×
×

الأمن الروحي… مفهوم “مستحدث” لمواجهة التطرف أم حجر على حرية التعبير؟ 2/1

أثناء تنامي الظاهرة الإرهابية في العالم، سيطلق المغرب استراتيجية للنهوض بالشأن الديني، من أهم أهدافها توفير ما يسمى بـ”الأمن الروحي”، لكن أحداث منع كتب ولوحات من العرض في السنوات الأخيرة، جعل البعض يصف “الأمن الروحي” كذريعة أخرى لقمع حرية الرأي والتعبير.

في خضم الجدل الأخير الذي دارت رحاه حول منع كتاب “صحيح البخاري… نهاية أسطورة”، ولوحة “كاماسوترا” من العرض، يعود مفهوم “الأمن الروحي” إلى واجهة النقاش بالمغرب.

مفهوم الأمن الروحي الذي “استحدث” إبان تنامي الظاهرة الإرهابية في العالم، سيقود المغرب إلى إطلاق استراتيجية للنهوض بالشأن الديني، تعززها خطة “ميثاق العلماء”، وفي مقدمة أهدافها، توفير ما يسمى بـ”الأمن الروحي”.

لكن، وبعد الجدل الأخير، اعتبر البعض أن كل شعار الأمن الروحي، لا يعدو كونه فرصة أخرى لقمع حرية الرأي والتعبير، والدفع في اتجاه تضييق المجال على الحق في الاختلاف في القضايا التي تهم الشأن الديني، و توسيع مجال المقدسات والثوابت.

اقرأ أيضا: ما بين الاستباق الأمني وتحديث الشأن الديني.. المغرب في مأمن من الإرهاب اليوم، لكن…

ثم إن هذا المفهوم، بهذا المعنى حسب آخرين، يختزل نفسه في الدين وحده، بل ويقصي المغاربة الآخرين الذين لا يدينون نهائيا أو يدينون بديانات أخرى غير الإسلام، أو حتى لا يتبعون “الثوابت الرسمية”، من مذهب مالكي وفقه أشعري وتصوف جنيدي.

في هذا الملف، سنحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة. ماذا يعني مفهوم “الأمن الروحي”؟ ما علاقته بالتصوف المغربي؟ كيف تستخدمه الدولة لمواجهة التطرف؟ هل يتعارض مع حرية الرأي والتعبير؟ هل الأمن ضرورة تستوجب الحد من هذه الحرية؟ وما المؤاخذات التي تؤخذ عليه؟

“الأمن الروحي”

يشير محمد الطاف[1]، إلى أن مفهوم الأمن في المجتمع فطرة إنسانية وجد عليها الإجماع، فمتى وجدت جماعة من الناس، فإن سلطة حاكمة يجب أن تقوم فيهم لترعى مصالحهم، ولتعمل من أجل بقائهم وتقدمهم. هكذا فالأمن يعتبر من أهم مطالب الحياة، بل لا تتحقق مطالبها إلا في ظل توفره.

يبدو أن مفهوم “الأمن الروحي” كما يشير إلى ذلك الباحث الأكاديمي، ادريس جنداري، مفهوم ابتدعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتسوقه وزارة الداخلية”؛ ذلك أن الانسجام الذي ميز المغاربة طيلة قرون، “بدأ يدخل في التفكك” حسب ذات الباحث، وذلك ما توحي به الأحداث الدامية التي مست أمن الدولة والمجتمع، ففرضت على أجهزة الدولة الاستنفار الكامل والمستمر.

ليس هناك من تعريف محدد للمقصود بالأمن الروحي، وعلى ذلك، يظل مفهوما فضفاضا. لكن كلمة أمن وردت في مواضع عدة في القرآن، كلها تعني السلامة والاطمئنان النفسي، وانتفاء الخوف من حياة الإنسان، أو مما تقوم عليه حياته من مصالح وأهداف وأسباب ووسائل، سواء كفرد أو كمجتمع.

من قبيل ذلك، “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا”[2]، و” ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ”[3]، و” وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا”[4].

اقرأ أيضا: موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: إمارة المؤمنين، حكاية البدايات..

يبدو أن مفهوم “الأمن الروحي” كما يشير إلى ذلك ادريس جنداري[5]، هو مفهوم ابتدعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتسوقه وزارة الداخلية”. ذلك أن الانسجام الذي ميز المغاربة طيلة قرون، “بدأ يدخل في التفكك” حسب ذات الباحث، وذلك ما توحي به الأحداث الدامية التي مست أمن الدولة والمجتمع، ففرضت على أجهزة الدولة الاستنفار الكامل والمستمر.

في هذا الصدد، يرى منير القادري بودشيش[6]، أن الأمن الروحي “يتأتى في ظل مقاربة صوفية للأخلاق، يكون السلوك الظاهري فيها موافقا للباطن، والعمل يصدر تلقائيا عن القلب سواء كان التزاما فرديا أم التزاما مع الجماعة”، مفسرا ذلك بأن “الأخلاق في المنظور الصوفي، تمتاز بكونها مشدودة إلى معاني روحية ربانية، وموصولة بمصدر علوي يؤمنها من الانعطاف والانحراف”.

علاقة “الأمن الروحي” بالتصوف

في الواقع، بدأت الصوفية كتجارب شخصية، ولم يقبل عليها إلا قلة؛ فكانت أشبه ما يكون بحركة نخبوية. ثم، مع القرن الخامس للهجرة، تحولت إلى حركة اجتماعية فبدأت تتسع رقعتها في الأوساط العامة، إلى أن صارت ظاهرة شعبية مع بدايات القرن الحادي عشر.

ويؤكد أحمد غاني[7]، أن “الطرق الصوفية أحد أهم أركان قواعد بناء المجتمعات الآمنة في نفوسها وفي سربها”.

اقرأ أيضا: محمد علي لعموري يكتب: بأي ذنب قتلت؟: أسئلة حول رسالة الإرهاب إلى المغرب

في بحثه عن التصوف والأمن الاجتماعي، يخلص محمد الطاف، إلى أن الأمن الحضاري لا يمكن أن يتحقق دون أمن روحي، والأخير يستوجب الأخلاق وهذه ترتكز على الدين، فالدين في أسمى معانيه، خلق، وتكامل بين الروح والجسد والقلب والعقل، ثم إذا خلت الساحة من التصوف “ملئت بالتطرف والإرهاب”.

الطرق الصوفية بهذا المعنى، جاءت استجابة لحاجة البناء الروحي والاجتماعي في آن واحد.

ويشير عبد السلام أحمد فيغو[8]، إلى أن التصوف المغربي “كان له دور كبير في استتباب الأمن الروحي لدى المغاربة وفي ترسيخ الوحدة بينهم”، ذلك أنه، حسب ذات الباحث دائما،  قد “جعل المغرب، عبر تاريخه، بفعل تذوقه للفكرة الصوفية آمنا مطمئنا، يرفل في حلل الوئام والاستقرار، من خلال تمسكه بالثوابت من عقيدة أشعرية، وفقه مالكى، وتصوف سني”، وهو بذلك “رصيد معنوي نفيس”.

اقرأ أيضا: العكاكزة: قصة طائفة مغربية جعلت من الجنس الجماعي وزواج الكبيرة بالصغير طقوسا تعبدية 1\3

أما الإمام أبو القاسم الجنيد، الذي تتفرع عنه الطرق الصوفية بالمغرب، فقوله في التصوف هو ذا: “كل الطرق مسدودة على الخلق، إلا من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام”، بل إن “من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة”.

في الجزء الثاني… ما التعديلات التي أدخلتها الدولة على الشأن الديني لتوفير “الأمن الروحي”؟ هل يعد ذلك حجرا على حرية الرأي والتعبير؟ ثم ما المؤاخذات العامة التي يطرحها المختصون على المفهوم؟

لقراءة الجزء الثاني: الأمن الروحي: ما بين مواجهة التطرف ومؤخذات بإقصاء المختلف 2/2


[1]  أستاذ محاضر بجامعة بنجاب، باكستان، عن مقال بعنوان “دور التصوف في الأمن والسلام الاجتماعي”.
[2]  سورة البقرة، الآية 125.
[3]  سورة يوسف، الآية 99.
[4]  سورة النور، الآية 55.
[5]  كاتب وأكاديمي مغربي، عن مقال بعنوان “مفهوم الأمن الروحي و ترسيخ الخصوصية الروحية المغربية”.
[6]  باحث مغربي في التصوف، عن مقال بعنوان “من الأمن الروحي إلى الأمن الحضاري”.
[7]  أستاذ باحث في أصول الفقه.
[8]  أستاذ جامعي ورئيس المجلس العلمي المحلي لفحص أنجرة، عن مقال بعنوان “التصوف السني الملتزب بالثوابت ومدى مساهمته في الأمن الروحي بالمغرب”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *