×
×

المجتمع بين المحافظة والحداثة: لماذا فشلت محاولات التنوير وصمدت الإيدلوجيا الدينية؟!

النظم السياسية السائدة، التي تجد شرعيتها في سيادة الفكر الديني، باعتباره شرطا وجوديا، يضمن استمراريتها، ويضفي عليها نوعا من القداسة، لم تكن وحدها سببا في إجهاض كل محاولات التحديث والقطيعة مع التركة التراثية الثقيلة…
جزء كبير من مسؤولية هذا الفشل، تتحمله في الأساس، “نخبة” اختارت المواجهة المباشرة مع معتقدات الناس دون تدرج في الإفهام والإقناع، وخاطبتهم من أبراج عاجية شاهقة… وارتمت في كنف الاستبداد وتلميع الأنظمة الشمولية والاحتماء بها من التيارات السياسية المحافظة، آملة في التغيير من أعلى الهرم الطبقي، ناسية أو متناسية، أن هذه الأنظمة، ليس من شأنها الانتصار لقيم الحرية والديمقراطية، وإنما همها خلق توازنات اجتماعية وسياسية، تضمن لها الاستمرار في ظل التجاذبات والاستقطابات المستعرة بين مكونات المجتمع.

كثيرا ما يوصف المجتمع المغربي، على غرار باقي المجتمعات الناطقة بالعربية، بأنه مجتمع محافظ متشبث بدينه، نرجسي في التعالي به عن بقية الأديان، معتقدٌ بصحته وبطلان ما عداه من الأفكار والايديولوجيات.

هذا الوصف، عند إسقاطه على أفراد المجتمع ومحاولة معرفة صحته من عدمها، تجده يعبر بنسبة كبيرة جدا عن وجدانية الإنسان المسلم ورسوخ اعتقاده بيقينية الدين ومظلوميته و… أنه عائد في آخر الزمن ليحكم العالم ويسود كل الشعوب، وأن المجتمعات الإسلامية ما تأخرت إلا بإهمالها تعاليم الدين والابتعاد عن شعائره.

ورغم ما يطفو على السطح من مظاهر التمدن والحداثة، فهي أشبه ما تكون بمدن الملح وقلاع الرمال التي تذوب عند أول موجة من التساؤل أو النقد والتشكيك، مثيرة حفيظة الجماهير المتعطشة للتخوين واللعن والتكفير لكل متسائل أو متجرئ على تحريك المياه الراكدة وخلخلة النسق الفكري الذي بُني عليه المعتقد ونصوص الشريعة.

ومن مظاهر هذه المحافظة، أنك تجد الفنانين، الذين من المفترض أن يكونوا دعاة حب وسلام ومعبرين عن المشاعر الانسانية في أبهى تجلياتها، يعلنون عن رغبتهم في التوبة مما هم فيه من رجس وفسوق، بل منهم من أطلق لحيته وقصَّر قمصيه ولعن كل ماضيه، طالبا من الناس الإعراض عنه والدعوة له بالصفح والغفران.

بل حتى مرتادو الملاعب الرياضية والحانات يتبررون كل ما سنحت لهم الفرصة بحبهم للدين واستعدادهم للتضحية في سبيله، وأن ما هم فيه من ترفيه عن النفس… يرجون منه الأوبة وحسن الختام.

وقاصمة كل ادعاء بأن المجتمع قد قطع أشواطا كبيرة في التحضر، هو اكتساح الإسلاميين للانتخابات في كل المجتمعات الإسلامية، كأبرز مظهر للعقائد الثاوية في اللاوعي الجمعي التي لم تفلح كل محاولات العصرنة في تغييرها.

فلماذا فشلت محاولات التنوير وصمدت الإيدلوجيا الدينية في المنطقة الناطقة بالعربية؟!!

قبل الحديث عن فشل أساليب متبني الخطاب التنويري في إحداث التغيير المنشود، باعتبارها جوهر المشكل، والسبب الرئيس في أزمة الفكر والحداثة، وحتى نكون منصفين، لابد من الإتيان على ذكر باقي الأسباب التي أجهضت كل محاولات التحديث والقطيعة مع التركة التراثية الثقيلة، ولعل أبرزها، النظم السياسية السائدة، التي تجد شرعيتها في سيادة الفكر الديني، باعتباره شرطا وجوديا، يضمن استمراريتها، ويضفي عليها نوعا من القداسة، لتقف في وجه كل إصلاح يسائل شرعيتها ويدفع المجتمعات للتفكير المتحرر من كل القيود.

لكن يبقى هذا السبب، وإن كان يكبح سرعة تطور المجتمعات ويسعى للحفاظ على المكتسبات في ظل سيطرة الاستبداد والفكر الخرافي… ليس بمسوغ لهذا الفشل، إذ أن المجتمعات الحديثة كلها، خرجت من رحم التسلط السياسي وسيطرة الفكر الديني، لكنها نجحت في فرض رؤيتها وتحرير المجتمعات من قبضة الاستبداد ووصاية رجال الدين.

لهذا، فكل اللوم والعتاب يقع على كاهل المفكرين ودعاة الحرية، الذين أخفقوا في إيصال فكرهم لتعويض النسق الفكري العتيق. ولن نستطيع الإحاطة بأهم أسباب هذا الانفصام الذي حال بين أفكار النخبة وعامة الناس… ولكن سنكتفي بذكر ثلاث أسباب رئيسة:

1 ــ المواجهة المباشرة مع معتقدات الناس دون تدرج في الإفهام والإقناع، الشيء الذي تمخض عنه صدمة مجتمعية، تغذيها نوازع نظرية المؤامرة، دفعت المجتمع لمزيد من الانغلاق والالتفاف حول الأفكار الدينية، باعتبارها مستهدفة لصدقيتها ومستقبلها الواعد الذي تكفلت لها السماء بتحقيقه. هذه المواجهة المتسرعة والمحمومة للأفكار الدينية والمعتقدات السائدة، تشطر المجتمع لشطرين متناحرين وتقسمه لخطين متوازيين:

أقلية منعزلة، تعيش الحاضر وتُنَظر للمستقبل، وأغلبية غارقة في الماضوية، تعطي للمجتمع ملمحه العام وتصبغه بصبغة التخلف والمحافظة. وهذا أكبر خطأ ارتكبته الانتلجنسيا في المنطقة الناطقة بالعربية، في سعيها لتحرير المجتمعات ونشر الثقافة الإنسانية المبنية على المعرفة وجوهرية حقوق الانسان. فالأفكار الدينية نربيها في الوجدان ونغرس شتائلها في الوعي واللاوعي منذ الصغر، ونتعهد سقايتها ورعايتها بالتلقين، والتأكيد على رسوخها بالحجج، ونتكلف كل قشة لستر نقائصها وخداع ذواتنا بعقلانية خرافاتها. وكلما واجهتنا مشاكل في الحياة هرعنا لنبكي على أعتابها والبوح لها بأسرارنا. وكلما حاولت النفس أن تُعمل العقل للفحص والتمحيص، تعللت بوساوس الشيطان وحبائل النفس الأمارة بالسوء، واستدعت حجج الإعجاز البلاغي والعلمي والعددي لتستكين لواعجها وتصفو واحة يقينها من كدر الشكوك، ثم يُراد لها في لحظة أن تتخلى عن كل ذلك والنظر في وجه الحقيقة عارية معيدة نفس الأسئلة الوجودية، وجاعلة من القلق المعرفي معوضا عن الاستكانة العقدية.

التنوير… إن لم يفهم الشروط والمواضعات الاجتماعية، ويجعل من التدرج الممتد في الزمان، استراتيجية للتحديث والتطوير، سيظل كالغراب الذي أراد تقليد مشية الحمام… فلا هو نجح في تغنج الحمامة ولا حافظ على مشيته.
2 ــ النخبوية المفرطة ومخاطبة الناس من أبراج عاجية شاهقة، بحيث تظل أغلب النقاشات الفلسفية والأطروحات الفكرية، حكرا على طبقة مثقفة معينة، ووراء أبواب صالونات مقفلة بأقفال بورجوازية مترفعة عن النزول للشارع للاستماع لنبض الحارة والحومة والزقاق، لتجد نفسها متباكية عند كل محطة انتخابية، أو معزولة عن التيار الفكري الديني الجارف، تغرد خارج السرب. فكتب عابد الجابري وعبد الله العروي وجورج طرابيشي ومحمد أركون، وشعر أدونيس وغيرها من إسهامات رواد الحداثة، ظلت حبيسة الرفوف أو متداولة بين فئة قليلة، لا تصل إلى الأغلبية التي أُلِفت من أجلها، حتى تتمكن من تغيير أفكارها والتخلص من سطوة الموروث وأعراف المجتمع.

طبعا هناك عوامل كثيرة تحد من منسوب القراءة والاطلاع، كالانفصام بين لغة الشارع العامية ولغة الكتب الأكاديمية، لكن… تبقى علاقة النخبوية والشعبوية علاقة تَدافعٍ وتضاد، ولم تنجح النخبة المثقفة في توجيه الشعوب واستيعابها وجعلها محركا للتغيير المنشود. ومن نافلة القول، التذكير بالدعوة لإعادة النظر في التدريس والكتابة بالدارجة، باعتبارها لغة كباقي اللغات، حسب المعايير اللسانية، وليس لهجة كما يدعي مقدسو اللغة العربية، والنخبويون الذين إذا كتبوا، إما يغرقون في لغة عربية مُتَكلَّفة، يصعب فهمها حتى بين طلاب الجامعات، أو ينمقون كتبهم بفرنسية تضاهي أسلوب موليير. فهل يريدون بصنيعهم هذا تحديث المجتمعات العربية أو المجتمع الفرنسي؟!!

3 ــ الارتماء في كنف الاستبداد وتلميع الأنظمة الشمولية والاحتماء بها من التيارات السياسية المحافظة، آملة في التغيير من أعلى الهرم الطبقي، ناسية… أو متناسية، أن هذه الأنظمة، ليس من شأنها الانتصار لقيم الحرية والديمقراطية، وإنما همها خلق توازنات اجتماعية وسياسية، تضمن لها الاستمرار في ظل التجاذبات والاستقطابات المستعرة بين مكونات المجتمع، التي تلهي الشعوب عن الأسئلة المصيرية والمشاكل الكبرى.
لكن… رغم كل هذه الأسباب التي أوقفت سير التحديث، تبقى فجوة الضوء، التي فتحتها مواقع التواصل الاجتماعي، نقطة مفصلية ورجَّةً عنيفة، أطاحت بالكثير من المسلمات، وأعادت النظر في الكثير من الأفكار، وكشفت زيف أطروحات الكهنوت الديني. عقدٌ من الزمن في ظل الطفرة التواصلية والتكنلوجية، كان كافيا لتدرك الشعوب الناطقة بالعربية، أن نظرية داروين لم تسقط، وأن الإعجاز العلمي إزعاجٌ وترقيع، وأن البخاري وكتب التراث مليئة بالخرافات والعادات المنافية للذوق السليم، وأن الدول الغربية تعيش في سعادة وحرية وليس في ضنك وضيق.

عشر سنوات من تعميم وسائل التواصل، كانت كفيلة بوضع قطار المجتمعات على سكة التحديث والعصرنة، فهل ستركبه الإنتلجنسيا متجاوزة أخطاء الماضي؟ أم ستخلف الموعد، لتصبح جزءً من التاريخ؟

 

اقرأ أيضا:

. معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا

. من اليمن، حسين الوادعي يكتب: الفرق بين العلمانية والإلحاد الرسمي وتأميم الدين

. “الأصولية” في الإسلام: هل فاجأ الغرب المجتمعات الإسلامية بالحداثة وأخطأ تقديره للوقت الذي تحتاجه؟

. في حوار مع ”مرايانا”، عبد الكريم جويطي: المجتمع المغربي في عمومه يستمع للفقيه والعشاب والمشعوذ أكثر مما يستمع للمثقف

تعليقات

  1. أحمد مستاد

    مقال عميق ودقيق…لكنه يترك بعض المرارة في النفس..فنحن لن نخرج من وطأة المحافظة..على الأقل في الأمد القريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *