×
×

علم نفس الجماهير… بين دراسة لوبون ودراسة فرويد 3/1كلاهما انطلق من اللاشعور لتحليل نفسية الجماهير... لكن الأول عزا اللاشعور إلى العرق والثاني إلى الكبت!

في هذا الملف، سنعقد محاورة بين كتاب لوبون وكتاب فرويد، الذي أصدره عام 1921 مستعيرا منه ذات العنوان، مع أنه كان في جملته، تعليقا ونقدا وتطويرا لـ”علم نفس الجماهير” الذي أصدره لوبون.

مع أنه لم يكن معترفا بعلم النفس بعد، إلا أن عام 1890 كان فارقا في تاريخ تبلور هذا العلم. فيما قبل، كان الاهتمام منصبا فقط على الفرد ونفسيته الفردية…

غوستاف لوبون

لكن، في ذلك العام، سيصدر المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون دراسة بعنوان “علم نفس الجماهير”… دراسة سيكون لها كبير الوقع في عالمي السياسة والعلم، سواء آنذاك أو ربما حتى أيامنا هذه.

في تصديره للكتاب، يؤكد مترجمه إلى العربية، المفكر السوري هاشم صالح، أنه يمكننا العودة بعلم النفس الاجتماعي إلى أقدم الفلاسفة… ابن خلدون مثلا، حاول أن يستخلص القوانين العامة التي تتحكم بتطور الجماعات البشرية وانحطاطها، آخذا بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية والنفسية.

إلا أن ذلك ظل مجرد تأملات بدائية، يقول مستطردا، بعيدة جدا عن المناهج الحديثة… لأجل هذا، يعتبر المفكر السوري جورج طرابيشي أن دراسة لوبون تمثل فتحا علميا حقيقيا.

بينما كان الدين فيما قبل هو الذي يهيج الجماهير ويجيشها حتى تنخرط في الحركات الكبرى (الحروب الصليبية مثلا)، حلت الأيديولوجيات السياسية محل تلك الدينية في أوروبا، بعدما “تعلمنت” في العصور الحديثة.

طرابيشي، في تصدير ترجمته لكتاب عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد، “علم نفس الجماهير وتحليل الأنا”، يؤكد أنه لا يمكن فهم أهمية دراسة لوبون إلا في ضوء صعود الظاهرة الجماهيرية، مطلع القرن العشرين، و”العبادة النظرية” التي أسست لها الأيديولوجيا الاشتراكية.

اقرأ أيضا:  هذه أبرز محطات حياة فلاديمير لينين!

الذي حدث في الواقع، أنه بينما كان الدين فيما قبل هو الذي يهيج الجماهير ويجيشها حتى تنخرط في الحركات الكبرى (الحروب الصليبية مثلا)، حلت الأيديولوجيات السياسية محل تلك الدينية في أوروبا، بعدما “تعلمنت” في العصور الحديثة.

وكانت تلك انطلاقة عصر الجماهير!

علماء النفس، بمن فيهم فرويد، يتفقون على أن الفرد، ما إن ينخرط في جمهور محدد، حتى يتخذ سمات خاصة، لم تكن موجودة فيه سابقا. ربما كانت موجودة، لكنه لم يكن ليتجرأ على البوح بها أو التعبير عنها بمثل هذه الصراحة والقوة.

لوبون نفسه هو الذي صاغ مفهوم “عصر الجماهير”، وكان ذلك سابقة… يقول: “إن دخول الطبقات الشعبية في الحياة السياسية وتحولها التدريجي إلى طبقات قائدة، يمثل إحدى الخصائص الأكثر بروزا في عصرنا”.

حتى ذلك الوقت، كانت الحضارات الإنسانية كانت قد وُجهت، يقول لوبون، من قِبل أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تبن قط من قبل الجماهير… هذه الأخيرة، يتابع، لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: التأليف الإسلامي حول العلمانية

لم يكن لوبون، يقول طرابيشي، متوجسا بشأن الكشف عن تخوفاته من هذا التحول.

حين ظهرت الجماهير، كواقعة، هددت النظام الاجتماعي القائم بأوروبا، كما يبرز ذلك هاشم صالح. ظاهرة حاول الباحثون والمفكرون، قبل ظهور كتاب لوبون، أن يفهموها ويدرسوها…

بناء على ما توصلوا إليه، تبلورت ثلاثة أجوبة أساسية:

  • الجماهير عبارة عن تراكم من الأفراد المجتمعين بشكل مؤقت، على هامش المؤسسات وضدها… بمعنى أنها مؤلفة من أشخاص هامشيين وشاذين عن المجتمع؛
  • الجماهير بطبيعتها مجنونة… الجماهير التي تصفق بحماسة شديدة لمطربها، مثلا، تعيش لحظة هلوسة وجنون؛
  • أبعد مما سبق، ذهب الثالث في اتجاه التهجم على الجماهير، والقول بأنها مجرمة، ذلك أنها مؤلفة من الرعاع والأوغاد؛ تهجم وتقتل وتسلب كل شيء… إنها تجسيد للعنف الهائج، دون أي سبب أو مبرر واضح.

الواقع أن علماء النفس، بمن فيهم فرويد، يتفقون على أن الفرد، ما إن ينخرط في جمهور محدد، حتى يتخذ سمات خاصة، لم تكن موجودة فيه سابقا. ربما كانت موجودة، لكنه لم يكن ليتجرأ على البوح بها أو التعبير عنها بمثل هذه الصراحة والقوة.

في هذا الملف، سنعقد محاورة بين كتاب لوبون وكتاب فرويد، الذي أصدره عام 1921 مستعيرا منه ذات العنوان، مع أنه كان في جملته، تعليقا ونقدا وتطويرا لـ”علم نفس الجماهير” الذي أصدره لوبون.

اقرأ أيضا: المغرب… المقاطعة وحراك الريف! أزمة تواصل المؤسسات السياسية؟

على أن فرويد، يقول طرابيشي، يسجل للوبون تأسيسه لعلم نفس الجماهير، وإن أنكر عليه الأسبقية المطلقة… فرويد يسلم له أيضا بشمول ودقة توصيفه لنفسية الجماهير، بيد أنه يؤاخذ عليه وقوفه عند ذلك وعدم تعمقه في التعليل.

الواقع أن مفهوم اللاشعور، الذي انطلق منه لوبون لتحليل نفسية الجماهير، شكل نقطة التقاء بين علم الاجتماع، المكرس أكاديميا وقت لوبون، وبين التحليل النفسي، الذي أسهم فرويد لاحقا في إعطائه هيئة علم قائم الأركان.

 عوض مفاهيم العرق والتقاليد والأعراف والعاطفة الدينية والعدوى والهيبة الزعامية، الغالبة على معجم لوبون، نجد أن فرويد يحاصر قارئه بمصطلحات أكثر تقنية استقاها في معظمها من المعجم الخاص الذي طوره التحليل النفسي، مثل الأنا، الأنا الأعلى، النرجسية، الليبيدو، النكوص… إلخ.

لوبون، اعتبر أن اللاشعور… هو أساسا موروث الفرد من العرق الذي ينتمي إليه. ومن ثم، فالعرق بالنسبة له، يقول طرابيشي، هو الخزان التحتي الذي تصدر عنه الروح الجماعية للجماهير.

بالمقابل، نجد أن اللاشعور عند فرويد، ينتمي إلى حقل مغاير تماما، وديناميته فاعلة على مستوى الافراد كما على مستوى الجماهير… أما الخزان الذي يصدر عنه، فهو المكبوت.

هكذا، فالعُدّة المفاهيمية التي يستخدمها لوبون لتحليل نفسية الجماهير، ليست هي تلك التي يستخدمها فرويد…

اقرأ أيضا: ملاعب كرة القدم… الملاذ الجديد للاحتجاج السياسي والاجتماعي في المغرب.(1/2)

مثلا، عوض مفاهيم العرق والتقاليد والأعراف والعاطفة الدينية والعدوى والهيبة الزعامية، الغالبة على معجم لوبون، نجد أن فرويد يحاصر قارئه بمصطلحات أكثر تقنية.

سيغموند فرويد

ولأنها كذلك، فهي مصطلحات أكثر صعوبة يقول طرابيشي، ذلك أنه استقاها في معظمها من المعجم الخاص الذي طوره التحليل النفسي، مثل الأنا، الأنا الأعلى، النرجسية، الليبيدو، النكوص… إلخ.

قبل أن ننتقل إلى الجزء الثاني، لا بد أن نشير إلى أن اسم غوستاف لوبون مُهملٌ اليوم من قبل علماء الاجتماع المعاصرين، بخاصة في فرنسا…

هاشم صالح يرد ذلك إلى منبع لوبون الاجتماعي والطبقي، فهو كان منتميا إلى التراث الليبرالي والبورجوازي، ومن ثم فقد كان ضد الثورة والفكرة الاشتراكية الصاعدة آنذاك.

ثم إن هنالك سببا آخر لإهمال اسم لوبون، يتجلى في أن كل الأحزاب السياسية، اليمينية منها واليسارية، تستخدم وصفاته في دعاياتها وإعلاناتها، وطريقة مخاطبتها للجمهور… غير أن هذه الأحزاب، يؤكد صالح، لا تود أن تعترف بذلك لكيلا تفشل خطتها في التأثير!

في الجزء الثاني… هل كان غوستاف لوبون يتهجم على الجماهير أم يدرسها وحسب؟

لقراءة الجزء الثاني: علم نفس الجماهير: هل كان غوستاف لوبون يتهجم على الجماهير أم يدرسها وحسب؟ 3/2

لقراءة الجزء الثالث: علم نفس الجماهير: هل الليبيدو هو ما يجمع الجماهير ويربط بين أفرادها؟ 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *