×
×

البوليساريو… من حركة تحررية إلى انفصالية: التقارب الثلاثي المغربي الموريتاني الجزائري

كان التقارب الثلاثي مزعجا لإسبانيا التي أخذت تتحرك لاحتواء الوضع. في نفس الوقت، أخذ المغرب يصعد في تحركاته من أجل المطالبة باسترداد الصحراء. حينها، بدأ الخلاف يدب بين الدول الثلاثة، وفي قلب مخاضات المغرب الداخلية، بدأت قضية الصحراء تتخذ مكانا خاصا..

توقفنا في الجزء السابق من هذه السلسلة عند طواف الوالي بين الجزائر وليبيا. في هذا الجزء، نسلط الضوء على التحركات الرسمية بين 1969 و 1970، وكيف بدأ التقارب المغربي الموريتاني الجزائري، وتواتر المطالبة المغربية باسترجاع الصحراء المغربية.

استرجاع سيدي إفني ورهان اسبانيا على تشظي دول الجوار

كانت انتفاضة القبائل الباعمرانية مستمرة منذ سنوات في سيدي إفني منذ الخمسينات. مع أواخر الستينيات، كانت المعارك قد اشتدت. بحسب المصادر الاسبانية الرسمية، فقد سقط أزيد من 300 قتيل في صفوف الإسبان، لتقرر السلطات الإسبانية تسليم سيدي إفني إلى المغرب في 30 يونيو 1969.

في نفس الوقت، كانت علاقات المغرب بكل من موريتانيا والجزائر متوترة، فالمغرب كان لازال رافضا الاعتراف بموريتانيا، ومطالبات المغرب للجزائر بتسوية المسألة الحدودية كانت توتر الأجواء بينهما، فيما العقيد معمر القذافي كتن قد أطاح بالحكم الملكي في ليبيا وعلاقته بالمغرب متوترة.

كان الوضع العام يشعر اسبانيا بنوع من الارتياح، طالما أن الدول الثلاثة (المغرب الجزائر وموريتانيا) في حالة خلاف، إضافة للمناورات التي قامت بها عندما أعلن وزير خارجيتها في دجنبر 1969 عن قبول قرار الجمعية العامة باجراء استفتاء لتقرير المصير في الصحراء، وكررت قبولها بمبدأ الاستفتاء دون تحديد تاريخ واضح له، وهو ما اعتبر مؤشرا على نيتها عدم المضي للأمام في تسوية الملف، خاصة أنها في ذات السنة (1969)، أخذت تستثمر حوالي 200 مليون دولار في الصحراء للتنقيب عن الفوسفاط واستخراجه وتصديره.

في نفس الوقت، بدأ غريغو لوبيز، وزير خارجية فرانكو، بالترويج لفكرة حلف دول غرب البحر الأبيض المتوسط (إسبانيا، فرنسا، وإيطاليا، الجزائر، المغرب، ليبيا وموريتانيا) للتنسيق السياسي والاقتصادي والعسكري، وهو ما كان سيؤخر مطالبات المغرب باسترداد الصحراء.

بداية التقارب الثلاثي بين المغرب وموريتانيا والجزائر

سيبدأ التحول في مسار الملف، عندما تخلى المغرب عن مطالباته في موريتانيا، وبدأ في تطبيع العلاقات انطلاقا من القمة السابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية التي انعقدت في أديس أبابا في شتنبر 1969؛ ودعوة الحسن الثاني للرئيس ولد داداه في10 شتنبر 1969، ثم استقباله بشكل رسمي لأول مرة في 22 شتنبر في مؤتمر القمة الإسلامية؛ كما بدأ المغرب بفتح قنوات الاتصال مع الجزائر لتسوية الملف الحدودي، من خلال مفاوضات سرية بين الطرفين انطلقت في يناير 1969.

في 16 ماي 1970، أعلن الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه أن بلاده وافقت على إجراء استفتاء لتقرير ما إذا كان ينبغي لموريتانيا أن تتسلم الصحراء من إسبانيا، وقال في مؤتمر صحفي: “نحن واثقون من أن الساكنة الموريتانية في المنطقة ستقرر الاندماج”.

في نفس الوقت، كانت المفاوضات بين المغرب والجزائر قد بدأت تعطي أكلها. في 27 ماي من نفس السنة (1970) سيعلن المغرب والجزائر عن اتفاق تلمسان. هاذ الاتفاق أشر على قرب توصلهما لتسوية النزاع الحدودي بينهما، وأصدرا بيانا مشتركا بعد لقاء جمع الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الهواري بومدين، أعلنا فيه عن قرارهما متابعة الاستغلال المشترك لمخزون الحديد في منطقة تندوف، وتشكيل لجنة لترسيم الحدود.

لمحاولة تجاوز المشكل، صدرت التوجيهات للجنة باستخدام الخرائط التي رسمها الاستعمار الفرنسي على أن  ترفع خلاصاتها للقائدين في أجل سنة واحدة. لكن أهم نقطة وردت في البيان، كانت الإعلان عن اتفاق الملك الحسن الثاني والرئيس هواري بومدين على “تنسيق” الأعمال بينها “لتحرير وضمان إنهاء استعمار الأراضي التي تحتلها إسبانيا”.

بحسب بعض الآراء، فإن هذا التناغم في الموقفين المغربي والجزائري، كانت تقف خلفه رغبة الجزائر في فتح نافذة لها على المحيط الأطلسي، حيث كان يجري التفكير في خط للسكك الحديدية من تندوف الجزائرية إلى المحيط الأطلسي. لكن، في ظل الاحتلال الاسباني، فإن الأمر سيصبح صعبا. أما في حالة تحرير المنطقة، فسيكون الأمر أسهل.

في 8 يونيو 1970، سيوقع المغرب وموريتانيا معاهدة تضامن وتعاون وحسن جوار. وبحسب ما يذكر ولد داداه في مذكراته، فقد نص البيان الختامي على أن “رئيسا الدولتين قد تدارسا الوضع في الصحراء الواقعة تحت الاحتلال الإسباني وقررا التعاون الوثيق بزوال الاستعمار وتحرير هذه الأراضي طبقا لقرارات الأمم المتحدة الواضحة بهذا الشأن”.

تحركات إسبانية لكسر التقارب الثلاثي

أدت تحركات المغرب وتنسيقه مع دول الجوار إلى استفزاز اسبانيا وإثارة قلقها، فقام وزير خارجيتها غريغور لوبيز بزيارة مفاجئة لموريتانيا التي كانت آنذاك تحتفظ بعلاقات دبلوماسية قوية معها، من أجل محاولة ثنيها عن التنسيق مع المغرب والجزائر. لكن، يبدو أن جهود لوبيز لم تؤتِ ثمارها، ولم تنجح (علنيا على الأقل) في كسر الجبهة الدبلوماسية الثلاثية التي بدأت تتكون بين البلدان الثلاثة (المغرب، الجزائر، موريتانيا).

رغم تأكيدها أن الخطر الأساسي الذي يهدد سيادة اسبانيا على الصحراء قادمٌ من التحركات الدبلوماسية للمغرب، وأنها مستعدة لتسوية الملف أمميا، فقد كانت في الآن ذاته تعزز تواجدها العسكري في الصحراء المغربية.

قمة نواذيبو

خلال قمة يونيو التي انعقدت بين ولد داداه والحسن الثاني، اتفق الزعيمان على مقترح عقد ثلاثية بحضور بومدين، وأرسلا وزيرا داخليتهما للهواري بومدين بالمقترح، فقبله بومدين وتم تحديد يوم 14 شتنبر موعدا للقمة.

في 14 شتنبر1970، سيزور الحسن الثاني لأول وآخر مرة موريتانيا، للقاء بالرئيس الموريتاني ولد داداه والجزائري بومدين، في قمة دامت ساعات قليلة، وخرجت بالإعلان عن اتفاق الدول الثلاث على وضع مخطط استراتيجي لتحرير الصحراء من الاحتلال الاسباني.

بحسب مذكرات ولد داداه دائما، فقد اتفق القادة الثلاثة على أن تكون موريتانيا نقطة انطلاق أي عمل يمكن أن يساعد على تحرير الصحراء. في هذا السياق، تم اقتراح إنشاء مشروع إذاعة خاصة تبث من نواكشوط حصرا في اتجاه الصحراء، وتم الاتفاق على أن تقوم موريتانيا بتوفير مباني مؤقتة وفرق منتقاة من الصحفيين وطواقم العمل، في مقابل أن يوفر المغرب والجزائر التمويلات المالية. لكن لم يكتب لهذا المشروع الخروج للنور.

كان التقارب الثلاثي مزعجا لإسبانيا التي أخذت تتحرك لاحتواء الوضع. في نفس الوقت، أخذ المغرب يصعد في تحركاته من أجل المطالبة باسترداد الصحراء. حينها، بدأ الخلاف يدب بين الدول الثلاثة، وفي قلب مخاضات المغرب الداخلية، بدأت قضية الصحراء تتخذ مكانا خاصا… هي بعض من قصص سنتوقف عندها في الأجزاء القادمة.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *