×
×

بعد مرور أربعين سنة: “أسلمة المعرفة”… حين “تفجّرت” نرجسِية الذّات العَربية “المثقّفة” 1/3

يمكنُ النّظر إلى “مشروع” أسلمة المعرفة، الذي يوجد إلى اليوم من يدافع عنه، كخطاب نرجسي وثوقي، يُسفّه أبحاث الغرب ويُقدّس مخلصاته المحلية…

منذ بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، اشتدّ عود تيارٍ سمي بالـ”إصلاحي” يروم إقامة “نهضةٍ” في التراث العربي الإسلامي. مشروعٌ ادعى أنّهُ يحملٌ آمالاً كبيرةً لبعث “الأمّة الإسلامية” فكرياً وعلمياً، ويعالج كلّ قضايا الإنسانية ويحلّ مشكلاتها.

هذا المشروع أطلقَ عليه وقتذاك، إسم “أسلمة المعرفة” أو “إسلامية المعرفة”، الذي كانت حُجتهُ أنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية “متحيّزة”.

قد يحدثُ للقارئ أن يتساءل عفوياً: هل هناك، بالفعل، معرفة إسلامية أو “متأسلمة”، ومعرفة “مسيحية” و”يهودية” و”بوذية”…؟ أم أنّ المعرفة محايدة تسمو على “الخندقة” ولا دين ولا لون إيديولوجي لَها؟

أصل هذه التّسمية “الغَريبة”، في نظر الابستمولوحيين، يعود للمعهد العالمي للفكْر الإسلامي، الذي أُسّس لهذه الغاية، وقيل، أيضاً، إنهُ يعود لإسماعيل الفاروقي، الذي يعتبر من “كبار” مؤسسي المعهد والمَنهج القَائم عليه.

لقي هذا “المشروع” انتقادات معرفية لاذعة، واتهم بمحاولة إلباس المعرفة لبوسَ الشّريعة وبعض المقدّسات التي لا تقبل الأخذ والرّد، في المنظور الفقهي والعقدي.

طُرحت الكثير من الأسئلة، بيد أن “مرايانا” تتساءل: هل كان هذا “المشروع” تعريةً صريحةً للنّرجسة التي ترزحُ تحتَها الذاتُ العَربية “المُثقّفة”؟

نجدُ لهذا السّؤال جواباً شافياً، أوردهُ المُفكر علي حرب، بكتَابِه “الإنسان الأدنى، أمراض الدّين وأعطال الحداثة”.

أسلمة المعرفة… النّرجسية الثّقافِية!

تعني النرجسية حبّ الذات المرضي. في هذا السياق، نحنُ أمام “حبّ التّراث المرضيّ”، حيثُ تذوب الذات وتختفي عقلانيتها ونسبية مخلصاتها المعرفية.

يتجلّى المنزع النرجسي والاصطفائي، عند علي حرب، في الاعتقاد الذي يوهم جماعة من النّاس بأنّهم الأحق والأصدق والأفضل بين الناس. في الحالة الإسلامية، تتجلى النرجسية في اعتقاد المسلمين بأنّهم خير أمّة أو بأنّ أسلافهم هم أشرف الخلق أو بأنّ النبوة اختتمت معهم.

من هذا المنطلق، يمكنُ النّظر إلى “مشروع” أسلمة المعرفة، الذي يوجد إلى اليوم من يدافع عنه، كخطاب نرجسي وثوقي، يُسفّه أبحاث الغرب ويُقدّس مخلصاته المحلية.

النرجسية، بهذا المعنى، تثيرُ النّعرات وتغذي النزعات بين الطوائف، بشكل يجعل الواحد ينام على منجزاته ويغرق في سباته، كما يقول علي حرب.

هذا الادعاء، حسبهُ، تفضحه اليوم الوقائع، حيثُ “الشّعوب الإسلامية هي على الهامش وفي المؤخرة من حيثُ المشاركة البنّاءة والفعالة في صناعة الحضارة.”

يقول علي حرب: “نحن نفتقرُ إلى المِصداقية فيما ندّعيه، ونشوه سمعتنا بين الأمم من حيثُ عجزنا وقصورنا فيما يتعلّق بإدارة شؤوننا وقيادة مصائرنا، فيما الدعاة يريدون إصلاح البشرية جمعاء.”

المجتمع “العربي” يرفضُ أن تكون للمناهج الغربية قيمة مطلقة. فيدّعي أنّهُ وحدهُ يستطيع أن يتعرّف إلى ذاته بفضل حدس اختصّ به.

الأولى والأجدى، وفق الكاتب، أن يعيد دعاة الأسلمة وغيرهم، “النظر في معتقداتنا، لكي نعيد الأمور إلى نصابها بوصفنا أمة بين الأمم، لا أفضل ولا أدنى، مهمتها إتقان لغة التعايش والتعارف أو التواصل والتبادل مع سائر الأمم”.

بهذا، يبدو خطاب المثقفين “العرب”، كما يقول عبد الإله بلقزيز، خطابا وثوقيا مطلقا. الأفكار فيه منزّهة عن الشّك والنقد، متشبّعة بوهم “الامتلاك” المعرفي للحقيقة. الرأي المخالف لا يملك دليلاً لنفسه متى استوى أمره على مقتضى مجانبة منظومة الأفكار التي تحملها “أنا” كلّ مثقف، وترى فيها الحقّ كله!

لا شك أنّ أسلمة المعرفة، في هذا السّياق، يكتنفها نوع من الوثوقية في دفاع “المشروع” عن أفكاره وطروحاته “المُتأسلمة” بكلّ وسائل التبرير، وفي الإصرار العنيد على رفض الإصغاء للغير، سواء تعلق الأمر بالغرب أو بثقافات أخرى مختلفة.

الأسلمة: الرؤية التوحيدية الكونية

يذهبُ علي حرب إلى القول بأنّ ما يسمّيه الداعون إلى أسلمة المعرفة، بـ”الرؤية التوحيدية الكونية” لا تقنعُ جميع المسلمين. فهي مقولة إيديولوجية هشّة لا مصداقية لها على أرض الواقع.

بالنّسبة للكاتب، فإنّ تاريخ الإسلام شأنه شأن الديانات التوحيدية الأخرى، هو تاريخ الانقسامات والفتن والحروب الأهلية بين الفرق والمذاهب قديماً، ثم بين المنظمات والأحزاب داخل كل فرقة حديثاً.

المسلمون لا يحسنون سوى التفرّق تحت كلمة الله الجامعة. فيما الغربيون، الذين يسعى مشروع الأسلمة إلى نشر العقيدة الإسلامية عندهم، توحّدهم العملة والأسواق والشبكات، يقول حرب.

أبعد من ذلك، يتساءلُ المُؤلِّفُ: “إذا كنا عاجزين عن توحيد مجموعتين أو حزبين في حيّ أو في مدينة، فكيف ندّعي أننا نملكُ رؤيةً توحيدية للعالم والإنسان والمجتمع؟!”.

يختمُ حرب بالقول إنّ الأولى بدُعاةِ التّوحيد العمل على مراجعة نصوص التراث، الفقهي والكلامي، الحافلة بلغة النبذ والطرد، أو المشحونة بعقلية التهمة والإدانة، من أجل نزع الألغام من طريق الحوار والتسوية والوحدة.

من جهته، يرى عبد الله العروي في “الأيديولوجيا العربية المعاصرة”، أنّ المجتمع “العربي” يرفضُ أن تكون للمناهج الغربية قيمة مطلقة. فيدّعي أنّهُ وحدهُ يستطيع أن يتعرّف إلى ذاته بفضل حدس اختصّ به. لكنّه…

يضيف العروي، “لكي يعيد بناء ذاته، يستخدم مثلاً يستأنس به، وهو مثل، مهما قيل عنه، مأخوذ من الغرب. فهذه الخطوة الإجرائية تكون في حدّ ذاتها اعترافاً ضمنياً بامتياز الغرب، بمعنى أنه يحتوي بالفعل على شيء يستحقّ أن يقتدي به غيره، أي صالح للتعميم على البشرية جمعاء.”

العقل الكوني عند عبد الله العروي يأتي نقيضاً للخصوصية”. لكنّ مشروع “إسلامية المعرفة” يوضّح تشدد الخطاب “المعرفي” العربي والإسلامي الراهن في مسألة الخصوصية الثقافية، إذ بذلك يبتعد عن واقع مجتمعاته وعن التجربة التاريخية وتزداد نرجسية “التفوق” العربي و”الاصطفاء” بقاءً على قيد الحياة في الفكر.

 تاريخ الإسلام شأنه شأن الديانات التوحيدية الأخرى، هو تاريخ الانقسامات والفتن والحروب الأهلية بين الفرق والمذاهب قديماً، ثم بين المنظمات والأحزاب داخل كل فرقة حديثاً.

نخلصُ، هنا، إلى أنّ شعار أسلمة المعرفة، الذي رُفع قبل أربعين سنة، وجدَ من ينصره، ويحوّله إلى تيار فكري إسلامي نُكوصي، يحاول “النيل” من خلاصات الغرب المعرفية ومجابهة ضجيج الاستشراق، مع الاعتماد على بعض آلياته ومناهجه؛ فتفجّرت عن هذا المشروع نرجسية واضحة تتغذّى من هواجس الهوية العربية الطامحة إلى أسلمة كل شيء…

لقد شكّل “مشروع” الأسلمة صدمة في قلب المعرفة في شموليتها، وهذا ما سنراه في الجزء الثّاني.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *