×
×

نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: سيرة النبي مشذبة أم متخيلة؟ 4/4

هل نحن أمام سيرة حقيقية للنبي محمد؟ أم أنها لا تعدو أن تكون صوة تاريخية تشكلت على واقع الصراعات المذهبية بين المسلمين والسياقات التاريخية وتدخلات السلطة السياسية والفقهية أيضا؟ خاصة مع تناقض الصورة المنقولة في كتب التاريخ فيما بينها، وتضارب الروايات التاريخية بشكل يجعل من الصعب استجلاء الصورة الحقيقية وسطها؟

توقفنا في الجزء الثالث من هذا الملف عند إشكالية تدوين سيرة النبي، وكيف أنها لم تكتب إلا بعد قرنين من الزمان على وفاته…

هذا الجزء الرابع والأخير، نخصصه للتشذيب الذي تعرضت له سيرة النبي من طرف ابن هشام، الذي يعتبر المصدر الأصلي لسيرة النبي.

هل نحن أمام سيرة حقيقية للنبي محمد؟ أم أنها لا تعدو أن تكون صوة تاريخية تشكلت على واقع الصراعات المذهبية بين المسلمين والسياقات التاريخية وتدخلات السلطة السياسية والفقهية أيضا؟ خاصة مع تناقض الصورة المنقولة في كتب التاريخ فيما بينها، وتضارب الروايات التاريخية بشكل يجعل من الصعب استجلاء الصورة الحقيقية وسطها؟

بغض النظر عما يطرحه تأخر كتابة سيرة النبي من أسئلة قلقة، بل وإشكالية، فإن المثير هو أن ابن هشام يعترف بصريح العبارة في مقدمة كتابه، أنه بتر أجزاء كثيرة من سيرة ابن إسحاق، إذ ورد في مقدمة سيرة ابن هشام: “قال ابن هشام : وأنا إن شاء الله مبتدئ هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم، ومن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ولده، وأولادهم لأصلابهم الأول فالأول، من إسماعيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما يعرض من حديثهم، وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل، على هذه الجهة للاختصار، إلى حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارك بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب، مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ذكر، ولا نزل فيه من القرآن شيء، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب، ولا تفسيرا له، ولا شاهدا عليه، لما ذكرت من الاختصار، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها، يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته ومستقص إن شاء الله تعالى ما سوى ذلك منه بمبلغ الرواية له، والعلم به”.

يستوقفنا كلام ابن هشام، أو الأصح، اعترافه بأنه لم ينقل كل ما تركه ابن إسحاق، والأهم من هذا، اعترافه الصريح أن سيرة ابن إسحاق –الأقرب لزمن النبي- لا تعكس الصورة الحقيقية للنبي محمد، بل إنها تتضمن “ما يشنع الحديث به ويسوء الناس ذكره”، وهذا ما يجعلنا نتساءل:

هل لفق ابن إسحاق أفعالا مسيئة للنبي؟ أم أنه ثمة حقائق ارتأى ابن هشام بحكم السياقات التاريخية خطورة ايرادها؟ هل يمكننا الوثوق بصورة شرع المسلمون في تجميعها بعد قرنين على وفاة النبي؟ وكيف لم يتنبه المسلمون إلى أهمية تدوين سيرة النبي المؤسس للتاريخ وللحضارة الإسلامية، رغم حضوره الرمزي والمادي الدائم؟ هل يمكن أن نطمئن إلى روايات شفوية جمعت بأمر من الدولة العباسية التي جاءت بعد حوالي قرن ونصف من وفاة النبي، وبنت شرعيتها على انحدارها من نسل النبي؟ وهل يمكننا، والحال هذه، الاطمئنان إلى الروايات الواردة إلينا رغم أن ابن هشام، ناقل السيرة الأولى والمرجع لما جاء بعدها، انتقده هو وأساتذته العديد من الفقهاء وطعنوا فيه، وكان رجلا مجهولا قبل أن يطلع عليهم بسيرته كما اتهم بالكذب مرارا؟

إنه أحد مظاهر شقاء الوعي التاريخي الإسلامي بل وزيفه، الذي رسخته الحركات الأصولية، مساهمة بذلك في حالة النكوص الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات. نكوص جعلها تدخل في حلقة مفرغة، يستلزم الخروج منها القدرة على هدم التصورات اليوثوبية التي شكلتها المجتمعات الإسلامية عن تاريخها، وفتح الباب أمام القراءات النقدية للتاريخ والتراث ككل، والنظر إليهما كتراكم تاريخي بشري. مسار لا يتم إلا عبر الفصل بين المقدس والتاريخي…

بالتالي… هل نحن أمام سيرة حقيقية للنبي محمد؟ أم أنها لا تعدو أن تكون صوة تاريخية تشكلت على واقع الصراعات المذهبية بين المسلمين والسياقات التاريخية وتدخلات السلطة السياسية والفقهية أيضا؟ خاصة مع تناقض الصورة المنقولة في كتب التاريخ فيما بينها، وتضارب الروايات التاريخية بشكل يجعل من الصعب استجلاء الصورة الحقيقية وسطها؟

من هنا… نخلص إلى أن تصور التاريخ الإسلامي لدى المجتمعات الإسلامية حاليا، لم يتحقق إلا على صعيد التصور والوجدان، وأنه انعكاس لحاجات نفسية وتعبير عن تصورات سياسية تحاول تعويض نقص حضاري نتج عن غياب مشروع حقيقي، أكثر ما يكون سردا لوقائع حقيقية. إن تأمل المصادر التاريخية الإسلامية نفسها، يضعنا أمام هول المفارقة بين ما يتصوره المسلمون عن تاريخهم، وبين ما يوجد بين دفتي أمهات كتبهم، وبين ما يمكن أن يكون قد حدث فعلا، وبين ما نستشفه من بين السطور… وما احتفظت به الذاكرة الإسلامية الجريحة من تداعيات الفتنة الكبرى وانهيار النموذج الإسلامي إثر قتال الصحابة.

إنه أحد مظاهر شقاء الوعي التاريخي الإسلامي بل وزيفه، الذي رسخته الحركات الأصولية، مساهمة بذلك في حالة النكوص الحضاري الذي تعانيه هذه المجتمعات. نكوص جعلها تدخل في حلقة مفرغة، يستلزم الخروج منها القدرة على هدم التصورات اليوثوبية التي شكلتها المجتمعات الإسلامية عن تاريخها، وفتح الباب أمام القراءات النقدية للتاريخ والتراث ككل، والنظر إليهما كتراكم تاريخي بشري. مسار لا يتم إلا عبر الفصل بين المقدس والتاريخي…

باختصار، نحتاج لإعادة تشكيل الوعي التاريخي للمجتمعات الإسلامية بعيدا عن القداسة وقريبا من الواقع والتاريخ.

كلام على الهامش وفي السياق: لم يسلم العقل الغربي ووعيه بدوره من عمليات تغييب الوعي التاريخي، بل عرف ما هو أشد وأخطر، كما أشرنا لجزء من ذلك في مقالنا حول الزمن الشبحي الذي غيب ثلاثة قرون من التاريخ… ولنا عنده وقفات أخرى مقبلة.

لقراءة الجزء الأول: نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: الوعي التاريخي الإسلامي الشقي والمزيف 1/4

لقراءة الجزء الثاني: نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: التاريخ بين الرواية والايديولوجية 2/4

مقالات قد تهمك

تاريخنا… بين الحكي والأركيولوجيا

هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كولمبوس؟

تاريخنا المجهول: مدينة البصرة المغربية… قصة ثاني عاصمة للأدارسة (صور)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *