×
×

هل انتهى دور المثقف وأتى زمن “المؤثّرين”؟ 2/2

المثقّف في النهاية إنسان، قد يرحل عن هذا العالم في أي لحظة. لكن، أن يرحل عن المجتمع، الذي هو في أمسّ الحاجة إليه، وهو على قيد الحياة، فذاك هو المأزق الأكبر. 

في الجزء الأول من هذا الملف، قمنا بعرض مفهوم المثقف مع عرض بعض أدواره وضرورة استقلاله.

في هذا الجزء الثاني، نتوقّف عند معالم أزمة الثّقافة ومحنة المثقف، أمام غزو ما بات يعرف بالمؤثرين.

لا يمكن الانسياق، جزافاً، مع الرأي القائل بأنّ الثقافة تعيشُ أزمة. ذلك أنّه سرعان ما يصطدم برأي يبقى على طرفي نقيض، ويعتبر أنّ المثقّف يعيشُ تراجعاً، أمّا الثقافة فهي مستمرّة في عطاءاتها.

أجل، تبقى كل الآراء نسبية. ولكن، هل باستطاعتنا أن ننكر بأنّ الغلبة للهجانة الثقافية حيثُ يعلو صوت المؤثّرين وصوت “العوام” ليزاحم صوت المثقّفين؟

محنة المثقف وأزمة الثقافة

قصدنا الباحث في اللغة والثقافة العربيتين، أحمد حميد، قصد استقراء معالم هذه الأزمة الثقافية، التي اعتبرها الكثيرون، ظاهرة جلية.

بالنسبة لحميد، فإن الأزمة يمكن أن نلمسها في تراجع أسهم المثقفين في بورصة القيم، حيث سقطت الأقنعة عن كثير ممن خلناهم زعماء الطليعة عندنا، وهوى إلى الدرك الأسفل عديد ممن نصّبناهم صروحا شامخة نناطح بها عنان السماء.

لعل أحداث “ما سمي بـ”الربيع العربي”، خير ما يشهد على تردد “النخبة المثقفة” في اتخاذ مواقف جريئة. بقيَ أكثر أعلامها على الرصيف، يشاهدون العرض من خارجه، دون أن يكونوا فاعلين في أحداثه، وعنصرا مؤثثا لفضاءاته”.

هذا الصّمت غير المبرر، هو ما أفضى إلى الانتكاسة المفجعة والكبوات الموجعة، التي استحال معها ما سمي بـ”الربيع” رماد خريف في سماء بلدان المنطقة، يتحسّر المتحدّث.

أخطر من هذا، فمعالم الأزمة الثقافية باديةٌ أيضاً، يضيفُ، في مخرجات ونتائج جامعاتنا، وفي ضآلة منجز معاهدنا ومراكز الدّراسات والأبحاث عندنا، وفي المشاريع الثقافية الغائبة عن أجندات أحزابنا، وفي تدني نسب القراءة لدينا، وفي فراغ دور العروض الفنية على قلتها، كالمسارح والمتاحف… في عواصمنا من الزوار.

كذلك، نلمس غياب مجلس أعلى للثقافة والفنون، يُعنى بتوثيق تراث الماضي والحاضر ويهتم بإذاعته ونشره والتأريخ له والتعريف به بين أوساط المهتمين من الطلبة والباحثين، يختمُ الباحث.

إلى جانب هذه “الأزمة”، يرى السوسيولوجي نور الدين الزاهي أن المثقف لا يعيش تراجعاً، متسائلاً “هل هنالك طلب سياسي من طرف الأحزاب السياسية أو النقابات أو الدّولة على المثقف؟ هل هناك طلب من طرف الإعلام الرسمي والعمومي، اليوم، على المثقف؟”

نور الدين الزاهي، في حديثه مع مرايانا، يجد أن الطلب، اليوم، يقع على “العناوين الوهمية”، أي “الفلاّح المدافع عن العرش”… كـ”مدیر مختبر الدراسات الاستراتيجية الأمنية الاستخباراتية الجهوية والدّولية”… وهكذا دواليك من العَناوين، التي أصبحت تعوّض دور المثقف في القنوات والإذاعات العمومية. وهُم، في الحقيقة، “أناس أمّيون، يتحدّثون في كل شيء ولا يقولون أي شيء”، وفق تعبير السّوسيولوجي.

الأحزاب والجمعيات والتّنظيمات والإعلام، هي قنوات عبور المثقف نحو المجتمع. وإذا كان الطلب غير حاصل على المثقّف، بل يتجه نحو الخبراء الوهميين ورؤساء مراكز الأبحاث الوهميين، فمن الذي يشكو من تراجع بيّن؟ هل هو المثقف، الذي تهمّش، أم القنوات، التي زادت من هامشيته وعزلته؟ وإذا كان المثقف اليوم في الهامش، فالإعلام والوسائط في المركز، لم تركته في الهامش إذن؟

المثقّف، وفق الزاهي، يتراجع لزهده، داخل كتبه وأعماله، وهناكَ خوف من حضور المثقف، لسبب بسيط… أنّ المثقّف يعاشر حرفاً، وهذا الحرفُ هو “لكن”.

المثقّف يتحدث، يتأمل، وينتج، بيد أنه ملاحقٌ بطيف “لكن”. وقد أثار ذلك رولاند بارث؛ فهذا الحرف هو الذي يخلق توتراً، لكونه يحملُ حذراً، وفيه قلب زاوية النظر، وفيه الكثير من التّرددات. لهذا المؤسسات والنظام والدولة في بلداننا لا تقبل “لكن”.

أكثر من ذلك، فالإعلام جزء من الثّقافة، وحين تتسيّدُ الرّداءة، فهذا من بين الأسباب التي تزيد من حدة المشكل الذي يعانيه المثقّف عندنا، ويصبح مثلاً “الصّحافي” ضيفاً، لا مُضيفاً، في برامج ومجلاّت ليناقش قضايا مجتمعية. يسمي الزاهي ذلك بـ”المونولوغ”، أي الصّحافي يحاور نفسه أمام الجُمهور.

… يبدو من زاوية أخرى أنّ المثقّف يحيا، بكيفية من الكيفيات، والدولة والمؤسسات “تموت” (مجازيًّا) لأنها لا تستفيد من حياةِ… المثقّف!

وكانت الغلبة… للـ”مُؤثّرين”!

لا شكّ أن تزايد نفوذ الوسائط الرقمية اليوم، صار يهدد بقوة المكانة الرمزية والاعتبارية للمثقف التقليدي (المثقف الورقي)، الذي يقتات من موائد صادرات المطبعة، في مقابل ما يصطلح عليه “المثقف الشبكي”، الذي يسجل حضورا مكثفا ومتواصلا على المنصات الرقمية، على حدّ تعبير الباحث أحمد حميد.

لعل هذه الوسائط، يتابع حميد، بقدر ما لها من إيجابيات في تطوير وتسريع مطالب الحياة، بقدر ما لها من سلبيات، “بحيث ساهمت في شيوع الرداءة وذيوع التفاهة، وروجت لآفات التفرج والتجسس والتكشف مثلما فصّل في تحليل ذلك، الفيلسوف طه عبد الرحمان في الجزء الثاني من كتابه “دين الحياء”، إذ خلص إلى أن الإدمان على هذه السلوكات أفضى إلى ما يشبه التّدين الصريح بالصورة”.

من زاوية أخرى، فقد أصبحت صورة “البطل النبيل”، الذي لا يخشى الحكام، ملازمة للحديث عن المثقّف. لهذا، فالدراسات في مجملها تتحدّث عن المثقف كصورة، لا كشرط تاريخي واجتماعي.

هذا ما يقوله الزاهي مشدّداً على أنّ جلّ الكتابات التي تتناول المثقّف، في المغرب، تبدو في لاوعيها، تتحدّث عن الولي الصالح. بمعنى تتحدث عن المثقّف بصفات الوليّ (Le marabout).

الولي، حسب المتحدّث، ينتمي في المخيال الشعبي إلى مجال القداسة، وله بركته وله فعاليته الرمزية وزهده ومجابهته للحكام. لكن الإشكال، هو أن يتمّ إسقاط هذه الصّورة على المثقّف، الذي لا ينتمي، نهائياً، إلى جهة نفوذ القداسة.

المثقّف ابن الحداثة، بكل رهاناتها، ومن أكبر هاته الرّهانات أن الحداثة… هي صيرورة.

… كنتاج لهذه الصيرورة، فالحداثة أدخلتنا _في ظل العولمة_ ضمن نوع من الهجانة ثقافياً، كما يرى الكاتب نستور كارسيا گنكليني في كتابه “استراتيجية الدخول إلى الحداثة والخروج من الحداثة”. الآن لم تعد ثقافة المثقف هي المطلوبة أو هي الواقع، وإنّما السيادة للثقافة اليومية العامية، يقول الزاهي.

لا يمكن أن ننكر أن “السّيادة من نصيب الكم والخليط والبوز ومواقع التواصل الاجتماعي والرّأي غير المحلّل والقابل للاستهلاك. فالكل مثقف، والكل ينظّر، والكل يُحلل”.

لم يعد تحليل المثقف ذا قيمة، يضيف الزاهي، وإنما الطّلب على الجمل القصيرة للمؤثرين. أصبح المجال الثقافيّ هجيناً، ولم تعد هنالك حدود بين منتج ومتلقي وبين المثقف والعامي. الأصوات التي تؤثّر هي الأصوات التي… تنتج “الوجيز”، للأسف!

الثقافة الجماهيرية ولّدت سيلاناً في المعلومة وسيلاناً في الإنتاج وميوعة في التّحليل. ولم يعد احترام التّخصصات حاصلاً، والإعلام خاضع لأهواء “الجُمهور” ورغبات “النّظام”.

شئنا أم أبينا… لقد بتنا نعيش نوعاً من الرّداءة والضّحالة والتّفاهة في المضامين، وتفوّقت الحروب “الصّبيانية” للإعلاميين والمؤثرين. وتفشّت السرقة الفكرية، وتسيّد المحتوى غير الهادف…

أمام كل هذا، يصعب على المثقف أن يلقي بنفسه في هذا المستنقع، فيكون هو أيضاً، بشكل من الأشكال، يتحمّل مسؤولية ما يجري من انتكاسة ثقافية، لأنه “استسلم” للمؤثّرين، وبقي في برجه العاجي يحاكي همومه الطّليعية.

فمن الذي يموت فعلاً… الثقافة أم المثقّف أم الاثنين معاً باعتبارهما وجهان لعملة واحدة؟

ومن الذي يحيا حقيقةً… هل المثقف في “محرابه” وزهده، أم المجتمع بقيم “الرّداءة” و”الميوعة” التي بثّها الواقع الافتراضي العمومي؟

تبقى كل الأجوبة نسبية في نظر الزّاهي. لكن، هناك حقيقة مرّة مفادها، أنه كلما زادت عزلة المثقف، استمرّت الضّحالة ودوغمائية بعض “الجامعيين” والتحليلات العاطفية، وغيرها من السمات… التي تتنصر لاستبدادية الدهماء.

المثقّف في النهاية إنسان، قد يرحل عن هذا العالم في أي لحظة. لكن، أن يرحل عن المجتمع، الذي هو في أمسّ الحاجة إليه، وهو على قيد الحياة، فذاك هو المأزق الأكبر.

حينها، الأجدر ليس رثاء إنسانٍ، بقدر ما قد تكون الحاجة إلى نعي قطاع حيويّ مثل “الثّقافة”.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *