×
×

من أسلمة المعرفة إلى أسلمة الحياة: بناتُ الأفكار الإسلامية “الكارِثية” 3/3

“الإرهاب ليس ردًّا حضاريا على حرب يشنها الغرب على حضارة المسلمين وهويتهم ومعتقدهم، لأنه، وبحسب المنطق الإرهابي، قتال في سبيل الله تعالى، وسعي لأسلمة الحياة، وتعبير عن أكثر أشكال التعصب والعُدوانية”…

في الجزأين الأول والثاني من هذا الملف، رصدنا ملامح تضخم الذات العربية ونرجسيتها، بزعمها أنها الطرف الوحيد الأدرى بشؤونه المعرفية والجهة الوحيدة المخوّلة للإجابة عن كل التساؤلات العالقة، وذلك عبر “أسلمة” المعرفة.

في هذا الجزء الثالث والأخير، نستقرئُ خطورة أسلمة المعرفة والطّابع الشّمولي للفكرة الدّاعية إلى أسلمة الحياة جمعاء، وكيف ساهم هذا الخطاب الثقافي في تنمية منابع الإرهاب.

يمكنُ القول بأنّ أسلمة المعرفة والحياة، هو نموذج لفكر أحادي يبحثُ عن شتّى الحُلول، كالقول بأنّ “الإسلام هو الحل”، أو أنّه “لا تنمية بدون ديمقراطية”، أو بأنّ “الإسلام معادٍ للحداثة”، إلى غيرذلك من الشّعارات التي تمتحُ من فكر أحادي مغلق وتتعاملُ مع الأفكار والقضايا على نحو ثابت ومطلق.

وفق علي حرب، مؤلف كتاب “الجهاد وآخرته: ما بعد الأسلمة”، فإن الأحادية هي من أكبر العوائق التي تعرقلُ مشاريع الإصلاح والتنمية والبناء، لأنّها تقوم على تبسيط الواقع المعقّد، بقدر ما تتعامل بمنطق الثّبات والجمود والبطء مع ما هو محتمل ومتسارع.

النّتيجة، هنا، حسب حرب، هي الفشل والإخفاق والتراجع؛ فـ”الأجدى والأغنى مقاربة العالم بفكر مركّب وعمل تركيبي يأخذ بعين الاعتبار ما ينطوي عليه الواقع في مجالاته وقواه وجوانبه ومستوياته من التعدد والتداخل والتشابك والتراكب والتفاعل”.

إن “مشروع” الأسلمة، إن صريحاً أو ضمنياً، يتغذّى من الهويات الإسلامية، وهو ما يمكن أن ينميّ التفكير الإرهابي، على اعتبار أنّ الأمر لم يتمّ بنقد الذّات، بل بالاعتزاز بها وماضيها… وهنا يمكن أن تحدث الكارثة!

الأسلمة: شيءٌ من “الكارثة”!

في هذا الباب، يرى علي حرب أنّ معالجة الإرهاب تقتضي العودة إلى جذر المشكلة التي يهربُ العرب والمُسلمون من مواجهتها، كما تتجسّدُ في محاولة أسلمة الحياة المعاصرة وشيطنة الحداثة والعلمانية والغرب والعلم والعقلانية، وفق منظومة في التفكير والعمل تنتصبُ على خمسة أركانٍ أساسية، فصلهاعلي حرب في كتابه”الإنسان الأدنى، أمراض الدّين وأعطال الحداثة”.

لم يكن مشروع أسلمة المعرفة سوى أجوبة “نكوصية” على قضايا علمية ومعرفية محضة، في محاولة لتحييزِها للشّرق بعد أن وصفوها بكونها متحيّزة للغرب…

الرّكنُ الأول ينحصرُ في ذلك المعتقد الاصطفائي، الذي يزيّن لأهله أنّهم مُلاّكُ الحقيقة و”خيرُ أمّة أخرجت للنّاس” وسادةُ الخلق المعصومون من الخطأ والفرقة النّاجية.

الثاني، يتعلّق بمنهجٍ أصوليّ يقوم على عبادة النّص وتقديس السّلف بقدر ما يوهم أصحابه أنّ بإمكانهم التّماهي مع الماضي واستعادته حرفياً بكلّ ما فيه.

أمّا الركن الثّالث، فهو يتجلّى بوضوح في طرح الحاكمية الإلهية، لاحتكار المشروعية والنّطق زوراً أو عنوةً باسم الأكثرية من النّاس.

وبالنّسبة للرابع، فهو يمكنُ في استراتيجية الرّفض والإقصاء للمختلف، بالعمل على اتهامه ونبذه أو استبعاده وإلغائه.

وأخيراً، اللجوء إلى العنف أسلوباً ووسيلةً، لتحقيق الأهداف الطوباوية والمشاريع المستحيلة.

مثل هذه الأعمال الرّمزية العقائدية، ببنودها ومقرّراتها، يقول علي حرب، “لم تعد تصلح للاندراج في هذا العالم والعيش فيه بصورة سويّة أو التعاطي معه بصورة إيجابية وبنّاءة. بالعكس، إنّها تصنعُ الإرهاب بقدر ما ترتدّ على أصحابها وعلى المسلمين، خسائر ومهالك وكوارث”.

بهذا إذن… تكون الأسلمةُ والنّكوصية آلة خرابٍ، وهي بمثابة سببٍ في ما آل إليه الوضع في المنطقة وتفشّي الإرهاب و“الهويات القاتلة”، لأنّه، ببساطة، كل من يدعي امتلاك الحقيقة وصفاء الأصل ونقاء العنصر هو مشروع إرهابي. بل كل من يزعم أنّه يجسّد وحدهُ دون سواه قيم الحقّ والعدل والحرية والحضارة هو أيضاً مشروع إرهابي…

… فهل كان لزاماً وضع خطّة معرفية للنقد الذاتي من داخل التراث للاستمرار، بدل تقديس الذات والهروب من الحقيقة وإعلاء شعار أسلمة المعرفة والحياة؟

ما بعد الأسلمة: الخلاص في يد الثقافة!

لحدود اليوم، لازالت هناك دعوات لأسلمة المعرفة والحياة أيضاً، اقتداءً بما اعتبره بعض الباحثين، بـ”الرجعية الجديدة”، أي العودة إلى السلف بطرق حديثة وبمناهج معرفية “عصرية”.

يطرحُ عبد الله العروي في “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” تساؤُلا، ويقول: “هذا خطأ وذاك خطأ، وهل كُتب علينا أن نُصحّح دائماً خطأ بنقيضِه؟”

تكون الثقافة والمعرفة، هنا، قد لعبت دوراً واضحاً في تنمية التفكير الإرهابي، عبر تسخير المعرفة لأغراض دعائية وأيديولوجية “متأسلمة” و”أصولية”، تُبالغ في التشرنق على الذات والانغلاق وشيطَنة الغرب، كما يبيّن عبد الإله بلقزيز في كتابه “نهاية الدّاعية”.

من جهته، يتساءلُ علي حرب في كتابه “الجهاد وآخرته: ما بعد الأسلمة”: هل المثقف إرهابي؟

بالنسبة لحرب، فالإرهاب الجهادي هو ظاهرة مركبة، تتداخل في نشوئها عوامل عديدة: سياسية وأمنية، ومعيشية واقتصادية. لكن العامل الثقافي والفكري هو العامل الأهم، لماذا؟

لأن “الإرهاب الجهادي والانتحاري لا يصدر إلا عن عقيدة اصطفائية مغلقة، يرى صاحبها أنه ينطق باسم الإسلام الأصولي الصحيح والجهاد المقدس؛ دفاعاً عن الأمة ضد غزو الدول الغربية من الخارج؛ أو من أجل إصلاح الأمة وإعادتها إلى الصّراط المستقيم ومكافحة انحرافها من الداخل”.

لذلك يذهب الباحث عبد الحميد الأنصاري إلى أنّ “الإرهاب ليس ردًّا حضاريا على حرب يشنها الغرب على حضارة المسلمين وهويتهم ومعتقدهم، لأنه، وبحسب المنطق الإرهابي، قتال في سبيل الله تعالى، وسعي لأسلمة الحياة، وتعبير عن أكثر أشكال التعصب والعُدوانية”.

لا يتفق علي حرب مع وصفة دوبريه، الذي اعتبر الإرهاب فيتامين الضعفاء؛ بل يعتبرهُ، بالعكس، فيروسا قاتلا تم زرعه في العُقول من طرفِ الحركَات الأصُولية السّلفية، يجسده ثلاثةُ فاعلين على المسرح، الأوّل لاهوتي متكلم يجتهد ويشرع، والثّاني داعية يفتي ويكفر، والثالث جهادي يقتل وينفذ… ويستوي في ذلك أهل الخلافة وأتباع ولاية الفقيه.

فهو، بذلك، نسق فكري أصولي اصطفائي، يدعي أصحابه احتكار الحقيقة، ولهم مشروع للهيمنة على مختلف جوانب الحياة المجتمعية بما فيها العلم والمعرفة، وله أساسه ومنطلقه كما أن له وسائله وغاياته. الجهادي إنما يسعى لفرض شريعته، ويشنّ، من أجل ذلك، حربا شعواء على المختلِف والآخر في الداخل والخارج.

يُسفّه المؤّلف القراءات التي تعتبرُ أن ظاهرة الإرهاب الجهادي مردّها الاستعمار أو الاستبداد، أو إلى صدام الحضارات أو استراتيجيات التهميش والإقصاء؛ ويعتبرها، بالفعل، عوامل مساعدة، لكنها تتجاهل العامل الفِكري والثقافي الأساسي.

إن هذه القراءات لا تقلّ خطورة لأنها، في النّهاية، تعطي التّبريرات اللازمة لاستمرار ما تقوم به هذه المنظمات الجهادية.

هذا المنهج في القراءة، بدوره، من الخطورة بمكان، إذ إنّه، بموجبه، تمّ تبريرُ ما مارسه النّظام النّازي من أعمال القتل والإبَادة، بوصفهِا ردّة فعل ضد الحُلفاء الذين فرضُوا شُروطهم المذلة على ألمانيا بعد هزِيمتها، على سبيل المِثال.

في النهاية، وللخروج من أزمة الأسلمة، فالأمر، عند حرب، يتعدى المقاربات الأمنية والسياسية والاقتصادية، على اعتبار أن المنطقة العربية بحاجة إلى استراتيجية جديدة، تندرج في برامج التعليم من أجل العمل على تشكيل هويات مركبة، بأبعادها المتعددة… الوطنية والعالمية، الخصوصية والإنسانية، المحلية والكوكبية.

أخيراً، نخلصُ إلى أن “مشروع” أسلمة المعرفة، قد طفا إلى السّطح يحملُ معه “نقداً” لتحيّز الخلفيات النّظرية والمنهجية للعلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية. كما سعى إلى “نقد” مركزيتها الغربية أيضاً، فضلاً عن صفة الأحادية لتفسيرها، ودحض العلاقة القائمة بين المنهج وبين خلفياته المادية وإقصاء الوحي الإلهي.

ولكن…

في الحقِيقة، كل هذه لم تكن سوى أجوبة “نكوصية” على قضايا علمية ومعرفية محضة، في محاولة لتحييزِها للشّرق بعد أن وصفوها بكونها متحيّزة للغرب…

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *