×
×

هل فهمنا معنى المثقّف جيّدا؟ 1/2

الحاجة إلى دور المثقّف تغدو أكثر إلحاحاً، لعلّتين اثنتين: الأولى تنحصرُ فيما تشهده حرية الرأي من محنة. والثانية تتجلّى فيما يعرفه استقلال المجال الثّقافي من معاناة.

قبل مدّة… كانت مجرد إشاعة تنذر برحيل المفكّر عبد الله العروي، كفيلةً بتبيئَة تخوّفات على أن يترجّل عن صهوة المعرفة أحد الأهراماتِ القليلة المتبقية في السّاحة النّاطقة بالعربية. هرمٌ انتصر للعقل بمعناه الكوني؛ ولم يتصالح مع أوهام “الأدلوجة” وعثراتها، التي أصابتْ خطابَ المُثقفين… كما سنرى في معرض الملف!

حينها، عادت الأسئلة تلوحُ في الأفق: ما الذي باتَ يعنيه مفهُوم المثقّف اليوم؟ وأي أدوار بقيت لهُ إزاء تكرُّس “غُربته” و”انعزاليّته” و”هامشيته”؟

هل نحنُ، بالفعل، أمام أزمة مكتملة الأركان غاب عنها تأثير المثقفين؟ وكيف يحضرُ المثقّف في أذهَان المغاربة؟ هل ظلمنا “حرّاس الرأسمال المعرفي” إن سلّمنا بحقيقةِ… أنّ المثقّف استسلم لتسيّد الرّداءة وما يدُور في فلكها؟

… تتلخّص كل هذه الأسئلة في سُؤال: هل غَاب المثقّف عن النّقاشات المُجتمعية بالمغرب، في إحدى أحلَك الفَترات، التي عادت فيها السّلطوية بقوة نافذة؟ وهل نأى المثقّف بنفسه أمّ أن قنوات مرور المثقف للمجتمع هي التي أبعدتْه؟

مرايانا في هذا الملف، تسبر أغوار غياب المثقفين عن المشهد العام، في الآونة الأخيرة!

في… مفهوم المثقّف!

أحمد حميد، أستاذ جامعي باحث في اللغة والثّقافة العربيتين، يجدُ أنّ لفظة “مثقّف”، بهذه الصيغة الصّرفية، لم ترد في معاجم العربية التراثية، وإنما جاء فيها: رجل ثَقْفٌ وثَقِفٌ وثُقُفٌ، أي حاذق فَهِمٌ… ذو فطنة وذكاء، ثابت المعرفة بما يحتاج إليه.

حميد يوضّح في حديثه لـ”مرايانا”، كونَ المثقف بالمدلول الاصطلاحي المُنظَّر لَه في الأدبيات والمرجعيات الفكرية الغربية المعاصرة، كما عند غرامشي وفوكو وهابرماس وسارتر وماكس ويبر وبورديو… هو مفهوم طارئ على الاستعمال العربي، من حيثُ ما حُدّدَ له من صفاتٍ ووظائف.

تلك الصفاتُ، يمكن حصر بعضها في كونه المنتج للمفاهيم والتصورات النظرية، الموجه للمشاريع الفكرية الكبرى، القائد للوعي الجمعي، الحامل لفكر التنوير، الملتزم بقضايا وشؤون المجمع، المشارك في أحداث عصره إنتاجا ونقدا وتحليلا واقتراحا، المناضل الفاعل في التغيير قولا وفعلا؛ وبالضّرورة المساهم في صياغة مطالب الحِراكات الاجتماعية المدنية؛ والمنتصر لقيم العدل والحقّ والحُرية… يُعدّدُ المتحدّث.

هكذا، نخلص إلى أن المثقف، بالمعنى الذي تفهمه العامة اليوم، هو الإنسان المتعلّم العارف للقراءة والكتابة، والممارس لأنشطة ذهنيّة في مجال الفكر والعلم والأدب. والشائعُ أيضاً، أن المثقف هو الذي يعرف شيئا ما عن كل شيء [تجاوزاً]، بخلاف العالم الذي يعرف كلّ شيء [تجاوزاً] عن شيء ما، يقول حميد.

بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، يفصّل الباحث أنّ المثقف هو من يُسخّر أدواته العلمية والمعرفية لقراءة الواقع ومُحاولة فهم مجرياته، وتحليلها وتفكِيك بنياتها والمساهمة في إعَادة تشكيلها، قصد تجاوز النواقص ورصد العيوب، وترميم التّصدّعات، واقتراحِ حلُول عقلانيّة بدِيلة، في أفُق نُشدان التّغيير نحو الأفضل.

لذلك، هناك من الباحثين “من يميّز بين نوعين من المثقف؛ المثقف الخبير في مجال تخصصه (تقني محترف)، والمثقف الملتزم، حسب تصور سارتر، أو العضوي، حسب أطروحة غرامشي، أو المتحرر وفق رأي بورديو”.

من جهة أخرى، يرى السوسيولوجي نور الدين الزاهي، من منظوره كمثقّف، أن المثقّف إنسان مواطن يمتلكُ معرفةً محمودة عن مجاله، على اختلاف حجم تلك المعرفة. وليس بالضّرورة أن يكون المرء كاتباً لكي يكُون مثقّفاً، إذ يمكن أن يكون المثقّف في المسرح والموسيقى والسّينما، إلخ.

الخاصية الحاسمة التي تجعل من الإنسان مثقّفا، حسب ما أفاده الزاهي لـ”مرايانا”، هي حظوتُه بوعي حادّ تجاه المحيط والمجتمع والأحداث. ما يراه العوام عادياً، يلتقطه المثقّف بعمق.

هذه السّمة، التي ترتقي بالمثقّف إلى وضعية اعتبارية، تخوّل له أن ينقل المعرفة من النظرية إلى تطبيقها على ما يطرأُ ويجري في المجتمع، فتكون له تدخّلات حسب ما يتيحه مجاله وتخصّصه، سواء بغية “نقد” أو… “تطبيل”!

في… استقلال المثقّف

من المسلّمات أنّ المثقّف لا يتوفّر على قرار التّشريع ولا قرار التنفيذ داخل المؤسّسات. هو مالكٌ لرأسمال. وذاك الرأسمال هو الكلام والمعرفة.

المثقّف الحزبيّ، مثلاً، في محطات تاريخية مختلفة، لم يؤدّ الرّسالة المعرفيّة المناطة به. وكان مجرّد داعية للحِزب وإيديولوجيته، أو للدولة وتوجّهاتها. لكن، رغم ذلك، ظهرت أصواتٌ، من داخل الأحزاب، تنتصرُ للعقل والتّفكير الحرّ والنقدي وتسعى إلى التّقليص من حدّة الإيديولوجيا.

يعضّد هذا الطرح المفكّر محمد سبيلا في إحدى تدخّلاته، التي حضرتها مرايانا. يعتبرُ الرّاحلُ أنّ منطق الأحزاب يفرض على المثقفين حتميةَ الطّاعة والولاء. ولطالما كان هذا المنطق سبباً رئيساً في انشقاق الكثير من المثقّفين، الذين يتميّزون بحسّ نقدي، عن الأحزاب، هروباً من الالتزام السياسي الإيديولوجي نحو الالتزام المعرفيّ الصّرف.

يتّفق الزاهي مع هذا الطّرح، إذ يعتقد أنّ المثقّف، حينما يفقد الحسّ النقدي، يغدو داعية فقط، سواء للحزب أو للدّولة.

أما بالعودة إلى المفكّر المغربي عبد الإله بلقزيز، فنجدُ أنّه خصّص إصداراً مهمّا منذ عقدين تقريباً، بعنوان “نهاية الدّاعية، الممكن والممتنع في أدوار المثقّفين”. مرّت كل هذه السّنين بيدَ أن مُخلصات هذا المؤلّف وفرضياته، على ما يبدو، لازالت بيّنةً إلى اليوم، ولم تتبدّل.

في هذا الكتاب، يذهبُ بلقزيز إلى أنّ للمثقّفين رسالة اجتماعية خاصّة، وهي حماية العقل والوعي، في ممارسة نشاطه الطّبيعي دون حجر أو تقييد. وعنوان هذه الرّسالة، الدّفاع عن حرّية التفكير والرأي والنّشر، ضدّ كل صنوف المنع.

ليس هذا الدفاع إلاّ الطريقة التي تستطيع أن تظهر بها المعرفة مجتمعياً كمجال ذي سيادة ذاتية، يضمن بالتّبعة، تحقّق الاستقلال الذاتي للمثقّف.

أيضاً، لا يمثّل هذا الاستقلال ترفاً أو امتيازاً يطلبونه لأنفسهم، من باب التّميز والتمايز، وإنما “هو شرطٌ لقيامهم كفئة تملكُ شخصية اجتماعية، وتملكُ أن تلعب دوراً من واقع امتلاكها لرأسمال اجتماعي معرفي قابل للتّوظيف ولدرّ عائدات عمومية”، يقول بلقزيز.

الحاجة إلى هذا الدور تغدو أكثر إلحاحاً، لعلّتين اثنتين: الأولى تنحصرُ فيما تشهده حرية الرأي من محنة. والثانية تتجلّى فيما يعرفه استقلال المجال الثّقافي من معاناة.

يفصّل الكاتب، معتبراً أنّ الجميع يعرف مقدار التضييق الذي تتعرّض لهُ حرية الرّأي والتّعبير، ومنه الحُريات العامّة والفردية عُموماً في المغرب وغيره من البلدان “العربيّة” المعاصرة. حتى أنّه تكادُ حرّية الرأي أن تكون نطاقاً ممتنع الحيازة على كلّ مثقّف ناطقٍ بالعربيّة!

لقد “دفع كثيرون ثمن تمرّدهم على الاستثناء (المنع والتضييق) لتحقيق القاعدة (حق الرّأي والتّعبير) من حريتهم وكرامَتهم، فيما آثر آخرون اللّوذ بالغربة بالمنفى والغربة لتحقيق ذاتيتهم كمثقّفين”، يكتبُ بلقزيز.

بهذا، يكون مفهوم المثقّف معقّدا جدًّا، ولا ينبغي التعامل معه من الناحية الصّورية، بل هو، كما يقول المفكّر اللبناني علي حرب، شأنه شأن أي مفهوم آخر، ليس مفهوماً بسيطاً متواطئاً مع ما يقوله. إنّه يؤلّف شبكةً من التّصورات والصّور والاستعارات التي تشكّل حاشيّته أو بطانته، ويندرج ضمن سلسلة من الثّنائيات والمُتعارضَات التي تشكّل شرطَ إمكانه.

في الجزء الثاني نرصد تراجع دور المثقف ومنافسة المؤثرين لهذه الأدوار.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *