×
×

جورج طرابيشي… أن تنذر حياتكَ لإيقاظ العقل العربي

عزاءُ المكتبة العربيّة أنّه ترك إرثا ثقافيا يستحق أن يوصف بالضخم… نتحدّث عن حوالي مائتي كتاب تتراوح بين ما ألّفه وترجمه.

رحل جورج طرابيشي في باريس، في الـ16 من مارس/آذار 2016، عن عُمر ناهز 76 عاما…

رحل في صمت دون أن تُحدث وفاته أي جعجعة، كما يرحل أي مُفكّر في المنطقة “العربيّة”.

رحل وقد استفرد الوطنُ، سوريا، بالجعجعة التي أدخلَته والسوريين جميعاً في طورٍ من الألمِ قاتلٌ.

وحدهم روّاد المكتبات قد يعون اليومَ الفراغَ الذي خلّفه رحيل جورج.

عزاءُ المكتبة العربيّة أنّه ترك إرثا ثقافيا يستحق أن يوصف بالضخم… نتحدّث عن حوالي مائتي كتاب تتراوح بين ما ألّفه وترجمه.

دونا عمّا كتبه كمفكّر وناقد، وأبرزه ما خصّص لسِجاله مع محمد عابد الجابري، فقد أثرى طرابيشي المشهد الثقافي العربي بترجمة كثير من الأعمال الغربية.

ماركس، لينين، سارتر، دو بوفوار، هيغل، غارودي… بعضٌ ممن نقلهم جورج إلى اللغة العربية. أمّا أوفرهم حظا، فكان عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد.

نشأ جورج طرابيشي مُفرطاً في تديّنه. كان يؤدي واجباته الدينية بحساسيّة كانتْ محطّ سخرية حتّى أخيه الأصغر.

لكنّه في الـ14 من عمره… ترك المسيحية!

تعرّف جورج إلى فرويد في واقعة طريفة، ربّما هيّأت أسباب هذا الولع بترجمة مُجمل أعماله.

كان جورج إذ يجلس ليأكل، يُمزّق رغيف الخبز فتاتا في عادة يظهر أنّها مكروهة في سوريا.

تنهره زوجته ويَعِد بألّا يُعاودَ. لكنه ينسى ويُمزّقه لاشعوريا في كل مرّة.

ذات يومٍ، صادفَ مقالا لأحد تلامذة فرويد يحكي عن هذه الظاهرة النفسية. يقول إنّها تمزيق لاإرادي ولاشعوري للأب.

“أنا إذن أُمزّق أبي!”. أصابه المقال برجفة لأنه كان في صِدام مع أبيه أثناء المراهقة. ومنذ ذلك الحين، انفتح على التحليل النفسي وأخذ يقرأ لفرويد ثم شرع يُترجم أعماله.

رأى جورج طرابيشي النورَ عام 1939م في كنف أسرة مسيحية تسكن مدينة حَلَب.

نشأ مُفرطاً في تديّنه. كان يؤدي واجباته الدينية بحساسيّة كانتْ محطّ سخرية حتّى أخيه الأصغر.

لكنّه في الـ14 من عمره… ترك المسيحية!

لهذا التحوّل الجذري قصّةٌ يحكيها في أحد مقالاته الأخيرة. كان يدرّسه في الإعدادية أيامها كاهنٌ دينيّ صارم الطبع.

في آخر حياته، اعترف جورج طرابيشي بأنّ للجابري يدا في ما صار إليه، إذ أرغمه على إعادة بناء ثقافته التراثية.

أخذ الكاهن ذات يوم يشرح درساً، فقال إنّ الطائر لو مسحَ على كرة أكبر من الكرة الأرضية بمليون مرة، أذابَها ولا يذوب “عذابكم في جهنّم إذا مُتم في حال الخطيئة”.

رَوّع هذا التشبيه جورج. في طريقه إلى البيت، شاهدَ ثلاث فتيات إيطاليات “جميلات جدا”، فتذكّر وصية اللاهوت المسيحي “لا تشتهِ امرأة غيرك”.

كان الكاهنُ في الواقع يركّز على هذه “الخطيئة الفكرية” لعلمه كيف يفكر الصبيان في المراهقة.

حاول جورج أن يطردَ الفتيات من ذهنه. أصابه الفزعُ طوالَ الطّريق من أن يسقط عليه أصيص زهر من إحدى الشرفات فيموت في “حال خطيئة”.

أطرحته الفراشَ ليومين حمى شديدة. ولمّا تعافى، قال:

“إنّ الله ذاك الذي حدّثني عنه الكاهن لا يمكن أن يوجد ولا يمكن أن يكون ظالما إلى هذا الحد”.

قال جورج: “يأ أستاذ، أنا لستُ مسلما، أنا مسيحي بالمولد، فهل أنا عدوّ لك؟”، فطفق الشيخ يستدرك عبثاً يحاول التوضيح.

من هذه اللحظة، وعى طرابيشي أن المشكلة في مجتمعاتنا هي أولا، وربّما أخيرا، قضية تغيير على صعيد العقليات.

حين انتقل جورج إلى المرحلة الثانوية، حدّد اتجاهه النهائي في الحياة.

كانت سوريا في قبضة جنرال عسكري يُدعى أديب الشيشكلي. هذا الجنرال سقط إذ تحالف ضدّه حزب البعث والحزب الشيوعي والإخوان المسلمون.

بعد إسقاطه، تفاوض هؤلاء على الحقائب الوزارية. لكنّ الإخوان نأوا عن أي وزارة شريطة إدخال التعليم الديني إلى المدارس الثانوية.

كانت الثانويات في سوريا، آنذاك، تُدرّس علوم الأخلاق وحسب.

ذات يوم، عام 1955م، فكّر جورج أن يعرف أكثر عن الإسلام، دين الأغلبية في البلاد.

دخل إلى درس التعليم الديني. وأوّل ما وطأ الفصلَ، قرأ على السبورة: “كلّ من هو ليس بمسلم فهو عدو للإسلام”.

فتح الشيخ باب النقاش بعد حين. سأل جورج عن اسمه. ففوجئ قائلا: “جورج اسم لا يُطلق في سوريا إلا على المسيحيين”.

“يأ أستاذ، أنا لستُ مسلما، أنا مسيحي بالمولد، فهل أنا عدوّ لك؟”، فطفق الشيخ يستدرك عبثاً يحاول التوضيح.

كان جورج إذ يجلس ليأكل، يُمزّق رغيف الخبز فتاتا في عادة يظهر أنّها مكروهة في سوريا. تنهره زوجته ويَعِد بألّا يُعاودَ. لكنه ينسى ويُمزّقه لاشعوريا في كل مرّة. ذات يومٍ، صادفَ مقالا لأحد تلامذة فرويد يحكي عن هذه الظاهرة النفسية. يقول إنّها تمزيق لاإرادي ولاشعوري للأب. “أنا إذن أُمزّق أبي!”. أصابه المقال برجفة لأنه كان في صِدام مع أبيه أثناء المراهقة. ومنذ ذلك الحين، انفتح على التحليل النفسي وأخذ يقرأ لفرويد ثم شرع يُترجم أعماله.

من هذه اللحظة، يقول طرابيشي، وعى أن المشكلة في مجتمعاتنا هي أولا، وربّما أخيرا، قضية تغيير على صعيد العقليات.

حصل جورج على إجازة/بكالوريوس في اللغة العربية، وبعدها شهادة ماستر في التربية من جامعة دمشق.

اشتغل مديرا لإذاعة دمشق لعامين (1963/1964)، ثمّ هاجر عام 1972 إلى لبنان ليترأّس تحرير مجلة دراسات عربية.

إلى هذه الفترة، كان جورج مهووسا بالإيديولوجيات الغربية؛ الاشتراكية، الماركسية… تجاهلَ تماماً التّراث العربي.

غير أنّ نكسة 1967، وانتشار العنف الإسلاموي، وما عاينه من اقتتال طائفي في لبنان، دفعه إلى إعادة النظر في توجّهه الفكري.

ثمّ حدث أن هاجر إلى فرنسا ليعمل هناك في مجلة “الوحدة”.

أدرك حينها أن العقل الغربي إن صار متفوقا، فبالنقد الذاتي؛ وأنّ إخضاع هذا الموروث للنقد ذاته، وحده يؤهلنا إلى خوض معركة الحداثة.

كتب أول مقال له في المجلة عن محمد عابد الجابري وكتابه الأول في سلسلة مشروع “نقد العقل العربي“.

قال يومها: “إن هذا الكتاب ليس فقط يُثقّف بل يغيّر، فمن يقرؤه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”.

لكنّ تفصيلة صغيرة في الكتاب عن “إخوان الصفاء” أثارت شكوك جورج. بعد بحث، وجدَ أن الجابري يُقوّلهم ما لم يقولوا، فأصيب بصدمة.

أخذ يقرأ من يومها مئات المراجع بما يستوجب الحوار مع مشروع الجابري.

في آخر حياته، اعترف جورج بأنّ للجابري يدا في ما صار إليه، إذ أرغمه على إعادة بناء ثقافته التراثية.

… وكان مشروعه “نقد نقد العقل العربي”، الذي نذر له ما تبقى من حياته.

صدر في خمسة مجلّدات آخرها رأى النور عام 2010م. حلّت بعده الأزمة السورية لتُدخل جورج في ألم صامت؛ شلّته عن الكتابة إلا من بعض المقالات…

… إلى أن رحل في الـ16 من مارس/آذار 2016.

مقالات قد تهمك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *