×
×

نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: الوعي التاريخي الإسلامي الشقي والمزيف 1/4

يقف المتتبع لتاريخ المجتمعات الإسلامية على مدى سطوة التاريخ وحضوره الكبير في حاضر ومستقبل هذه المجتمعات، التي تقوم بعملية إسقاط لـ”ماضيها” على الحاضر والمستقبل، لتدخل بذلك في حلقة مفرغة، تنظر من خلالها إلى مستقبلها انطلاقا من تاريخها. بذلك، يصبح الأول مجرد تجلٍّ للثاني.
في هذا الملف مرايانا تسلط الضوء على أبرز مظاهر شقاء الوعي التاريخي الإسلامي، وترصد بعضا من تناقضاته.

في كتابه “ثقافتنا في ضوء التاريخ”، أشار عبد الله العروي إلى أن “النقاش الملتهب الجاري حاليا في العالم العربي حول القديم والحديث، حول التراث والمعاصرة، حول المادية والمثالية… هو في العمق نقاش حول مفهوم التاريخ. لذا، لا شيء أهم بالنسبة لنا من الاطلاع على ابستمولوجيا التاريخ.”(ثقافتنا في ضوء التاريخ، ص 24).

هذا الوضع اشتدت وطأته وزادت حدة أزمته مع ظهور الحركات الأصولية وتناميها، إذ أنها شيدت بناءها النظري وأطروحاتها السياسية على تصور مثالي للتاريخ، ساحبة إياه على المستقبل، دونما استحضار لتحول السياقات التاريخية، ليصبح المستقبل يوثوبيا مشكلا على ضوء تخيل ماض مثالي.

ينبع كلام عبد الله العروي من تأمل عميق لهذه المجتمعات، إذ، يقف المتتبع لتاريخ المجتمعات الإسلامية على مدى سطوة التاريخ وحضوره الكبير في حاضر ومستقبل هذه المجتمعات، التي تقوم بعملية إسقاط لـ”ماضيها” على الحاضر والمستقبل، لتدخل بذلك في حلقة مفرغة، تنظر من خلالها إلى مستقبلها انطلاقا من تاريخها. بذلك، يصبح الأول مجرد تجلٍّ للثاني.

هذا الأمر جعلها تسير عكس مدار التاريخ، معاكسة للمسار البشري ككل، الذي يفترض أن يكون المستقبل فيه امتدادا للحاضر، الذي يشكل بدوره امتدادا للماضي. لكن معظم المجتمعات الإسلامية اتخذت مسارا نكوصيا، جعلها تنظر بعين الماضي الى الحاضر والمستقبل.

للتدليل على هذا، نسوق نموذج الكاتب ماجد عرسان الكيلاني في كتابه “هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس”، حيث يقول في مقدمة كتابه، وهو يوضح لمن يوجه هذا الكتاب: “للمؤرخين والقائمين على دوائر الثقافة والإعلام والفنون ليستلهموا سنة الله في تزكية المجتمعات من التلوث الفكري وتطبيقاته الاجتماعية والفكرية والفنية، وخطورة تدسية (إفساد) الحياة بهذه الملوثات، ومصائر المجتمعات التي تشيع فيها، والسدنة القائمة على تسويقها وإشاعتها”؛ ثم يعود ليضيف في مقدمته في فقرة أخرى “إن هذا الكتاب دعوة إلى إعادة قراءة تاريخنا واستلهام نماذجه الناجحة، ودعوة إلى فقه سنن التغيير وكيف أنّ ظاهرة صلاح الدين ليست ظاهرة بطولة فرديّة خارقة، ولكنها خاتمة ونهاية ونتيجة مقدّرة لعوامل التجديد ولجهود الأمة المجتهدة، وهي ثمرة مئة عام من محاولات التجديد والإصلاح، وبذلك فهي نموذج قابل للتكرار في كل العصور”.

هذا الوضع اشتدت وطأته وزادت حدة أزمته مع ظهور الحركات الأصولية وتناميها، إذ أنها شيدت بناءها النظري وأطروحاتها السياسية على تصور مثالي للتاريخ، ساحبة إياه على المستقبل، دونما استحضار لتحول السياقات التاريخية، ليصبح المستقبل يوثوبيا مشكلا على ضوء تخيل ماض مثالي.

يقف المتأمل للنموذج التاريخي المشيد من طرف هذه الحركات على عدد من المفارقات، تجعلنا نخلص إلى أن التاريخ، كما تستحضره الحركات الأصولية، وكما أصبح يحضر في وجدان المجتمعات الإسلامية، لا يعدو أن يكون في عمقه تغييبا للوعي التاريخي، وتشييدا لبناءات مثالية لم تتحقق على صعيد الواقع، بل على صعيد الوجدان فقط.

يقول محمد قطب في مقدمة كتابه “كيف نكتب التاريخ الإسلامي”: “إذا قلنا إن التاريخ البشري-خارج نطاق الأمة الإسلامية- ينبغي أن تعاد كتابته من زاوية الرصد الإسلامية التي تقيس الإنجاز البشري بالمعيار الرباني، أي بمدى تحقيق الإنسان لغاية وجوده التي خلقه الله من أجلها، وهي عبادته وحده سبحانه بالمعنى الشامل للعبادة، الذي يشمل الاعتقاد بوحدانية الله، وتوجيه الشعائر التعبدية له وحده دون شريك، والتقيد بتعليماته في تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض (أي تطبيق الشريعة الربانية)، وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني …

إذا قلنا هذا بالنسبة للتاريخ البشري، فلإنه يقدم لنا من زوايا تختلف اختلافا جذريا عن زاوية الرصد الإسلامية، من حيث رؤيتها للإنسان، وطبيعة تكوينه، وغاية وجوده، ومدى إمكاناته، ومعيار إنجازاته، فلزم أن نعيد كتابته ليتناسق مع الرؤية الإسلامية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فتكون لنا وحدة في التصور تتناسب مع كوننا مسلمين”.

هكذا إذن، يصبح الإسلام هو الإطار المرجعي الذي يجب أن يؤطر التاريخ البشري، والذي يجب أن يتم الاحتكام له، وبالتالي، لا يصبح فهم التطور البشري هو الغاية، بل يصبح الأمر تقييما وحكما على سيرورة التاريخ الإنساني.

يقف المتأمل للنموذج التاريخي المشيد من طرف هذه الحركات على عدد من المفارقات، تجعلنا نخلص إلى أن التاريخ، كما تستحضره الحركات الأصولية، وكما أصبح يحضر في وجدان المجتمعات الإسلامية، لا يعدو أن يكون في عمقه تغييبا للوعي التاريخي، وتشييدا لبناءات مثالية لم تتحقق على صعيد الواقع، بل على صعيد الوجدان فقط.

يجد كلامنا هذا مشروعيته من خلال تأمل التمثل السائد للتاريخ، والذي يتعاطى معه كأحداث متعالية على الواقع الإنساني بكل صراعاته، إذ يمتزج فيه المقدس بالتاريخي والديني بالدنيوي. لكن هذه الصورة سرعان ما تصطدم بعدد من الحقائق والوقائع التاريخية الموجودة في أمهات الكتب الإسلامية، فتصبح أفضل وسيلة للدفاع عن الذات الجريحة هي الهجوم، ويصبح كل من يعيد تركيب الأحداث التاريخية، خارج المنطق المتعالي والتبجيلي، متآمرا، مستهدفا الأمة، وهي عملية هجوم يراد منها الدفاع بالأساس.

من ذلك مثلا تهمة الاستشراق والسير على منوال المستشرقين، التي أصبحت هي التهمة الرائجة في حق كل من يقدم رؤية أو قراءة لا تناسب التصور التقليدي المثالي، والذي يرجع حسب محمد قطب، مثلا، إلى هدف واضح بالنسبة له “هو قتل روح الاعتزاز بالإسلام والتاريخ الإسلامي في نفس القارئ المسلم، وتحويل هذا الاعتزاز إلى نوع من النفور والامتعاض، يؤدي بالقارئ في النهاية أن ينفض يده من هذا التاريخ وأصحابه، وأن يصرف النظر عن محاولة استئناف هذا التاريخ من جديد”.

في الجزء الثاني، نسلط الضوء على أبرز ملامح تشظي الوعي التاريخي في المجتمعات الإسلامية، ومظاهره وإشكاليته.

لقراءة الجزء الثاني: نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: التاريخ بين الرواية والايديولوجية 2/4

لقراءة الجزء الثالث: نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: النبي المؤسس: سيرة لم تكتب 3/4

لقراءة الجزء الرابع: نحو إعادة تشكيل الوعي التاريخي: سيرة النبي مشذبة أم متخيلة؟ 4/4

مقالات قد تهمك:

إبراهيم… بين الميثولوجيا الدينية وعلم التاريخ 3/2

“الفتوحات” العربية في روايات المغلوبين: نحو إعادة تقييم التاريخ العربي-الإسلامي 7/1

العصر الذهبي للدولة الإسلامية… التاريخ الديني 1/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *