×
×

أسماء بن العربي تكتب: الصحراء والبوليساريو والجزائر: يلّا بينا نوضح مغالطات عبد الله الشريف‎

يجب أن نشير إلى أن فرنسا عرضت على المغرب إعادة صحرائه الشرقية إليه مقابل التخلي عن دعم الثورة الجزائرية. لكن المغرب رفض، وفضل أن يناقش الأمر مع قادة الجزائر باعتبار أنهم عاشوا في المغرب. خاصة أن هؤلاء التزموا في مؤتمر طنجة سنة 1958 بتسوية الحدود مع المغرب، كما التزمت الحكومة الجزائرية المؤقتة في إعلان رسمي سنة 1961 بإعادة الأراضي المقتطعة من المغرب إليه.
لكن السلطات الجزائرية ستتنكر لوعودها كما تنكرت لوعودها مع الدولة التونسية، وترفض إعادة الأراضي المقتطعة من البلدين لهما

أسماء بن العربي، مدونة مغربية

نشر اليوتبر المصري المعارض عبد الله الشريف حلقة بعنوان “التطبيع فينا بس ربنا هادينا”، تحدث فيه عن تاريخ المغرب وعن علاقة المغاربة باليهود.

الحلقة، للأسف، عرفت جرائم تاريخية كثيرة؛ والمؤسف هو أن العديد من المغاربة تبنوا طرح الشريف واعتبروه “(التاريخ اللي ماقراوناش)” وأوجعنا.

“يلّا بينا” نوضح بعض الأمور الخاطئة في فيديو الشريف:

تحدث الشريف عن سفارة لإسرائيل في قلب المغرب، وهو خطأ يبدو أنه يراد بيه دغدغة مشاعر المتابعين. كل ماوافق عليه المغرب هو إعادة فتح مكتب الاتصال الذي أغلق بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

الشريف قال متحدثا عن اليهود المغاربة بأنهم فروا إلى المغرب بعد سقوط الأندلس ثم في عهد هلتر؛ واستخلص بأن لايمكن السماح بالتطبيع من أجل مليون يهودي من أصل مغربي في إسرائيل، لأنهم في الأصل ليسوا مغاربة… وهذه مغالطة كبيرة.

كيف يمكننا أن لا نعتبرهم مغاربة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا عن العرب الذين دخلوا المغرب آلاف السنين بعد اليهود ونشروا الإسلام  وحكموا البلاد؟ هل يمكن الآن أن نجرد من مغربيته، كل من له أصل عربي يعود لمئات السنين؟

الصحيح أن اليهود دخلوا إلى المغرب قبل ظهور المسيحية؛ أي تقريبا ألفي سنة قبل الميلاد وتوغلوا في المغرب، خصوصا في مناطق سوس.

بعد دخول الإسلام إلى المغرب، وفي عهد الأدارسة، كان لليهود المغاربة دور مهم وأساسي. بعض النصوص تشير الى أن اليهود كانوا يشرفون على بعض المناجم والصناعات.

كان ارتباط اليهود قويا بالمغرب. تشير بعض الفرضيات إلى أن بعض اليهود، بعد “فتح الأندلس”، هاجروا إلى الأندلس رفقة باقي مكونات المجتمع المغربي.

كيف يمكننا أن لا نعتبرهم مغاربة؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا عن العرب الذين دخلوا المغرب آلاف السنين بعد اليهود ونشروا الإسلام وحكموا البلاد؟ هل يمكن الآن أن نجرد من مغربيته، كل ذي أصل عربي يعود لمئات السنين؟

ذكر عبد الله الشريف أن اسبانيا قامت باستعمار سبتة سنة 1492 وبعدها بخمس سنوات سيطرت على مليلية (1497).

الصحيح أن سبتة كان لها وضع خاص في تاريخ المغرب، حيث تجاذبتها عدة قوى. لكنها دخلت في حكم المرابطين والموحدين. وبعد انهيار الإمبراطورية الموحدية، وبعد مخاضات عديدة، تمكنت البرتغال من السيطرة على مدينة سبتة سنة 1415، أي قبل التاريخ الذي يذكره الشريف بـ 77 سنة، وظلت سبتة تحت الحكم البرتغالي إلى غاية سنة 1580 عندما قامت إسبانيا بضم البرتغال في مملكة واحدة، حيث انتقلت سبتة للحكم الإسباني.

استمر ذلك إلى غاية سنة 1640، عندما انفصلت البرتغال من جديد عن إسبانيا وطالبت باسترجاع سبتة. دام الخلاف بين اسبانيا والبرتغال 28 سنة، إلى أن اتفقا سنة 1668 على أن تبقى المدينة تحت السيادة الإسبانية.

الصحراء لم تكن أرضا قاحلة، فمحكمة العدل الدولية لاهاي أكدت بأن الصحراء لم تكن أرضا خلاء بل سكنتها قبائل ارتبطت بالبيعة مع سلاطين المغرب

أما مليلية، فقد قام الإسبان باحتلالها سنة 1497 بعد خمس سنوات من التخطيط وجس النبض. وجدير بالذكر أن هذا الاحتلال عرف معارضة برتغالية قبل أن توافق البرتغال على السماح لإسبانيا، استثناء، بالسيطرة على مليلية.

ذكر الشريف أيضا أن إسبانيا أبحرت سنة 1883 لتحتل الصحراء الإسبانية التي كانت أرضا خلاء.

والصحيح أن هذا الامر يجب وضعه في سياقه التاريخي. سنة 1883 كانت بداية التسرب الإسباني للصحراء ولم تكمل إسبانيا سيطرتها على الصحراء إلا سنة 1934، بفضل المقاومة الشعبية التي احتضنها السلاطين المغاربة.

بخصوص التسرب للصحراء، فقد جاء في سياق تميز بتسابق الدول الاستعمارية لتقسيم إفريقيا؛ وكان من أهم أهدافها الكبرى، تمزيق المغرب، حيث يمكن العودة لخريطته المحفوظة في الأرشيف الفرنسي، التي تظهر حدوده سنة 1881.

كان الاتجاه نحو تقزيمه، من ناحية الشرق حيث عملت فرنسا على اقتطاع أراضي لصالح إيالة الجزائر (التي كانت ولاية عثمانية سيطرت عليها فرنسا سنة 1830) من الجنوب. اتفقت فرنسا وإسبانيا على مناطق نفوذهما وأخذت إسبانيا تتسرب عبر جزر الكناري.

الصحيح أن اليهود دخلوا إلى المغرب قبل ظهور المسيحية؛ أي تقريبا ألفي سنة قبل الميلاد وتوغلوا في المغرب، خصوصا في مناطق سوس.

أما الهدف الثاني، فكان هو السيطرة على الطرق التجارية الصحراوية التي كانت مهمة في تجارة الدول الأوروبية. كما أنها كانت إحدى نقط قوة المغرب باعتباره كان يحتكر الطرق التجارية.

وبالتالي، كان هدف التسرب الإسباني للصحراء المغربية وسيطرة فرنسا على الجزء الجنوبي الذي سيعرف فيما بعد بموريتانيا، هو تفتيت المغرب وإضعافه. أما مسألة الفوسفاط، فلم تكن واردة لأن أقدم اكتشاف لأقدم منجم، حدث سنة 1947.

كما أن الصحراء لم تكن أرضا قاحلة، فمحكمة العدل الدولية لاهاي أكدت بأن الصحراء لم تكن أرضا خلاء بل سكنتها قبائل ارتبطت بالبيعة مع سلاطين المغرب.

ذكر الشريف أيضا أن فرنسا قامت بغزو المغرب سنة 1911 تحت مسمى الحماية ثم سنة 1912 فعلت إسبانيا نفس الشيء.

الصحيح أن أول المواجهات بين فرنسا والمغرب بدأت سنة 1844، عندما دعم المغرب جيوش الأمير عبد القادر (الذي تخلت عنه عدة قبائل جزائرية).

ورغم الإغراءات الفرنسية، دعم المغرب الجزائر، فكانت النتيجةُ الهزيمةَ، وعقدَ المغرب معاهدةَ للا مغنية سنة 1845، ثم الحرب الإسبانية المغربية أو حرب تطوان سنة 1859-1860.

بعدها، بدأ الصراع الاستعماري وعقدت سلسلة مؤتمرات حول المغرب. لكن أهم التدخلات العسكرية كانت سنة 1907، بمدينة وجدة ثم الدارالبيضاء، حيث أخدت فرنسا في التوغل تدريجيا واقتطاع أراضي من التراب المغربي، إلى أن وصلنا لتوقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912.

تم الاتفاق، حينها، على جعل المنطقة الشمالية تابعة لإسبانيا بموجب اتفاق فرنسي-إسباني (والأصح هو “تفويض فرنسي لاسبانيا”) في 27 نونبر 1912؛ بينما تمتعت طنجة بوضع مدينة دولية منزوعة السلاح… وضع شمل في الثلاثينيات كلا من فرنسا واسبانيا و بريطانيا وهولندا وبلجيكا والسويد وإيطاليا والبرتغال.

كان هدف التسرب الإسباني للصحراء المغربية وسيطرة فرنسا على الجزء الجنوبي الذي سيعرف فيما بعد بموريتانيا، هو تفتيت المغرب وإضعافه. أما مسألة الفوسفاط، فلم تكن واردة لأن أقدم اكتشاف لأقدم منجم، حدث سنة 1947.

بعد استقلال المغرب سنة 1956، بدأت مساعي استكمال تحرير باقي الأراضي، والتي تأثرت بعاملين. أولا، الصراعات السياسية الداخلية في المغرب، وثانيا دعم الثورة الجزائرية.

هنا، يجب أن نشير إلى أن فرنسا عرضت على المغرب إعادة صحرائه الشرقية إليه مقابل التخلي عن دعم الثورة الجزائرية. لكن المغرب رفض، وفضل أن يناقش الأمر مع قادة الجزائر باعتبار أنهم عاشوا في المغرب. خاصة أن هؤلاء التزموا في مؤتمر طنجة سنة 1958 بتسوية الحدود مع المغرب، كما التزمت الحكومة الجزائرية المؤقتة في إعلان رسمي سنة 1961 بإعادة الأراضي المقتطعة من المغرب إليه. لكن السلطات الجزائرية ستتنكر لوعودها كما تنكرت لوعودها مع الدولة التونسية، وترفض إعادة الأراضي المقتطعة من البلدين لهما.

في مقابل الصمت التونسي، وأمام المطالبات المستمرة من المغرب باسترجاع أراضيه، لم تكتفِ الجزائر بالتنكر لاتفاقها الرسمي الموقع مع المغرب سنة 1961، بل قامت بمهاجمة أراضي مغربية، فاندلعت حرب الرمال بين المغرب والجزائر.

على مستوى آخر، كان المغرب في ذات الوقت يخوض معركة تحرير الجنوب، حيث خاض حربا ضد فرنسا وإسبانيا حوالي ستة أشهر من أكتوبر 1957 الى أبريل 1958، تمكن خلالها المغرب من استرجاع إقليم طرفاية.

بعدها، اتجه المغرب للمطالبة باسترجاع سبتة ومليلية، وظل يطالب باسترجاعهما؛ لكن إسبانيا وضعت تسوية وضعية جبل طارق مقابل مناقشة سبتة ومليلية. بعدها، بدأ المغرب يطالب من جديد باسترجاع الصحراء.

جبهة البوليساريو ظهرت كحركة تحررية من داخل المغرب، قبل أن تسيطر عليها الجزائر فيما بعد وتجعلها خادمة لأطماعها التوسعية في المغرب.

أما المسيرة الخضراء، فهي ليست مظاهرة كما سماها الشريف، بل جاءت إقامتها بعد الرأي الإستشاري لمحكمة العدل الدولية بلاهاي، والذي اعترف بوجود روابط بيعة بين الصحراويين والسلاطين المغاربة، وأن المنطقة لم تكن أرضا خلاء كما ذكر الشريف.

انسحبت إسبانيا في ذات السنة، بينما أعطت الجزائر المخيمات للبوليساريو للشروع في حرب على المغرب، مع الإشارة إلى أن تندوف التي تحولت لمقر لـ “اللاجئين”، كانت فرنسا قد فكرت في تأسيس دولة تكون تندوف عاصمتها (إضافة الناشر: وهذا باعتراف مؤسس البوليساريو نفسه، الوالي مصطفى السيد، في مقال سابق له على جريدة أنفاس  نشرنا بعض مقاطعه في هذا المقال). لكن السكان رفضوا وأعلنوا تمسكهم بمغربيتهم سنة 1958، بينما قامت كل من الجزائر والبوليساريو بإحياء هذا المشروع الاستعماري.

بخصوص الجدار الرملي والقول إن المغرب أنجز جدارا يحيط بحقول الفوسفاط في محاولة للإيهام أن الأمر يتعلق بالسيطرة على حقول الفوسفاط، فتجب الإشارة إلى أن أغلب مناجم الفوسفاط في المغرب توجد خارج الصحراء، وأن جدار الرمل جاء لصد هجمات البوليساريو التي كانت تمارس حرب العصابات لسنوات طويلة واختطفت العديد من المغاربة.

من حق أي كان أن يدافع عن ما يريد وينتقد مايشاء. لكن، عندما يكون لك ملايين المتابعين، فالمسؤولية على عاتقك ثقيلة جدا ويفترض أن تضع إيديولوجيتك جانبا وتناقش الموضوع بحقائقه التاريخية لا بالتدليس.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *