×
×

سلا … جمهورية القراصنة

وصلت درجة قوة القراصنة السلاويين حدا كبيرا، وزرعوا الرعب في أوروبا؛ في نفس الوقت الذي احتفظوا فيه بعلاقات تجارية قوية معهم، حد أن أرسل “دوبريف de Breves”، ممثل فرنسا بالقسطنطينية، إلى لويس الثالث عشر رسالة يتعجب فيها من أن الامراء المسيحيين، “خاصة أولئك الذين يحتمل أن تصلهم الخسارة من هؤلاء المغاربة، لم يفكروا قط في الالتحام والتصدي لإبادة عدوهم المشترك”.

بين سنتي 2003 و2017، صدرت خمسة أجزاء من سلسلة أفلام “قراصنة الكاريبي Pirates of the Caribbean”، وهي سلسلة أفلام حققت أرقاما خيالية، تطرقت في بعض منها لعوالم القراصنة، بغير قليل من الغرائبية التي تتطلبها الحبكة السينمائية.

لكن، في الواقع التاريخي، فإن عوالما قد تكون قريبة من هذه الصورة، شهدتها مدينة سلا، خلال ما يعرف بجمهورية “أبو رقراق” أو جمهورية القراصنة، التي عمرت حوالي نصف قرن.

في هذا المقال، تقتفي مرايانا بعضا من سيرة جمهورية قراصنة ملأ صيتهم الآفاق، وكان مستوطنهم هو… مدينة سلا.

مسلمون من المتوسط إلى المحيط… يرعبون أوروبا

انطلاقا من القرن الخامس عشر، تحول جزء كبير من التجارة العالمية صوب المحيط، لتتحول معها، أيضا، ظاهرة القرصنة التي لم تعد حكرا على البحر المتوسط. لكن المثير أن قرصنة المحيط ظلت حكرا على الأوروبيين، قبل أن يقتحم السلاويون غمار المحيط، ليكونوا بذلك… المسلمين الوحيدين الذين تعاطوا للقرصنة في المحيط الأطلسي، حتى وصلوا لأمريكا وإيسلندا، وغيرها؛ بينما اكتفى قراصنة الجزائر وتونس وطرابلس بالبحر المتوسط.

البداية مع الحرناشيين والهولنديين

تذهب أغلب الدراسات إلى اعتبار طرد الموريسكيين، مثل لحظة فاصلة في تاريخ القرصنة بالمتوسط والمحيط الأطلسي. بين سنتي 1609 و1610، أصدر الملك الاسباني فيليب الثالث أوامره بالطرد الكلي والنهائي لكل المسلمين المقيمين باسبانيا.

أعلن الحرناشيون عن تأسيس جمهورية منفصلة عن الحكم المركزي في المغرب، وأحدثوا نظاما إداريا قوامه ديوان يسير المدينة، كان في البداية يضم 12 عضوا، يجتمعون بالقصر الموجود بالقصبة (مقر الحكم). حمل الرئيس لقب “الأميرال الكبير”، وخلال شهر ماي من كل سنة كان يتم انتخاب قائد للقصر، وآخر لسلا القديمة.

كان المغرب القبلة الأولى للمهجرين من الأندلس، حيث استوطنوا عدة مناطق، كان من أبرزهم سلا وسلا الجديدة (الرباط) التي استوطنها بشكل خاص الحرناشيون، وهم اللاجئون من منطقة هورناتشوس، التي عرفت عمليات اضطهاد كبير من المسيحيين.

سنة 1614، سيحتل الإسبان مدينة المهدية، التي كانت بدورها مستقرا لعدد كبير من القراصنة من مختلف الجنسيات، فما كان من هؤلاء إلا أن نزحوا صوب سلا، وفي مقدمتهم الهولنديون، الذين كانوا قد راكموا خبرة كبيرة في صناعة السفن الصالحة للإبحار في البحر المتوسط أو المحيط الأطلسي.

من راية السلطان إلى الجمهورية

كانت سلا خلال هذه الفترة تابعة للسلطان السعدي، وكان القراصنة يؤدون 10 في المائة من مداخيلهم للسلطان المغربي، وهو ما استمر إلى غاية سنة 1627، عندما حدث تقارب بين الحرناشيين –بالخصوص- والمجاهد العياشي، فأعلن سكان المدينة خلع طاعة السلطان، وطردوا ممثله فيها.

تكونت ثلاث تجمعات هي “القصبة (مقر القيادة)، سلا الجديدة (الرباط)، سلا القديمة”. تقسيم لقبه بعض الباحثين بـ”الجمهوريات الثلاث لأبي رقراق”؛ وإن كانت القصبة قد ظلت بمثابة المقر المركزي للجمهورية، وكانت تحظى بسلطة أكبر. لكن المثير في هذه الجمهورية أو الجمهوريات، ما حفلت به من تعدد لغوي وإثني، ومزيج كان من النادر أن يوجد في مواقع أخرى

أعلن الحرناشيون عن تأسيس جمهورية منفصلة عن الحكم المركزي في المغرب، وأحدثوا نظاما إداريا قوامه ديوان يسير المدينة، كان في البداية يضم 12 عضوا، يجتمعون بالقصر الموجود بالقصبة (مقر الحكم). حمل الرئيس لقب “الأميرال الكبير”، وخلال شهر ماي من كل سنة كان يتم انتخاب قائد للقصر، وآخر لسلا القديمة.

استفرد الحرناشيون بالحكم لوحدهم دون باقي العناصر، وهو ما أثار غضب الآخرين، الذين طالبوا بإشراكهم في الحكم. لكن، أمام تعنت الحرناشيين، اندلعت “حرب أهلية” استمرت لسنة 1630، وانتهت بوساطة إنجليزية، واتفاق تَضمن ثلاثة نقاط:

–         ينتخب الموريسكيون لسلا قائدا يقيم بالقصبة.

–         يتضمن الديوان 16 عضوا منتخبا بعدد متساو من القصبة وسلا الجديدة (الرباط).

–         تتوزع الموارد المتحصلة من القرصنة والجمارك بين القصبة وسلا الجديدة بكامل المساواة.

هكذا، إذن، تكونت ثلاث تجمعات هي “القصبة (مقر القيادة)، سلا الجديدة (الرباط)، سلا القديمة”. تقسيم لقبه بعض الباحثين بـ”الجمهوريات الثلاث لأبي رقراق”؛ وإن كانت القصبة قد ظلت بمثابة المقر المركزي للجمهورية، وكانت تحظى بسلطة أكبر. لكن المثير في هذه الجمهورية أو الجمهوريات، ما حفلت به من تعدد لغوي وإثني، ومزيج كان من النادر أن يوجد في مواقع أخرى.

الجمهورية في مهب الريح

شجعت أحداث 1630 المجاهد العياشي على الرغبة في تملك سلا، فزحف إليها وحاصرها من سنة 1631 إلى 1632، دون أن يتمكن من دخولها، ليرفع عنها الحصار في أكتوبر 1632. من ثم، عرفت المدينة بعض الهدوء النسبي استغله قراصنة المدينة في ممارسة أعمالهم، والتمدد صوب مناطق أخرى.

لكن، ما لبثت المدينة أن عادت مسرحا للصراع بين الحرناشيين (الذين لم تنقطع رغبتهم في الانفراد بحكم المدينة) والموريسكيين سنة 1636، إذ هجم الموريسكيون على القصبة، وطردوا الحرناشيين بصفة نهائية، فلجؤوا إلى الجزائر وتونس.

في نفس الوقت، حاصر الأسطول الإنجليزي مدينة سلا سنة 1637، بينما حاصر العياشي القصبة، ودارت معارك طاحنة، دافع فيها القراصنة عن استقلالية مدينتهم من جهة، وعن ضمان عدم انقطاع قرصنتهم، وتسيدهم للمحيط. في 30 غشت 1637، رفع الإنجليز الحصار عن مدينة سلا.

كان التجار الأوروبيون يقبلون بشكل كبير على سلا، ويتاجرون معها، خاصة من هولندا وانجلترا وفرنسا. وفي الأغلب، كانت تتم هذه العمليات بوساطة تجار يهود. ازدهرت العمليات التجارية بين هذه الدول وجمهورية القراصنة، حتى أن الملك الإنجليزي شارل الأول دعا في تصريح رسمي إلى عدم الضغط على قراصنة الجزائر وتونس وسلا وتطوان، لضرورة استمرار المعاملات التجارية وأهميتها معهم.

استمر حصار العياشي لمدينة سلا. في نفس الوقت، أرسل السلطان المغربي محمد الشيخ الصغير، تجريدة عسكرية بقيادة الفرنسي مورا للسيطرة على القصبة، وهو ما تم له.

أمام المعطى الجديد، سيتوحد من بقي من الحرناشيين مع الموريسكيين من أجل طرد ممثل السلطان السعدي وتحرير القصبة، وهو ما تم فعلا.

من العياشي إلى الدلائي

بعد أن تمكن قراصنة سلا من تحرير المدينة، انشغل المجاهد العياشي بحرب الزواية الدلائية، التي أخذت تزحف من أجل تشكيل إمارة في المغرب. بعد أن تمكنوا من اغتيال العياشي سنة 1641، زحفوا صوب سلا… وبعد صولات وجولات، أصبحت جمهورية بورقراق خاضعة للابن البكر لشيخ الزاوية الدلائية، وحمل اسم “أمير سلا”.

بموجب هذا الخضوع، أصبح لزاما على جميع أعمال القراصنة أن تتم تزكيتها والمصادقة عليها من طرف أمير سلا. أدى الأمر إلى تحالف القراصنة من جديد فيما بينهم، والتنسيق مع الخضر غيلان في حربه ضد الدلائيين سنة 1660.

تمكن الخضر غيلان من دخول المدينة سنة 1664، لكنه لم يتمكن من السيطرة عليها أو ضبط نشاطها، وسرعان ما أخذ غيلان يترنح أمام ضربات الدولة العلوية القائمة آنذاك. في يونيو 1668، تمكن المولى الرشيد من إخضاع جمهورية القراصنة بصفة نهائية، منهيا بذلك سيرة جمهورية زرعت الرعب في العالم.

قراصنة سلا… يفزعون أوروبا

وصلت درجة قوة القراصنة السلاويين حدا كبيرا، وزرعوا الرعب في أوروبا؛ في نفس الوقت الذي احتفظوا فيه بعلاقات تجارية قوية معهم، حد أن أرسل “دوبريف de Breves”، ممثل فرنسا بالقسطنطينية، إلى لويس الثالث عشر رسالة يتعجب فيها من أن الامراء المسيحيين، “خاصة أولئك الذين يحتمل أن تصلهم الخسارة من هؤلاء المغاربة لم يفكروا قط في الالتحام، والتصدي لإبادة عدوهم المشترك”.

كان التجار الأوروبيون يقبلون بشكل كبير على سلا، ويتاجرون معها، خاصة من هولندا وانجلترا، وفرنسا. وفي الأغلب، كانت تتم هذه العمليات بوساطة تجار يهود. ازدهرت العمليات التجارية بين هذه الدول وجمهورية القراصنة، حتى أن الملك الإنجليزي شارل الأول دعا في تصريح رسمي إلى عدم الضغط على قراصنة الجزائر وتونس وسلا وتطوان، لضرورة استمرار المعاملات التجارية وأهميتها معهم.

تشكل جمهورية القراصنة واحدة من أبرز الفترات في تاريخ المغرب، إذ لعبت دورا مهما في التوازنات السياسية الداخلية والخارجية، وقلبت في كثير من الأحيان عددا من التوازنات، لم يتم تسليط الضوء عليها بشكل كاف من طرف الباحثين والمؤرخين.

 

مقالات قد تهمك

مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية (الجزء الأول)

بين الإسلام والمسيحية. من الحسن الوزان… إلى ليون الإفريقي (الجزء الثاني)

ميمونيدس.. مفكر يهودي أم مفكر إسلامي؟

يهود الريف المغربي… حكاية وجود راسخ انتهت بـ”باتوا ولم يصبحوا!” 2/1

لأول مرة، فكرة طرد المورسكيين تطرح في بلاط الملك… 8\10

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *