×
×

البوليساريو… من حركة تحررية إلى انفصالية: كواليس الاتفاق المغربي الموريتاني على تقسيم الصحراء

لم يكن التقارب الثلاثي، ليدرأ سحب الخلافات بين الدول المغاربية الثلاثة، سواء بين المغرب والجزائر من جهة، أو المغرب وموريتانيا من جهة أخرى، وهو ما تطلب مجهودا من المغرب لتذليل هذه الصعوبات إلى أن تمكن من عقد اتفاق لتقسيم الصحراء مع موريتانيا كخطوة أولية

توقفنا في الجزء السابق من هذا الملف عند التقارب الثلاثي بين المغرب والجزائر وموريتانيا. نواصل في هذا الجزء التطرق لبعض الصعوبات التي واجهت المغرب وموريتانيا، إلى أن تم إقرار اتفاق تقسيم الصحراء بين البلدين.

تجدر الإشارة إلى أننا اعتمدنا في الأساس على مذكرات الرئيس الموريتاني المختار ولد داده التي، وإن كانت تنقل وجهة نظر موريتانيا أساسا، فإنها تشكل وثيقة تاريخية مهمة، باعتبار أن صاحبها كان طرفا أساسيا في صنع الأحداث، ولتسليطها الضوء على كثير من الخفايا.

تقارب مملوء بالحذر

لم تلبث المشاكل أن بدأت تظهر بين التحالف الثلاثي، سواء بين المغرب وموريتانيا، أو المغرب والجزائر؛ وإن احتدمت بين هذين الأخيرين، حيث توالت الاصطدامات خلال اجتماعات لجنة التنسيق التي كانت مؤلفة من وزراء خارجية الدول الثلاثة.

كانت هذه اللجنة تعقد اجتماعاتها بشكل دوري في كل من العواصم الثلاث، كما كانت تعقد اجتماعات على هامش اللقاءات والمؤتمرات الدولية. لكن التنافس الجزائري المغربي بالخصوص كان واضحا، وتسبب في شل أعمالها وأفقدها أية فعالية. بل، حسب شهادة المختار ولد داده، فكثيرا ما تحولت اللقاءات إلى مشادات كلامية، أصبحت أحيانا صاخبة وعنيفة لتنعقد اخر دورة سنة 1974، وينتهي معها مشروع التقارب.

تأجيل التوتر

لم يكن لقاء نواذيبو إنهاء للتوتر أو للأزمات بين أطرافه، بل كان في الواقع مجرد تأجيل لها. قبيل المؤتمر، وبالضبط في 8 يونيو 1970، خلال انعقاد اللقاء بين الملك الحسن الثاني والرئيس الموريتاني المختار ولد داداه، تم التطرق لمشكل الصحراء، ويبدو أن الملك الحسن الثاني لم يكن مصدقا لجدية المطالبات الموريتانية بالصحراء المغربية (التي كانت آنذاك تسمى إسبانية بحكم الاحتلال)، ويعتقد أنها لا تعدو أن تكون وسيلة ضغط على المغرب من أجل الاعتراف باستقلال موريتانيا،

بحسب ما يروي ولد داده، فقد قال الحسن الثاني له خلال اللقاء بينهما: “الآن وقد تحقق هذا الاعتراف بشروطكم، أعتقد أنكم لن تتخلوا عن مطالبكم فحسب، بل إنكم كذلك ستساعدوننا في طرد المستعمرين الإسبان من أرضنا”.

كان جواب الرئيس الموريتاني على خلاف ما توقعه الحسن الثاني، حيث قال إن موريتانيا تعتبر الصحراء جزء لا يتجزأ منها، وإن الاستعمار قسم موريتانيا إلى صحراء فرنسية، وصحراء إسبانية؛ وهو ما أثار حفيظة الحسن الثاني، لكنه اكتفى بالقول: “إذا شئتم ألا نتحدث الآن إلا عن تحرير هذه الأراضي، على أن نتطرق فيما بعد إلى مصيرها”، وهو ما وافق عليه ولد داده.

السير نحو اتفاق التقسيم

بعد توقيع معاهدة التضامن والتعاون وحسن الجوار 8 يونيو 1970، أسر الملك الحسن الثاني لولد داده بعدم ثقته في هواري بومدين، وقد توالت اللقاءات بين ولد داده والحسن الثاني، واستقبل الأخير عائلة الرئيس الموريتاني في مقر إقامته بافران والدارالبيضاء، كما طلب منه المساعدة على التنسيق والاعداد للقمة الافريقية التي كانت ستنعقد بالرباط سنة 1972.

خلال مؤتمر القمة الافريقية لسنة 1972، توالت اللقاءات بين الزعماء الثلاثة، واقترح ولد داده على الحسن الثاني توقيع اتفاقية ترسيم الحدود مع الجزائر، رغم أن المناخ المغربي لم يكن يسمح، والمعارضة المغربية، وفي مقدمتها علال الفاسي، كانوا قد شنوا حملة على الحسن الثاني بسبب اعترافه باستقلال موريتانيا واستضافة رئيسها.

تم التوصل خلال القمة إلى اتفاق ثنائي بين الجزائر والمغرب حول المصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين. استغل الرئيس الموريتاني الوضع ليطرح مسألة الصحراء على الملك الحسن الثاني في اجتماع جمعهما إضافة إلى الرئيس الجزائري الهواري بومدين.

بحسب ما ينقل الرئيس الموريتاني، فقد كان رد الملك الحسن الثاني واضحا حيث قال: “إنني، باعترافي بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، وبتنازلي عن منطقة تندوف لصالح الجزائر، قد قدمت أقصى ما يمكن من تنازلات؛ لا لأتمتع بعلاقات طبيعية فحسب، بل وامتيازية مع جارتي المغاربيتين، وتشجيع التعاون النموذجي في المستقبل بين بلداننا الثلاثة، وهو التعاون الذي سيمكننا من التعجيل ببناء مغربنا. وعليكم إذن أن تساعدوني يا سيادة الرئيس”.

انتهى اللقاء بطلب من بومدين بعد أن بدأ النقاش يحتد قليلا، واستأنف في الغد بحضور ولد داداه والحسن الثاني فقط، وانتهى دون نتيجة. لكن، قبيل اختتام المؤتمر، دار لقاء سري بين الزعيمين، وبحسب مذكرات الرئيس الموريتاني، فقد بادر الحسن الثاني ضيفه قائلا: “لقد فكرت كثيرا البارحة في مختلف ما جرى بيننا من محادثات بشأن الصحراء، وأنا واقعي، ولدي اقتراح أريد أن أتقدم به إليكم. فالصحراء الخاضعة للاحتلال الاسباني مؤلفة في الواقع من منطقتين متميزتين إحداهما المنطقة الشمالية التي تسكنها قبائل مغربية، والمنطقة الجنوبية المأهولة من قبل قبائل موريتانية. انطلاقا من هذا الواقع الجغرافي والبشري، أقترح عليكم بصفة عملية تبادلا سريا للغاية لرسائل نعبر فيها عن اتفاقنا بشأن هذه الحقيقة، ثم لنتفق عندما يحين وقت ذلك، على اجتماع لجنة من الفنيين تتمثل مهمتها في تحديد الخط الفاصل بين تينك المنطقتين بأقصى ما يمكن من الدقة”.

وافق الرئيس الموريتاني على عرض الملك الحسن الثاني، وإن كان قد أبدى تحفظه فيما يتعلق بسرية الرسائل، حيث أكد له على ضرورة اطلاعه للجنة الدائمة للمكتب السياسي الوطني على الاتفاق؛ بينما أكد الحسن الثاني له أنه لن يطلع أحدا سوى الجنرال أوفقير الذي وصفه بأنه “مؤتمن سري الذي لا أحتفظ بسر عنه”.

إجراءات سرية

اتفق الزعيمان أن تكون الرسائل مخطوطة، ثم اقترح الحسن الثاني أن تتم طباعة الرسائل، وأن يشرف على الأمر ضابط صف “أصم كالصخرة”، وأن يكون مضمون الرسالتين متطابقا لا يميز أيا منهما عن الأخرى سوى اسم وصفة المرسل إليه، وأن تطبع كلتا النسختين في نسخة واحدة، ويتم تبادلهما يدا بيد.

اقترح الرئيس الموريتاني ولد داده على الحسن الثاني إخبار بورقيبة وبومدين بمحتوى الاتفاق، لكنه اقترح أن يتم تنظيم حفل عشاء رباعي للزعماء الأربعة، فيما يتم إخبار بومدين بمحتوى الاتفاق، وهو ما تم وأبدى هذا الأخير موافقته وترحيبه بالاتفاق المغربي الموريتاني على تقسيم الصحراء.

ظل الاتفاق طي الكتمان ردحا من الزمن قبل أن يتم الكشف عنه بعد ذلك، في نفس الوقت الذي بدأ التوتر يدب بين المغرب وموريتانيا، وكانت الأزمة تحتد بين المغرب والجزائر خاصة في ظل العلاقة المشوبة بالحذر التي كانت بين الهواري بومدين والملك الحسن الثاني، والتي نرصد بعض أوجهها في مقالات لاحقة.

اقرأ أيضا:

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *