×
×

محمد شحرور… المفكر الإسلامي الذي نظر للقرآن بعيون القرن الحادي والعشرين! 1/3

محمد شحرور تفوّق على دعوات تجدِيد النصّ الدّيني، حين انتقل من المطالبة الفضفاضة السائدة، إلى إخراج فعليٍّ لقراءات جديدة من رحمِ هذه الأمّة، التي يعتبرها شحرور متخلّفة دينياً ودنيوياً وذات فكر أحادي يقصي كل الطّوائف الأخرى ولا يقبل التعددية والاختلاف …
مرايانا تقرأ لكم أهم أفكاره وطروحه.

كان مجيئهُ للمشهد الفقهي الإسلامي في نهاية القرن الماضي، بمثابة رجّة للفقهاء الذين كانوا يقتاتون من “فتاوى” العصرين الأموي والعباسي. لكنّه تجاوزهم بأنسنته للنّص الديني ومحاولة تجريده من كل الشوائب “السياسية” التي لحقت التأويل النّصي فيما يتعلق بالجهاد والإرث واللباس…

الحديث هنا عن محمد شحرور، المفكر الإسلامي الذي قضّ مضجع “الأئمة” و”الفقهاء” في شتّى المذاهب الإسلامية.

محمد شحرور تفوّق على دعوات تجدِيد النصّ الدّيني، حين انتقل من المطالبة الفضفاضة السائدة في السّاحة، إلى إخراج فعليٍّ لقراءات جديدة من رحمِ هذه الأمّة، التي كان شحرور يعتبرها متخلّفة دينياً ودنيوياً وذات فكر أحادي يقصي كل الطّوائف الأخرى ولا يقبل التعددية والاختلاف…

مرايانا تقرأ لكم أهم أفكاره وطروحه.

من هو محمد شحرور يا ترى؟ وكيف ساهمت قراءته للقرآن في أنسنة النصّ الديني؟

محمد شحرور.. منذ الصّرخة الأولى!

       محمد شحرور

ولد محمد شحرور في دمشق بسوريا عام 1931، ونشأ في عائلة متوسّطة حيثُ كان والده صبّاغاً.

سافر إلى الاتحاد السوفياتي في بعثة لدراسة الهندسة المدنية سنة 1959، ثم إلى جامعة دبلن بإيرلندا عام 1968 للحصول على شهادتي الماستر عام 1969، والدكتوراه سنة 1972 في الهندسة المدنية، اختصاص ميكانيك تربة وأساسات.

بعد ذلك، عُين مدرساً في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق في نفس السنة، لمادة ميكانيك التربة، ثم أستاذا مساعداً…

بذلك، يكون محمد شحرور مهندساً قبل أن يكون دارساً للقرآن.

في أحد حواراته، قال شحرور إنّه، عندما ذهب لروسيا ودرس اللغة الروسية وفهم النصوص هناك، تساءل كيف أنه قضى عمره يقرأ القرآن ولم يفهمه يوماً؛ فتأكّد، كما يروي، من أنّ ثمّة إشكالا بنيويا في تعليم يلقّن أكثر ما يبني جهازاً مفاهيمياً لدى التلاميذ، يخوّل لهم فهم الدّلالات المتنوّعة!

سأل الألباني، وفق ما يحكيه ابنه: أنت كنت دائما تفتي، ولكِنّك لم تقل لنا يوماً ما الفرق بين الكتاب والقرآن ولم تشرح لنا آية أو تفسّرها! فردّ الألباني “أنت تتبع ابنك، وسيأخذك للنّار”.

بذات المنطق، دخل شحرور غمار الفكر الديني والرغبة في تمحيص التّراث عام 1990، حين أصدر كتاب “الكتاب والقرآن”، فحاول عبر هذا الكتاب مساءلة نصّيةِ للقرآن، بتطبيق مناهج لغوية لتجديد الخطاب الدّيني، متحرراً من كل القراءات السّالفة.

ويحكي المهندس والمفكّر أنّه، بعد صدور كتابه في التسعينات، كان والده لازال حيّا. قرأ والده، ذو الفِكر السّلفي، الكتاب، فأعجِب بتفسيرات ابنه، فحمل مؤلّف “الكتاب والقرآن” وراح به إلى محمد ناصر الدين الألباني، الذي كان والد شحرور يوفّر له مكاناً للقيام بدروس دينيةٍ في الماضي، فسأل الألباني، وفق ما يحكيه ابنه: أنت كنت دائما تفتي، ولكِنّك لم تقل لنا يوماً ما الفرق بين الكتاب والقرآن ولم تشرح لنا آية أو تفسّرها! فردّ الألباني “أنت تتبع ابنك، وسيأخذك للنّار”.

ما حالَ بين تحديث التراث وإعادة قراءته، هو تلك النظرة القُدسية التي يسبغها البعضُ على التراث بأجمعه وعلى أهل التراث بأجمعهم

يوضّحُ هذا أنّ محاولة الاجتهاد والخروج عن أفكار السّلف جريمة “دينية”، عقابها النّار، وحسمت في شأنها جلّ التيارات الإسلامية، التي اعتبرت شحرور ملحدا… وأنّه اعتنق الفكر الماركسي!

شحرور والخدعة الكُبرى!

لا يؤمن شحرور بالوساطة التي قد يقيمها قارئ النص، ومُؤَوّلهُ، بين النصّ والفرد المسلم، على اعتبار أنّ العقل العربي عقل قياسي، يحتاج دائماً إلى أصل الفتوى لينطلق منها ولا يستطيع إنتاج فتوى ملائمة للعصر الحالي.

من هذا المنطلق بالذّات، يرى المفكّر أن التفسير الأموي والعباسي للدين، أسقط الأمّة العربية كاملة في خدعة كبرى، وهي… بني الإسلام على خمس!

يحاول شحرُور في هذَا البَاب أن يفرّقَ بينَ الإسلام والإيمان، فيخلصُ أن الإسلام متقدم على الإيمان وسابقُ له، وأن المسلمين ليسوا أتباع الرسول محمد حصراً. [1]

السؤال الكبير، الذي يطرحه المُشرّحُ للنصّ، هو… إن كانت الشهادة برسالة محمد والشّعائر من أركان الإسلام، فكيف يصحّ إسلام فرعون وهو لم يلتقِ سوى بموسى، وإسلام الحواريين وهم لم يعرفوا سوى المسيح عيسى بن مريم، وإسلام غيرهم من الأمم التي يرد في القرآن أن الله أرسل إليهم أنبياء، ولم يسمعوا حينئذٍ برسالة محمد ولم يصوموا رمضان ولم يحجوا البيت؟ [2]

لا يكتفي شحرور بإبداء آرائه خارج النصّ، بل يستدلّ بالكثير من الآيات على أي طرح مغاير للسائد يأتي به، ويعرّف الفِرق والطوائف وخبايا الدلالات القرآنية، وفق منظوره الخاص، كمفكّر مجدد، لا يتقيّد بالثابت.

يعتقد شحرور، في ما ورد في الكثير من الآيات التي يستدلّ بها، أنّ الإسلام هو التّسليم بوجود الله وباليوم الآخر… فإذا اقترن هذا التسليم بالعمل الصالح والإحسان، كان صاحبه مسلماً، سواء أكان من أتباع محمد (الذين آمنوا)، أو من أتباع موسى (الذين هادوا) أو من أنصار عيسى (النصارى) أو من أية ملة أخرى غير هذه الملل الثلاث كالمجوسية والشيفية والبوذية (الصابئين). [3]

عرف شحرور بدفاعه، في كثير من حواراته وكتبه، على طرحه، الذي يعتبر أنّ ما حالَ بين تحديث التراث وإعادة قراءته، هو تلك النظرة القُدسية التي يسبغها البعضُ على التراث بأجمعه وعلى أهل التراث بأجمعهم؛ إلى حدّ وجد ابن عبد البر نفسه في طريق مسدود، وهو ينظر في آيات الوضوء والتيمم، ويحاول الوصول إلى حل منطقي لها لترتيب نزولها، لا يتعارض في الوقت نفسه مع كل ما قيل قبلهُ… فقال عبارته المشهورة: إنّه الداء الذي لم أجد له دواء!

لكنّ هذا كله لم يثن محمد شحرور عن محاولة استنطاق النصّ القرآني، ليقول ما يفهمه المفكر ذاته من ذات النصّ، في ضوء الأرضية المعرفية وفي ضوء ما تراكم من علوم حضارية وإنسانية حتى نهاية القرن العشرين، في انسجام مع الواقع الموضوعي السائد…

فما هي إذن أقوال محمد شحرور في الإرث والقوامة والتعددية الزوجية والمساكنة، باعتبارها مواضيع شائكة، اليوم، ومطروحة على الفقه الإسلامي؟

الإجابة في الجزء الثاني.

[1] شحرور محمد، الإسلام والإيمان، منظومة القيم، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *