر على تصدير أزماتها إلى الخارج، واستقرت وجهة “التحرّش” على المغرب… هذا الأخير ما فتئ ينهج سياسة الرّجل الصامت، الذي لا يفشي “الأخبار” لا لشعبه ولا لغريمه!

مواضيع قد تهمّك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *