×
×

البوليساريو… من حركة تحررية إلى انفصالية: الحسن الثاني وبومدين، احترام وشكوك ومفاوضات اسبانية جزائرية

لا يمكن الحديث عن مشكلة الصحراء المغربية دون التوقف عند العلاقة التي جمعت بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الهواري بومدين، علاقة متعددة الأوجه، ألقت بظلالها على مشكلة الصحراء. في هذا المقال نرصد بعضا من أوجه هذه العلاقة المعقدة

توقفنا في الجزء السابق عند كواليس الاتفاق المغربي الموريتاني على تقسيم الصحراء.

في هذا الجزء، نلقي الضوء  على طبيعة العلاقة المعقدة بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري هواري بومدين، والتي ألقت بظلالها على التقارب الثلاثي وعلى قضية الصحراء ككل.

من المؤكد أن العلاقة بين الملك الحسن الثاني وهواري بومدين، كانت متعددة الأوجه، متباينة… لم يكن محددها فقط العامل السياسي أو الاقتصادي، لكن الشخصي كان حاضرا بدوره. في هذا الصدد يقدم الرئيس الموريتاني السابق المختار ولد داده أحد أوجه العلاقة الغريبة بين الرجلين، وتصورهما لبعضيهما، في أوج الأزمة التي تطورت بينهما بداية سنة 1972.

تخوف… احترام… شك وريبة

ينقل ولد داده على لسان الهواري بومدين قوله: “ليست لدي مآخذ ضد الحسن الثاني، فهو يبقى رغم كل شيء رجل الدولة المغربي الحقيقي الوحيد. حاولنا، بعد استقلال الجزائر، إقامة علاقات نضالية مع زعماء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بغية تشكيل جبهة مغاربية للنضال الثوري، وقد خيبوا آمالنا كثيرا، فهم جميعا بورجوازيون وإقطاعيون، ولا يوجد منهم أحد لديه سعة أفق الحسن الثاني، وهو يبقى في الوقت الحاضر أفضل من يحاور الجزائر، فالجزائر التي لا تسعى إلى تصدير ثورتها مستعدة بحكم الواقعية، أن تتعاون مع أي نظام آخر مجاور، ولو كان إقطاعيا، شريطة أن يحترمها ولا يلحق الضرر بوحدتها الترابية”.

وينقل نفس المصدر عن الحسن الثاني قوله عن بومدين أنه “يتحلى بوطنية زائدة، ولكنها حقيقية، ووعي –زائد كذلك- بدوره كزعيم، وإرادة صلبة في أن يجعل من الجزائر بلدا رائدا في العالم الثالث، وهنا تكمن مطامحه الخطيرة جدا إلى الهيمنة على جيرانه، بيد أنه الآن الشريك الجزائري الذي أود التحاور معه، وعلى الرغم من كبريائه المتعالي، فباستطاعته أن يكون محاورا يعتد به”.

تؤشر هذه الشهادة على طبيعة العلاقة الملتبسة بين الرجلين، ووعيهما بضرورة الحوار بينهما. كان كل منهما يكن نوعا من الاحترام للآخر مشوبا بعدم الثقة أو عدم الارتياح، ولكن مع وعي تام بأنه لا مناص لهما من بعض.

عدم ثقة وشكوك

رغم الاحترام لبعضهما، ورغم المساعي التي بذلها الطرفان، فقد كان كل منهما متوجسا من نوايا الآخر. كان الحسن الثاني غير مطمئن لنوايا بومدين بخصوص الصحراء، فبعد توقيع الحسن الثاني والمختار ولد داداه على معاهدة التضامن والتعاون وحسن الجوار بين البلدين في 8 يونيو 1970، طلب الحسن الثاني من الرئيس الموريتاني عدم إشراك الجزائريين في مفاوضات تدبير الوضع في الصحراء، “فهم الآن يقولون أنه لا دعاوى لديهم فيها وأنهم معنيون فقط بتصفية الاستعمار منها، لاسيما وأنها مجاورة للجزائر بل ومتاخمة لها. إنني أعرفهم أكثر منكم، فهم قادرون على تناسى التزاماتهم ومطالعتنا بمطالب لا يعلم إلا الله الوجه الذي ستتخذه”.

تعكس هذه الكلمات الواردة على لسان الحسن الثاني، حسب المختار ولد داده، مناخ عدم الثقة بين الزعيمين، وهو المناخ الذي عطل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في قمة نواذيبو، رغم أن بومدين صرح للزعيمين خلال هذه القمة بأن “الجزائر لا مطالب لها في الصحراء، وأن الامر لا يزيد عن اهتمامها بتحريرها انطلاقا من كونها متاخمة للحدود الجزائرية، وأنها ستواصل مساعيها من أجل الوصول لحل يقبل به الجميع”.

تحفيزات اقتصادية للتغلب على المشاكل الحدودية

حاول الحسن الثاني التغلب على مناخ عدم الثقة بين الطرفين وتجاوز المشاكل الحدودية بين الدول الثلاث، من خلال التفكير في التحفيزات الاقتصادية التي يمكن أن توحد البلدان الثلاثة. على هامش القمة الإفريقية التي جرى فيها إعلان اتفاق المغرب والجزائر على ترسيم الحدود، عقد الحسن الثاني وولد داداه وبومدين لقاءا ثلاثيا في مكتب الحسن الثاني، قدم خلاله هذا الأخير عرضا حول التعاون المستقبلي بينهم، قال فيه، حسب شهادة ولد داده:

“إن الصحراء ينبغي أن تمكننا من أن نعطي لإفريقيا والعالم العربي، بل والعالم بأسره كذلك، مثالا حيا وملموسا على تعاون جهوي ناجح، واستغلال مشترك لثروات المنطقة لصالح سكانها أولا ثم لصالح البلدان المستغلة ثانيا. ولنثبت للعالم أن الآفاق التي يفتحها التعاون الاقتصادي لصالح الجميع تقودنا إلى تجاوز السيادات السياسية المعترف بها لكل منا. بالنسبة للعلاقات مع الجزائر، لم يعد هناك ما يعوق انطلاق مشروع استغلال منجم حديد قارت اجبيلات الكبير.

وسيتم تصدير المعدن من أي ميناء مغربي كان تثبت الدراسات الاقتصادية والفنية صلاحيته لذلك. كما أن مشروع مد أنابيب الغاز من وهران إلى مضيق جبل طارق عبر شمال المغرب سيسمح للجزائر بتموين جزء من اسبانيا وفرنسا. وسيجعل هذان المشروعان الاقتصاديان الضخمان، ومشاريع أخرى أكثر تواضعا، من التعاون الجزائري المغربي تعاونا نموذجيا”.

رغم حماس الحسن الثاني وولد داداه للاتفاق، فإن بومدين لم يكن على نفس القدر من الحماس، وكان أكثر ما يهمه هو تنفيذ اتفاق ترسيم الحدود، وإن لم يبدِ اعتراضا على ما تقدم به الحسن الثاني، بل وافق دون تحفظ، سواء على اتفاق التعاون الثلاثي أو على اتفاقية تقسيم الصحراء بين المغرب وموريتانيا.

توتر داخلي في المغرب… ومفاوضات جزائرية إسبانية

لم يلبث المغرب أن شهد ظروفا داخلية متوترة، عبر محاولة انقلابية استهدفت عرش الحسن الثاني كان مدبرها الجنرال أوفقير، الذي قاد مفاوضات ترسيم الحدود مع الجزائر.

بعثرت المحاولات الانقلابية عددا من الأوراق، وبدأت سحب الشك تعلو أكثر في سماء العلاقات المغربية الجزائرية، في حين كانت الجزائر تستضيف المعارضة المغربية المسلحة فوق أرضها.

بدأت العلاقات بين الطرفين تتدهور واقترح الرئيس الموريتاني عقد قمة ثلاثية لمناقشة الوضع. رحب الحسن الثاني بالأمر وعرض استضافتها في أكادير، بينما رفض بومدين القمة واشترط تصديق الحسن الثاني على اتفاقيات الرباط قبل اللقاء به. بعد أخذ ورد، اجتمع الثلاثة، لكن التوتر كان سيد الموقف بينهما، ولم يفض الاجتماع إلى شيء.

عمل عدائي ضد المغرب

بداية سنة 1973، أخبر الملك الحسن الثاني ولد داداه أن بومدين يدبر عملا ما ضد المغرب بالتعاون مع اسبانيا. لم يكن كلام الحسن الثاني مجرد مزايدات، بل مرده إلى تقارير استخباراتية أمريكية، أفرج عن بعضها حاليا، أشارت لوقوع مفاوضات سرية خلال تلك الفترة بين الرئيس الجزائري هواري بومدين والسلطات الاسبانية، حول منح اسبانيا للجزائر منفذا على المحيط الأطلسي مقابل قيام الجزائر بالتوقف عن دعم مطالب تحرير الصحراء.

لم تتم المفاوضات بين الجزائر واسبانيا. كما فشلت أحداث مولاي بوعزة… لذلك، ستستميل الجزائر جبهة البوليساريو (التي كانت تهدف أساسا لتحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني)، وتحيي مشروعا فرنسيا بإنشاء دولة في تندوف… وتلك قصة نفرد لها مقالات أخرى في المستقبل القريب.

 

اقرأ أيضا:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *