×
×

عندما اعترف مؤسس البوليساريو بمغربية الصحراء…

البحث في سيرة الوالي مصطفى السيد، يقود إلى الوقوف على حقائق أخرى في مسيرته، تخفيها بروباغندا الدعاية الانفصالية.
هذا الملف نحصصه لاستعراض بعض الفقرات من وثيقتين، حررهما الوالي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو، أشهرا قليلة قبل تأسيس الجبهة في 10 ماي 1973، ويعترف فيهما بصريح العبارة بمغربية الصحراء، قبل أن تتطور الأمور وتدخل أطراف دولية وإقليمية على الخط، خصوصا بعد المسيرة الخضراء.

وأنت تتصفح المواقع والكتابات الموالية لأطروحة انفصال الصحراء عن المغرب، يلفت انتباهك تردد اسم “الوالي مصطفى السيد” الذي يلقب بالشهيد تارة، والقائد تارة أخرى، وغيرها من التوصيفات التي تجعلنا نفهم أن الأمر يرتبط بمؤسس جبهة البوليساريو، وأحد أبرز أطره المرجعية، والمعلن عن تأسيس ما يسمى بالجمهورية الصحراوية، قبل أن يسقط قتيلا في معركة مع الجيش الموريتاني.

البحث في سيرة الوالي مصطفى السيد، يقود إلى الوقوف على حقائق أخرى في مسيرته، تخفيها بروباغندا الدعاية الانفصالية.

هذا الملف نخصصه لاستعراض بعض الفقرات من وثيقتين حررهما الوالي مصطفى السيد، مؤسس جبهة البوليساريو، أشهرا قليلة قبل تأسيس الجبهة في 10 ماي 1973، ويعترف فيهما بصريح العبارة بمغربية الصحراء، قبل أن تتطور الأمور وتدخل أطراف دولية وإقليمية على الخط، خصوصا بعد المسيرة الخضراء.

ولد الوالي مصطفى السيد سنة 1948 ببير الحلو. بعدها بعشر سنوات، انتقل إلى طانطان حيث استقر فيها، ومن ثم انتقل إلى مراكش لمتابعة دراسته الثانوية.

سنة 1970، سيلتحق بجامعة محمد الخامس بالرباط لدراسة العلوم السياسية، حيث لمع اسمه إلى جانب عدد من طلبة الصحراء، كعمر الحضرمي، ونشط بشكل كبير داخل صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي كان منظمة طلابية قوية آنذاك.

كانت الجامعة المغربية آنذاك تعرف هيمنة تيارين، هما طلبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، و الحركات الماركسية اللينينة والماوية، خاصة 23 مارس وإلى الامام. في هذا المناخ انصهر الوالي مصطفى السيد، حيث كانت مفاهيم البؤر الثورية سائدة، وحلم تحرير الصحراء ثم الزحف الثوري في اتجاه الشمال المغربي حاضرا بقوة.

الصحراء … فلسطين جديدة !

علاقات الوالي مصطفى السيد بالحركات اليسارية، على اختلاف مشاربها، فتحت له المجال للتعبير عن آرائه بخصوص قضية الصحراء المغربية. هكذا، سينشر مقالا في العدد المزدوج لأنفاس دجنبر 1972 ويناير 1973، تحت عنوان “فلسطين جديدة في أرض الصحراء”، دافع فيها عن تحرير الصحراء المغربية من الاستعمار الإسباني، ولم يطرح فكرة الانفصال. بل إن التعبير عن مغربية الصحراء كان واضحا في أكثر من موضع.

اقرأ أيضا: بوهندي: قضية الصحراء مرتبطة بتسوية الحدود مع الجزائر… ولا حل إلا التعاون بين المغرب والجزائر

بالعودة إلى المقال المنشور في مجلة أنفاس، نجده يورد في الصفحة 67 أثناء حديثه عن بعض مظاهر وجود الاحتلال الاسباني في الصحراء ما نصه: “.. ورغم ذلك، فقد قاوم السكان حتى ذلك الوجود البسيط للاستعمار، وطالبوا بطرد الاسبانيين نهائيا، وحملوا السلاح في وجه إسبانيا بقيادة جيش التحرير المغربي”.

يشير الوالي مصطفى السيد هنا إلى أن حركة المقاومة والتحرير، كانت مرتبطة بجيش التحرير، ومسكونة بهاجس التحرير الشامل للمغرب، وضمن السيادة الترابية للمغرب، وأن الخلاف مع السلطة المغربية كان حول هذه النقطة ضمن السياقات التاريخية التي عرفها المغرب، إذ نجد المصطفى السيد يورد في ذات الصفحة ما نصه: “ومع مجيء استقلال المغرب سنة 56، وقع توقف جيش التحرير المغربي. لكن السكان لم يرضخوا، فطلب منهم المغرب أن ينضموا إلى القوات النظامية، ورفض جزء منهم هذا الطلب باعتبار أن الاستقلال الشامل لم يتحقق، وأنه لابد من استمرار الكفاح ومقاومة الاستعمار، وتجمهروا جنوب طانطان في مكان يدعى “الشبيكة”، وأثر ذلك وزعت عليهم السلطات المغربية منشورات تناشد عواطفهم وولاءها. ولكن السكان تشبتوا بصلابة بمبدأ استمرار المقاومة من أجل تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”.

يؤكد هذا النص بوضوح، أن طبيعة الخلاف بين المغرب وسكان الصحراء كانت حول أسلوب المقاومة وليس رفضا للحكم القائم، وأن رابطة الولاء كانت حاضرة، وأن السكان أعلنوا عن مغربيتهم مرارا.

في هذا السياق، نجده يورد في الصفحة 68: “وحاولت فرنسا سنة 1958 تشكيل جمهورية في الصحراء، تكون عاصمتها تندوف، فرفض الشيوخ على أساس تأكيد الانتماء للمغرب(…) وبعد استقلال الجزائر، بقيت منطقة تندوف بدون تحديد، فأعلن السكان عن مغربية المدينة، ولكن الجزائر تدخلت فأجبرتهم على الاستسلام، ثم عملت على دمجهم في المجتمع الجزائري”.

يعبر هذا المقتطف عن نفسه، بشكل لا يترك المجال لأي تأويل، بخصوص الرابطة التي جمعت سكان الصحراء المغربية بباقي البلاد. بل إن أبرز تنظيم سياسي تأسس بالمنطقة، قبيل تأسيس البوليساريو، والذي حمل اسم “حزب المسلم”، جعل من بين أهدافه، الانضمام للمغرب. وقد أشار الوالي مصطفى السيد إلى هذا في الصفحة 72 حين كتب:

“وحدد الحزب مبادئه الأساسية كما يلي:

1-    تحرير الصحراء من الوجود الاسباني.

2-    الانضمام إلى المملكة المغربية مع الاحتفاظ بحقوق السكان كاملة، لكن التطورات فيما بعد وضعت خلافا شديد الحدة بين قادة الحزب حول هذه المسألة.

3-    طريق التحرير هي الحرب المتاحة المعتمدة على جيش وطني من السكان”.

النقطة الأهم فيما أورده السيد، هي أن طبيعة العلاقة مع المغرب كانت مسألة نقاش بعد التطورات اللاحقة، والمتمثلة بالخصوص في دخول الجزائر وليبيا على الخط. بمعنى أن النقاش كان من جهة مصطنعا لوجود أطرف أخرى، ومرتبطا بالمد الثوري الذي كان سائدا آنذاك، ومناخ الحرب الباردة…

اقرأ أيضا: قيادة الخارج: تندوف، البوليساريو… التيه الكبير 11\12

وهذا ما سيعبر عنه بوضوح أثناء حديثه عن حركات التحرر وضرورة مؤازرتها، إذ قال في الصفحة 76 “وأن الجماهير المغربية على وجه الخصوص وطلائعها، نظرا لطبيعة الممارسات الرجعية البغيضة، وللمواقف الإصلاحية اللفظية، عليها أن تلتزم بمبدأ التضامن الفعال والعملي مع نضال الجماهير الصحراوية، واضعة تلك العلاقة ضمن الترابط التاريخي بين ذلك الدعم النضالي وأهدافها هي في التحرر من الامبريالية والرجعية العملية”.

 

مذكرة لأحزاب الحركة الوطنية بنفس وحدوي

الحديث عن الترابط التاريخي، يُظهر بجلاء طبيعة الفكر الوحدوي لمؤسس البوليساريو، وبأنه لا يمكن النظر إليها خارج الصراعات السياسية التي كان يعرفها المغرب والعالم ككل في سياقات الحرب الباردة. وما ورد في هذه الرسالة لا يمكن اعتباره مجرد سقطة أو مرحلة عابرة عند المؤسس الأول للبوليساريو، بل هي تعبير واضح عن فكره وتصوره للعلاقة مع المغرب، والتي ستظهر بشكل أكثر في المذكرة التي سلمها إلى قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال والشيوعيين المغاربة، في يناير 1973 (حوالي أربعة أشهر قبل تأسيس البوليساريو)، ونشرتها صحيفة “23 مارس” على حلقات انطلاقا من يناير 1973، ثم أعادت جريدة الاختيار الثوري نشرها سنة 1976 على عدة حلقات أيضا.

اقرأ أيضا: التفاصيل الكاملة لانتفاضة 1973، آخر عملية مسلحة في المغرب: تشتت قيادة الخارج (8/12)

لقد كانت طموحات الوالي السيد في هذه المذكرة واضحة تتجه صوب الوحدة ورفض أي انفصال. من بين ما أورده في هذه المذكرة، نجده يشير أثناء تناوله لتاريخ الصحراء، إلى العلاقات الأكيدة بين السلطة في المغرب وسكان الصحراء، فيقول: “… ونتيجة لهذه الهجرة المتعاقبة صوب الصحراء والمعاكسة أحيانا منها إلى المغرب، فقد كانت المنطقة مرتبطة ارتباطا وثيقا في غالب الأحيان بالسلطة القائمة في المغرب. وكثيرا ما كانت تمارس سلطات مركزية من قبل هذه الحكومات على سكان المنطقة. خصوصا في حالات الحروب، فكانت كثير منها تجند سكان المنطقة لنصرتها. ويمكن القول أن المنطقة كانت إقليما مغربيا كسائر الأقاليم المغربية الأخرى”.

لا تحتاج الفقرة السابقة لأي تعليق أو إضافة، فالتنصيص فيها على مغربية الصحراء واضح لا لبس فيها، كما أن الوالي ربطها بباقي الأقاليم المغربية، دون أي تمييز، بل وربط بينهما بشكل عضوي ومصيري، فنجده، عند حديثه عن ما عرف بالأزمة المغربية، يقول: “.. وواكب ذلك ظهور ألمانيا كدولة رأسمالية قوية تريد حقها من الأسواق وخلق امبراطورية تابعة لها. ونتيجة مزاحمتها للدول الاستعمارية السابقة لها، نتجت الأزمة المغربية سنة 1899. فحاولت ألمانيا السيطرة على المغرب بواسطة سيطرتها على الصحراء مهما كان الثمن ولو بالشراء”.

ثم يضيف أثناء حديثه عن مقاومة سكان الصحراء المغربية للاستعمار الاسباني ما نصه: “وأمام هذا الوضع، لم يزدد السكان إلا نفورا من الاستعمار وحقدا عليه ومقاومة له، فبدأ تنسيق العمليات بينهم وبين الحركة في المغرب أي الطرف الذي تسيطر عليه فرنسا”.

يتكرر المعنى الوارد أعلاه في أكثر من فقرة ضمن مذكرة الوالي مصطفى السيد لقادة أحزاب الحركة الوطنية وبصيغ مختلفة، لكنها واضحة ومباشرة في ربطها بين تحرير الصحراء وتحرير المغرب.

هنا يجوز طرح السؤال: كيف سارت الأمور نحو الانفصال؟ وكيف تطور الوالي مصطفى السيد وجبهة البوليساريو إلى حركة انفصالية؟

أسئلة من بين أخرى سنفرد لها ملفات قادمة.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *