×
×

أبو القاسم الجنيد، منبع الصوفية في المغرب

للمغرب ثوابت دينية قد تكون راسخة في التاريخ، وهي أساسا كما تتداول اليوم لدى العامة، إمارة المؤمنين والمذهب المالكي في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة. لكن، إذا عدنا إلى فقيه …

للمغرب ثوابت دينية قد تكون راسخة في التاريخ، وهي أساسا كما تتداول اليوم لدى العامة، إمارة المؤمنين والمذهب المالكي في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة. لكن، إذا عدنا إلى فقيه القرويين ابن عاشر في منظومته “المرشد المعين”، فإننا نجده يصف في بيت شعري الثوابت المغربية قائلا: “في عقد الأشعري وفقه مالك … وفي طريقة الجنيد السالك”. فما الذي يقصده بطريقة الجنيد هذه؟

يتبنى المغرب رسميا طريقة الجنيد في التصوف إلى جانب ثوابته الأخرى؛ والجنيد هذا، واسمه الكامل أبو القاسم الجنيد، متصوف ولد في بغداد في القرن الثالث للهجرة، كان يوصف لدى معاصريه بـ”طاووس العلماء” و”سيد الطائفة الصوفية”. لكن… ما الذي أتى بطريقته في التصوف إلى المغرب؟ ولماذا تبناها الأخير؟ ومن يكون الجنيد نفسه قبل ذلك؟

من هو أبو القاسم الجنيد؟

اسمه أبو القاسم الجنيد النهاوندي البغدادي القواريري، ولد ببغداد ذات يوم من العقد الثالث للقرن الثالث للهجرة. أصله من نهاوند، ولذلك يكنى بالنهاوندي البغدادي. أما لقب القواريري، فأخذه عن أبيه لأنه كان يبيع الزجاج. ويعد الجنيد من علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف، بل و”سيد الطائفة” و”طاووس العلماء” عند بعضهم.

يذكر المؤرخون أن بغداد قد خرجت عن بكرة أبيها يوم وفاته، وأن عدد مشيعي جنازته قد قدر بستين ألفا

صحبة الجنيد لخاله “السري السقطي” الذي يعتبر أحد أشهر الأئمة الصوفيين في عصره، وتفقهه على يدي أبي ثور، صاحب الإمام الشافعي وراوي مذهبه القديم، جعلا من الجنيد يبلغ في الدين مبلغا عظيما حسب معاصريه، حتى أنه كانت لديه مجالس يفتي فيها وهو ابن العشرين عاما،  ليذيع صيته في الأوساط الفقهية في عصره.

وفق باحثين في الصوفية، فإن الأخيرة تشكلت منذ ظهورها في اتجاهين: اتجاه عرف بمدرسة السلوك والأخلاق ويعد الجنيد من بين أعلامه؛ ثم اتجاه آخر عرف بالتجريد والتحدث في الحقائق، ويلحق به البسطامي والحلاج وآخرون. ويذكر الحافظ الخطيب البغدادي أن الحلاج قد جاء إلى الجنيد يسأله فلم يجبه، وقال “إنه مدع”. وأضاف الحافظ أن الجنيد قال للحلاج في الأخير: “لقد فتحت في الإسلام ثغرة لا يسدها إلا رأسك”.

عُرف عن الجنيد أنه كان يرفض الصوفية كنوع من اعتزال الناس والانكفاء على الذات والهرب إلى شعب الجبال بعيدا عن أعين الآخرين وهمومهم، وإنما كان يشارك في الحياة العامة مؤثرا فيها، له مجلس خاص به يلقي فيه الدروس ويفتي مُعينا الناس على دينهم ودنياهم. وقد تخرج على يديه عدد من “العلماء” آنذاك، كأبي محمد عبد الرازي وأبي بكر الواسطي وعمر بن عثمان المكي وغيرهم.

الجنيد كان يرى أن مخاطبة الناس يجب أن تكون على قدر عقولهم، وأن الجواب يكون على قدر السائل لا على قدر المسائل

انتماء أبي القاسم للسلوك الديني الإسلامي كان سابقا على انتمائه الصوفي، وهو ما جنبه أحكام التكفير والزندقة التي لحقت بأغلب المتصوفة، بحيث أن الإشارة تبدو منعدمة إلى شيء من هذا القبيل في أغلب المراجع التي تؤرخ للصوفية. وفي هذا يقول الجنيد كما ورد في “حلية الأولياء” لأبي النعيم الأصفهاني: “علمنا مضبوط بالكتاب والسنة. من لم يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ولم يتفقه، لا يقتدى به”. كما يقول في موضع آخر عن رؤيته للتصوف: “التصوف هو اجتناب كل خلق دني واستعمال كل خلق سني، وأن تعمل لله ثم لا ترى أنك عملت”.

بعض المراجع التي تروي سيرة الجنيد و”كراماته”، تورد على لسانه أن خاله السقطي أمره بالتكلم أمام الناس، غير أن الجنيد كان خجولا ولم يقدر على ذلك. في الليلة نفسها، رأى الجنيد في المنام الرسول محمد، فقال له تكلم على الناس، فقام مسرعا إلى بيت السقطي فروى له ما رأى، فقال له الأخير: لم تصدقنا حتى قيل لك. هكذا، انتشر في الناس غداة ذلك أن الجنيد يتكلم بالجامع، فوقف عليه غلام نصراني متنكرا وقال له: “ما معنى قول رسول الله: اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله؟”، فأطرق الجنيد رأسه ثم رفعه وقال: “أسلم فقد حان وقت إسلامك. فأسلم”.

“كان شيخ العارفين وقدوة السائرين وعلم الأولياء في زمانه، رحمة الله عليه”

أقر الكثير من رجال الدين بمنهج الجنيد في التصوف، كالحافظ الذهبي الذي يقول عنه في كتاب “تاريخ الإسلام”: “كان شيخ العارفين وقدوة السائرين وعلم الأولياء في زمانه، رحمة الله عليه”. أما ابن المنادي فيقول فيه: “سمع الكثير وشاهد الصالحين وأهل المعرفة ورزق من الذكاء وصواب الإجابات في فنون العلم، ما لم يُر في زمانه مثله عند أحد من أقرانه، ولا ممن أرفع سنا منه، في عفاف وعزف عن الدنيا وأبنائها”.

توفي أبو القاسم الجنيد في بغداد سنة 297 للهجرة، ويقال إن الوفاة قد حضرته وهو يتلو القرآن فقيل له لو رفقت بنفسك، فأجاب: “ما أحد أحوج إلى ذلك مني الآن وهذا أوان طي صحيفتي”. يذكر المؤرخون أن بغداد قد خرجت عن بكرة أبيها يوم وفاته، وأن عدد مشيعي جنازته قد قدر بستين ألفا، وأنه دفن بمقبرة “الشويتيرية” بجوار خاله السقطي السري.

لماذا طريقة الجنيد في التصوف؟

يجيب مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة، التابع للرابطة المحمدية للعلماء، عن سؤال ارتباط التصوف المغربي بأبي القاسم الجنيد، فيقول إن غاية التصوف الأولى في المغرب هي التحلي بـ”الأخلاق المحمدية”، حرصا على “التسنن الكامل قولا وفعلا وحالا بسيرة رسول الإسلام محمد”. لذلك اختار “المغاربة في ممارستهم للتصوف المنحى السني الأخلاقي، والذي يرمز له بالإمام الجنيد، عوض الاتجاه الصوفي الآخر الذي عرف بالتجريد والتحدث في الحقائق، التي لا تدركها العقول”.

بهذا المعنى إذن، فإن التصوف في المغرب “التزام تام بالشريعة الإسلامية من أجل الوصول إلى مقام الإحسان الذي يعد لب الإيمان وروحه وكماله”. والاقتداء بالجنيد في هذا الباب يأتي حسب ذات المركز، لثلاثة أسباب أساسا، أولها “إجماع العلماء على تقدم الجنيد في علميْ الشريعة والحقيقة”؛ ثم لأنه “صاحب مدرسة صوفية انخرط في سلكها جمهور العلماء والناس على اختلاف مراتبهم”. وفي الأخير، لأن التصوف الذي يدعو إليه الجنيد هو “التصوف الأخلاقي الذوقي”، فيما ينبذ التصوف المبني على “الإغراق والتحدث في الحقائق التي لا تدركها العقول”.

“في أجواء هذا التصوف يتعلم الناس المودة والرحمة والصبر، كما أن إشعاعه امتد عبر قرون إلى آفاق القارات”

أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أكد في محاضرة ألقاها في سلسلة الدروس الحسنية سنة 2012، أن تبني تصوف الجنيد جاء لما له من “عظيم الأثر على الكيان الجمعي والأخلاقي والحضاري، كما أنه أثمر نماذج بشرية راقية سواء من العامة أو العلماء”. ولفت الوزير ذاته إلى أنه “في أجواء هذا التصوف يتعلم الناس المودة والرحمة والصبر، كما أن إشعاعه امتد عبر قرون إلى آفاق القارات، لا سيما عبر شرايين الطرق الشاذلية والقادرية والتيجانية”.

في هذا السياق، يقول الباحث المغربي حسن جلاب[1]: “تتجمع أسانيد الطرق الصوفية المغربية عند الجنيد لتتفرع بعد ذلك، إذ لا نكاد نجد طريقة لا تتصل بها إلا نادرا، وحتى في هذه الحالة غالبا ما تتوفر هذه الطريقة على سند ثان يوصلها إلى الجنيد، وتفسر هذه الظاهرة بحرص الطرق الصوفية المغربية على أن تكون سائرة على نهج السنة المحمدية لشهرة الجنيد بذلك”.

يورد الباحثان المغربيان ربيعة سحنون وطارق العلمي في كتابهما “منهج الإمام الجنيد في السلوك وخصائص الممارسة الصوفية بالمغرب”، أن الجنيد كان يرى أن مخاطبة الناس يجب أن تكون على قدر عقولهم، وأن الجواب يكون على قدر السائل لا على قدر المسائل. فكان منهج الجنيد في تعامله مع “الحقائق” إبعادها على من ليست له أهلية تقبلها؛ بل الإنكار على من يفشي ذلك، كما فعل حين أشاع الإمام الشبلي هذه العلوم بين العامة، فقال له: “نحن حبرنا هذا العلم تحبيرا ووضعناه في السراديب، فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ”.

إذا كان من المعروف أن الطرق الصوفية تخضع في عمومها لمبادئ العلم والعمل بالأحكام الشرعية واتخاذ النموذج والقدوة ، فإن طريقة الجنيد في التصوف تتميز بتوجهها الأخلاقي واهتمامها بالجانب العملي والسلوكي، دونما تغليب لحقائق المعرفة الصوفية أو اعتداد بما يسمى بالكرامات السنية، وإنما بما يفيد تقرب المسلم من ربه وما تقتضيه أحوال عيشه.

على هذا الأساس، يشير الكتاب نفسه، إلى تميز الخطاب الصوفي بالمغرب بكونه “بسيطا وواضحا وبعيدا عن التعقيد، ويغلب عليه جانب الممارسة أكثر من جانب التجريد والتنظير العلمي”.

[1]  عن مقال منشور بموقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بعنوان: “من أعلام التصوف المغربي: محمد بن سليمان الجزولي”.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *