×
×

الزمن الشبحي: قصة 3 قرون اختفت من التاريخ

كانت نظرية الزمن الشبحي واحدة من أبرز النظريات التاريخية التي وجهت سهامها نحو السردية الغربية للتاريخ، واعتبرت أن الكنيسة ساهمت في تزوير التاريخ وإضافة ثلاثة قرون للتاريخ.
في هذا المقال مرايانا تسلط الضوء على هذه النظرية وأبرز أفكارها

لنتصور فقط، أن نصحو لنكتشف أننا الآن في سنة 1723 وليس 2020، كيف سيكون رد فعلنا؟ لا يتعلق الأمر بأحد أفلام الخيال العلمي، ولا بالسلسة الألمانية الشهيرة DARK، ولكن بفرضية علمية تاريخية، أثارت ولازالت تثير شدا وجذبا بين المختصين، وهي فرضية الزمن الشبحي Phantom time hypothesis…

لنعد للحكاية من أولها.

أصل الحكاية: وثائق مزورة

كانت الوثائق والمخطوطات المنتمية للعصور الوسطى الأوروبية محط نظر ونقد كبيرين من طرف المؤرخين والأركيولوجيين، وكثيرا ما أكدت الدراسات أن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية زورت أو نسبت وثائقا لغير زمانها.

سيستند الثنائي (أوتو وسيلفستر) على ما سبق للإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع أن قام به، إذ عمد إلى إتلاف المخطوطات القديمة، بمبرر التحوّل من الحروف الكبيرة إلى الصغيرة، وبالتالي، صاغت دواوينه تاريخا جديدا.

هذا الأمر كان الدافع لانعقاد مؤتمر تاريخي وأثري كبير في ميونخ سنة 1986، للوقوف على التزوير الذي عرفته وثائق القرون الوسطى. كان من بين الحاضرين للمؤتمر، مؤرخ ألماني اسمه “هيربرت إيليج”.

هذا المؤرخ تحمس كثيرا للموضوع.. بعدها بسنوات… وبينما العالم يستعد لاستقبال الألفية الجديدة، أصدر إيليج كتابه/الصدمة “القرون الوسطى المختلقة”.

مؤامرة صنعت العصور الوسطى وقرون ضائعة !!

أشعل كتاب إيليج نقاشا لم يهدأ للآن، وصدرت عشرات الكتب والدراسات حول فرضيته، تراوحت بين مؤيد ومعارض.

تنص هذه الفرضية على أن الفترة بين 614 إلى 911 م لم تكن في الحقيقة، وأن العصور الوسطى برمتها ليست سوى كذبة مختلقة، والشخصيات التاريخية من شارلمان، إلى ألفريد العظيم مجرد أساطير.

 من المعروف تاريخيا أن أوروبا خلال تلك المرحلة كانت تغوص (حرفيا) في الجهل، وكانت الكتابة والمعرفة أمرا نادرا، وهو الأمر ذاته الذي يسري على معرفة التقويم، إذ لمعرفته، كان من الضروري سؤال قسيس أو كاهن عنه، ولأن البابا سلفستر يبارك عملية التزوير هذه، فقد كان الأمر سهلا.

بحسب هذه الفرضية، فقد تمت إضافة 3 قرون للتاريخ، من خلال مؤامرة دبرت بين الإمبراطور الروماني المقدس “أوتو الثالث” والبابا “سلفستر الثاني” والإمبراطور “قسطنطين السابع”، والذين عاشوا خلال القرن السابع الميلادي، وليس العاشر الميلادي كما تقول السردية الرسمية، لأن الامبراطور أوتو أراد ببساطة، أن يؤرخ حكمه على أنه السنة الألف، ليتلاءم ذلك مع المعتقدات المسيحية السائدة التي كانت تروج لعودة يسوع المخلص في الألفية الثانية.

لكن، كيف أمكن تزوير التقويم؟

الجواب حسب مؤيدي الفرضية، أنه…

من المعروف تاريخيا أن أوروبا خلال تلك المرحلة كانت تغوص (حرفيا) في الجهل، وكانت الكتابة والمعرفة أمرا نادرا، وهو الأمر ذاته الذي يسري على معرفة التقويم، إذ لمعرفته، كان من الضروري سؤال قسيس أو كاهن عنه، ولأن البابا سلفستر يبارك عملية التزوير هذه، فقد كان الأمر سهلا.

حسب ايليغ، ففي هذه المرحلة، سيستند الثنائي (أوتو وسيلفستر) على ما سبق للإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع أن قام به، إذ عمد إلى إتلاف المخطوطات القديمة، بمبرر التحوّل من الحروف الكبيرة إلى الصغيرة، وبالتالي، صاغت دواوينه تاريخا جديدا، سار أوتو الأول ـ الذي كانت أمه أميرة بيزنطية- على منواله واختلق رفقة سلفستر الثاني شخصيات تاريخية كشارلمان وألفريد العظيم وغيرهما من الأشخاص والأحداث…

هكذا… أضيفت 297 سنة للتاريخ.

تقويم مزيف…؟!

استند ايليج ومن معه من القائلين بفرضية الزمن الشبحي إلى مجموعة من الأدلة، فحسب قولهم، لم تتوقف فصول المؤامرة، بل بقيت مستمرة إلى سنة 1582، عندما قام البابا غريغور الثالث عشر بالإصلاح الشهير للتقويم، من خلال تعويض التقويم الجولياني بالتقويم الغريغوري.

في حقيقة الأمر، لم يكن التقويم الغريغوري جديدا، بل مجرد نسخة معدلة من التقويم الجولياني -الذي تم العمل به منذ 45 ق.م، حيث تمت إضافة عشرة أيام للتاريخ، والقفز من 4 أكتوبر 1582 إلى 15 أكتوبر 1582.

كان هذا التعديل ناتجا عن الأخطاء الناجمة عن اعتماد التقويم الجولياني، والذي كان يزيد كل سنة ب 10.8 دقيقة عن السنة السابقة لها، وبتراكم الوقت… تأثرت الاحتفالات المسيحية.

لكن هذا التقويم كان تدليسيا حسب ايليج، الذي خلص إلى أن 1627 سنة التي انقضت منذ بدء التقويم الجولياني، راكمت 13 يوما كفارق، وبحذف 10 أيام سنة 1582 عوضا عن 13 يوما، فقد توقف التقويم حوالي سنة 1282، أين اختفى الباقي إذن؟

حسب ايليغ، ببساطة، ولأنه لم يكن أصلا، فهو… زمن شبحي.

غياب أدلة أثرية

من الأدلة الأخرى التي استند إليها ايليج ومؤيدوه، خصوصا النمساوي نيميتس، غياب أدلة أثرية قوية تعود لتلك الفترة، و”كأن أوروبا خلال هذه الفترة لم تبن كنائس ولم تكتب كتبا، ولم تسك عملات”، لقد اعتمد المؤرخون اعتمادا كاملا على الوثائق المكتوبة فقط، والتي تأكد من خلال دراستها أنها مزورة ومنحولة، تم التلاعب بها من طرف الكنيسة الرومانية الكاثوليكية كما يؤكد على ذلك المؤرخ الألماني “هورست فيرمان”.

كما أشار بعض المؤرخين إلى أن وجود بعض نماذج العمارة الرومانية في غرب أوروبا، خلال فترات تؤرخ بالقرن العاشر، يطرح مشاكل تاريخية وأثرية، إذ يفترض أن هذا الطراز قد توقف في القرن الخامس الميلادي، مما يؤشر حسب نيمتز أن هناك الكثير من الحقب المزيفة.

ردود مضطربة ونقاش متواصل

لم يكن من الممكن أن تمر هذه الفرضية دون أن تترك وقعا في الحياة العلمية، وقد انبرى العديد من العلماء لتفنيدها والرد عليها. لكن ما يلاحظ، أن كثيرا من هذه الردود اعتمدت على مرجعيات دينية، فهناك من استشهد بمجمع نيقية الأول 325، أو بتزامن الأمر مع حياة نبي الإسلام، أو سلالة تانغ الصينية… لكن مؤيدي الفرضية يردون بأن الأمر يخص تاريخ أوروبا بالأساس، وأن تزييف الوثائق سمة ملازمة للتاريخ الكنسي.

استشهد بعض منتقدي الفرضية بعمليات التأريخ العلمي لعدد من المواد الأثرية، التي يفترض انتماؤها لتلك الحقبة. لكن بلوس ونيميتس سجلا وجود عدد من الانحرافات الزمنية في حساب الحلقات الجذعية للأشجار (طريقة دندرو)، أو القياس بواسطة الكربون 14، الذي يتأثر بالعوامل المحيطة… وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليه. كما أن نتائج هذه الأساليب البحثية، غالبا ما تكون خاضعة للاجتهاد والتأويل والخداع أحيانا.

إلى اليوم… لازالت فرضية الزمن الشبحي تخلق نقاشا في الأوساط العلمية، لتنضاف بذلك إلى مجموعة من الفرضيات، التي خلخلت الثوابت والأسس التي بنيت عليها المعرفة التاريخية المعاصرة، والتي ستكون محور ملفات قادمة.

 

إقرأ أيضا:

هذه 5 شخصيات تاريخية شهيرة… مشكوك في وجودها!

عبد الله ابن سبأ: شخصية تاريخية مثيرة للجدل… بين من ينكر وجوده ومن يعزو إليه إثارة الفتنة الكبرى والدعوة إلى التشيع 2/2

تاريخنا المجهول: مدينة البصرة المغربية… قصة ثاني عاصمة للأدارسة (صور)

هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كولمبوس؟

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *