×
×

اغتيال فرج فودة: حين يحاكم القاتل… قتيله!

“من المُؤلم أن نحدِّق بعُمقٍ في أنفسنا، لكنَّها الطريقة الوحيدة لتغيير المستقبل”(1)

نعم، إن الطريقة الوحيدة لتغيير المستقبل -على الرغم من الألم-، تتجلى في مواجهة الذات (الفردية/الأنا) بالتحديق بعمق في دواخل “النفس”… ولربما ينطبق الأمر نفسه على “الذات المسلمة” كـ (ذات جمعية/النَّحن)، إذ أنه من الضروري أن تواجه حقيقة أمرها اليوم، وأن تقف بجدية لتأمل الواقع المزري، وتستشرف مآلات المستقبل الخفي…

لا أدري لمَ أجدني، عند افتتاح المقال بتلك الكلمات من كتاب “ولاء أعلى من الصدق والكذب والقيادة”، أعود بالذاكرة إلى الوراء، حيث أرى دعوة فرج فودة، بعيد ذكرى اغتياله، تتماهى على نفس الشاكلة مع  المقولة أعلاه من خلال كتاباته الفكرية التي شغلت ولا زالت عقول أولي الألباب من مفكرين ونقاد، وصدمت “البُعبع الإسلامي” حتى ارتعدت فرائصه، ولم يجد من بدٍّ إلا الإرتكان للغة العنف والقتل حين عجز عن مقارعة الحجة بالحجة، ودرئ الفكر بالفكر، إذ إن هؤلاء “لا يملكون الحجة التي يردون بها على الفكر، ولا برنامجا سياسيا لحل مشاكل المجتمعات…الإغتيال وسيلتهم ضد معارضيهم”(2).

هذا ما دأب فرج فودة، طيلة سنين حياته الفكرية، على التنظير له، محاولا إقامة حد فاصل بين الإسلام كدين ينبغي أن ينأى بنفسه عن براثن السياسة في ظل دولة مدنية تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، وبين الإسلام السياسي كخطاب ديني_سياسي يقوم على الترويج للدولة الدينية في خلط سافر متعمد بين الديني من جهة، والسياسي من جهة أخرى

لم يكن فرج فودة بمنأى عن لغة الرصاص التي أصمَّت في لحظة ما آذان شارع أسماء فهمي بمصر الجديدة، والمنطلق من فوهة رشاش آلي نحو جسد “شهيد الكلمة” الذي أبى إلا أن يقول كلمته على الرغم من علمه علم اليقين من مآل تلك الكلمة، وأنَّه يهدف صدره لـ “بُعبعٍ إسلامي” كانت رصاصاته الحكم الفصل في صراعٍ فكري/أيديولوجي…

اعتبر البعض أن جريمة اغتيال فرج فودة قد تكون بمثابة إيذان لنهاية هذا الصراع، وخاتمة أجل “شخصية مُقلقة”… لكن هذه الجريمة الإرهابية أطلقت العنان، من حيث لا تدري، لفرج الفودة “الذات المفكرة” معلنة بداية أخرى من نوع آخر في طريق موغل نحو تجديد الخطاب الديني.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: هل كان لفرج فودة مشروع فكري؟

بالحديث عن الخطاب الديني، فإنه لابد من الإشارة إلى كون هذا الخطاب في حقيقته خطابٌ وضعي استلابي، يسلب من المُخاطَب شخصيته، ويغرر بالجماهير باسم الدين عن طريق الوعظ والإرشاد، ويتلاعب بالنصوص الدينية من أجل دغدغة المشاعر، وفرض سيطرته على الأدمغة.

من الجدير بالذكر أن الخطاب الديني يتمايز عن الدين بوصف الأخير منظومة شرائع وعبادات تعتمد على القرآن والسنة، أما الأول فخطاب سياسوي_مصلحي يسعى إلى تثبيت جذور الإسلام السياسي القاضي بإقامة الدولة الإسلامية باعتبارها فريضة شرعية وهدفا محوريا واستراتيجي.

هذا ما دأب فرج فودة، طيلة سنين حياته الفكرية، على التنظير له، محاولا إقامة حد فاصل بين الإسلام كدين ينبغي أن ينأى بنفسه عن براثن السياسة في ظل دولة مدنية تقوم على الفصل بين الدين والسياسة، وبين الإسلام السياسي كخطاب ديني_سياسي يقوم على الترويج للدولة الدينية في خلط سافر متعمد بين الديني من جهة، والسياسي من جهة أخرى.

فرج فودة: “لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم”

ولعل من أبرز ما جاء في هذا الخصوص مقتطف من كلمته عن موضوع: “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”؛ خلال المناظرة المقامة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في 7 يناير 1992، أي قبيل أشهر من اغتياله، وقد جمعته المناظرة كأحد مناصري الدولة المدنية مع الدكتور أحمد خلف الله، بينما يصطف على الجانب المقابل كل من الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي، مرشد جماعة الإخوان المسلمين، والدكتور محمد عمارة.

كان فرج فودة آنذاك بدأ في كلمته بالرد على ما دار من حديث دائر خلال أطوار المناظرة التي تميَّزت باحتدام الجدل، وبلغ تبادل الإتهامات فيها ذروته. لكن، أبى فرج فودة إلا أن يتابع كلمته: “لا أحد يختلف على الإسلام الدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة، رؤية واجتهاداً وفقهاً، الإسلام الدين في أعلى عليين، أما الدولة فهي كيان سياسي وكيان اقتصادي واجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم”.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: الأزهري الشجاع … والثلاثية العلمانية

ربما أراد فرج فودة ومن معه أن يفتحوا قنوات أخرى للنقاش حول مسائل فكرية وسياسية. لكن، في المقابل لم تكن تلك المناظرات سوى النقطة التي أفاضت الكأس؛ فمنذ إنتاجاته الفكرية الأولى أثارت كتابات فرج فودة حفيظة الإسلاميين، وخلقت جدلا واسعا بين المثقفين والمفكرين وحتى رجال الدين، وشنت جبهة علماء الأزهر والجماعات الإسلامية معاً حملة شرسة وصلت حد تكفيره والدفاع عن قاتله “بأنه لم يتورط في جريمة قتل، بل طبَّق حدود الله على المرتد” بحسب شهادة الشيخ محمد الغزالي في المحكمة.

في الحقيقة، إن الخطاب الديني، في جوهره، لا تمايز فيه بين “الخطاب المعتدل” و”المتطرف”… هما وجهان لعملة واحدة يشتركان في نفس المنطلقات والآليات؛ حيث إن كلاهما ينادي بتطبيق الشريعة بدعوى الحاكمية الداعية إلى تأسيس دولة ثيوقراطية، وينبذ في المقابل الدولة المدنية القائمة على العلمنة والمواطنة والديموقراطية. كما أن كلا الخطابين المذكورين يستمسك بالموروث الديني الماضوي على اختلاف نسبي في القراءة التأويلية للنص الشرعي، مع ما يصاحب ذلك من قطيعة مع الواقع الإجتماعي، وكذلك التشبع بفكرة توحيد الفكر والدين هذا التوحيد الذي يفضي إلى تمازج الإنساني بالإلهي ،ومن تم، تقديس أقوال واجتهادات من سلف وتقديمها في صورة حقائق مقدسة غير قابلة للنقاش.

الغزالي: “إن بقاء المرتد في المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس”

ولأن كلا الخطابين يشترك في خاصية التكفير، فقد نال فرج فودة نصيبه من غير نقصان؛ فسرعان ما انطلقت صيحات الاستهجان، بعد كلمته تلك، ومن هناك بدأت حملة التجييش الإعلامي ضد فكر الرجل وتصريحاته، حتى وصلت الرحلة إلى المحطة الأهم في الثالث من يونيو 1992، حين نشرت جريدة النور الإسلامية بيانا من ندوة علماء الأزهر، موقّعا من عدد من كبار الدعاة الإسلاميين في الدولة، يكفِّر فرج فودة.

ونظرا لأن المعلوم في الشريعة، أو على الأقل في عُرف الخطاب الديني، أن التكفير والحكم بارتداد شخص ما يساوي عمليا عند أنصار الخطاب الديني هدر دمه، فلم يتوانَ أنصار هذا الخطاب عن تنفيذ عملية القتل وإلباسها لبوس تطبيق (حد الردة) على فرج فودة انطلاقا من الفتوى الصادرة في حقه. بعد خمسة أيام فقط من بيان جريدة النور، وتحديدا في 8 يونيو 1992، انتظر شابان من الجماعة الإسلامية على دراجة بخارية أمام جمعية التنوير المصري التي كان يرأسها فرج فودة، بشارع أسماء فهمي بمصر الجديدة حيث مكتبه… في السادسة والنصف مساء، وعند خروجه من الجمعية بصحبة ابنه أحمد وصديق، أطلقا عليه وابل رصاص من رشاش آلي أرداه قتيلا.

لم تكن النهاية عند هذا الحد فحسب، بل تحولت محاكمة قاتليه إلى محاكمة لإدانته؛ حيث علَّق الشيخ محمد الغزالي على حادثة اغتيال فرج فودة بـ”بأنهم قتلوا شخصاً مباح الدم ومرتداً، وهو مستحق للقتل، ففرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم… وأن التهمة التي ينبغي أن يحاسب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الإفتئات على السلطة في تطبيق الحد”.

ثم يتابع الغزالي في نفس الصدد “إن بقاء المرتد في المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس”.

ليست كلمات الغزالي من الغرابة بمكان، إذ لطالما استطاع أنصار الخطاب الديني تحوير النقاشات، وتزييف الحقائق، وتحويل المحاكمات إلى ساحة إدانة للآخر المخالف. ما حدث مع فرج فودة حدث قبله مع محمد أنور السادات حيث استطاع دفاع قاتليه أن يحول المحاكمة إلى حلقة جدل فقهي حول مفهوم الحاكمية في الإسلام عندما أرادو إثبات أن عملية اغتيال السادات كانت قصاصاً شرعياً من حاكم (كافر) مهدور دمه (شرعا)، وتحولت محاكمة المتهمين بقتل السادات إلى محاكمة للسادات نفسه.

منذ ذلك الحين وقبله، ظل الخطاب الديني يعيش ويقتات على فكرة المظلومية، محاولا، دائما، وضع نفسه موضع الضحية، في مقابل تعليق المشانق للآخر المخالف، عن طريق شيطنته وتكفيره ومن تم إهدار دمه على مرأى ومشهد من المجتمع… ولأن الضعف سمة أنصاره، فقد كانت وسيلة الخطاب الديني في المواجهة (القتل).

صدق فرج فودة في وصفه: “الرصاص هو التعبير العنيف عن منتهى الضعف”.

__________________

(1) جيمس كومي، ولاء أعلى من الصدق والكذب والقيادة، ترجمة: أيهم أحمد، دار التنوير للطباعة والنشر، ص: 179.

(2) كلمات الشهيد شكري بلعيد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *