×
×

علم نفس الجماهير: هل الليبيدو هو ما يجمع الجماهير ويربط بين أفرادها؟ 3/3

يرى فرويد أن الدوافع الجنسية المكفوفة عن هدفها، هي على وجه التحديد التي تخلق بين البشر الروابط الأكثر ديمومة، وذلك لسبب بسيط مفاده أن الدوافع الجنسية الحرة تنخفض في كل مرة تدرك فيها الهدف الجنسي.

عرضنا في الجزء الثاني بعض أبرز ما جاء في كتاب “علم نفس الجماهير” لعالم الاجتماع الفرنسي، غوستاف لوبون، كما أوردنا بعض تعقيبات المحلل النفسي النمساوي سيغموند فرويد على ذلك… في هذا الجزء الثالث والأخير، نتابع بعض أبرز الأفكار التي جاء بها فرويد في كتابه “علم نفس الجماهير وتحليل الأنا” عن الجماهير.

نشير، كما أوضحنا في الجزء الأول، إلى أن فرويد رد على لوبون بعد أزيد من ثلاثين سنة، وكان التحليل النفسي وقتها قد نضج كعلم، لذلك جاء الرد في جملته تعليقا ونقدا وتطويرا، كما واستعمل في ذلك مصطلحات أكثر تقنية مثل الليبيدو والنكوص…

مع كل ما انتَقد به لوبون، يرى فرويد أن السوسيولوجي الفرنسي أجاد وصف السمات التي تظهر على الفرد في الجماعة… ذاك ما يمثل بلا شك، نكوصا في النشاط النفسي نحو طور سابق، لا يدهشنا، يقول فرويد، أن نجده لدى الطفل ولدى المتوحش.

نكون هنا بمواجهة حالة، يكون فيها الحس الفردي والفعل الفكري الشخصي، أصعب من أن يؤكدا ذاتيهما بكيفية مستقلة، بدون مؤازرة تظاهرات وجدانية وفكرية مماثلة لدى الأفراد الآخرين.

غير أن الجماهير العادية أكثر من يتميز بمثل هذا النكوص، الذي يتقلص كلما اتصفت الجماهير بدرجة متقدمة من التنظيم.

فرويد يرى أن الحب كان، في تطور الإنسانية كما في تطور الفرد، العامل الرئيس، إن لم يكن الأوحد، في الحضارة، ذلك أنه هو الذي فرض الانتقال من الأنانية إلى الغيرية.

فرويد يؤكد أنه يمكن التمييز بين عدة أصناف من الجماهير؛ وكل على حدة، يمكن أن تسلك في تشكيلها وتكوينها اتجاهات متعاكسة في أحيان كثيرة.

فهناك جماهير عابرة للغاية وجماهير دائمة؛ جماهير متجانسة للغاية، مؤلفة من أفراد متشابهين، وجماهير غير متجانسة؛ وهناك جماهير طبيعية وجماهير اصطناعية لا يقوم لها قوام إلا بفعل إكراه خارجي؛ وتوجد جماهير بدائية وجماهير متميزة، رفيعة التنظيم.

فرويد يتناول في دراسته نموذج جماهير دائمة، اصطناعية، ذات درجة عالية من التنظيم، من خلال الكنيسة، أي جماعة المؤمنين؛ والجيش.

اقرأ أيضا: كتائب الفنية العسكرية. حكاية انقلاب… على خطى سيد قطب1/2

ويقصد بكونها اصطناعية، أن تلاحمها يقوم على إكراه خارجي من شأنه في الوقت نفسه أن يمنع تعديل بنيتها.

ففي جمهور من هذا النوع، ينخرط الفرد، من دون أن تؤخذ مشورته مسبقا، لمعرفة ما إذا كانت له رغبة في ذلك أم لا؛ والمرء ليس حرا في الدخول إليه أو الخروج منه بحسب إرادته…

يلاحظ فرويد أن كل فرد من هذين الجمهورين يرتبط بروابط ليبيدوية[1] بالرئيس (المسيح، القائد الأعلى) من جهة، وبسائر الأفراد الذين يتألف الجمهور منهم من جهة أخرى.

هل الليبيدو، الذي يصون تلاحم الجماهير، من طبيعة جنسية مثلية أو غيرية؟ يتساءل فرويد فيجيب بأنه مرجح أن يكون للحب المكبوت اليد العليا في صون وحدة الجماهير، بخاصة في مجتمعي الدين والجيش.

ثم إنه، بالعودة إلى لغز التأثير الإيحائي الذي تحدث عنه لوبون في الجزء الثاني، نجد أنه يزداد غموضا إذا سلمنا بأنه لا يحدث فقط من القائد تجاه المقودين، إنما أيضا من فرد إلى فرد. هذا الإيحاء المتبادل، مهمل وفق فرويد، ما يحمل على اللوم على عدم دراسته.

ولتأكيد أن ماهية الجمهور تكمن في الروابط الليبيدوية التي تخترقه من أقصاه إلى أقصاه، كشبكة مرصوصة، ليس علينا وفق فرويد سوى تحليل ظاهرة الذعر، التي تلاحظ بشكل خاص في الجماهير العسكرية.

اقرأ أيضا: عمر بن أعمارة يكتب: لا تاريخانية الخطاب الديني … الوهم والمغالطة

يحدث الذعر عندما يبدأ الجمهور بالتحلل، ومن علاماته، الامتناع عن إطاعة أوامر القادة، وعدم اهتمام كل واحد بغير نفسه، دونما مبالاة بالآخرين… بهذا، تنفصم الروابط المتبادلة ويستحوذ على الجميع رعب هائل لا يستطيع أحد تفسيرا لأسبابه.

بالمقابل، يجد فرويد أنه ليس من السهل بالقدر نفسه ملاحظة تحلل الجمهور الديني.

يكتفي هنا بالإشارة إلى التعصب، والقول إن كل فكر ديني أو سياسي أو عرقي، يمكن أن يصبح متطرفا، إذ يعتبر أن كل دين هو دين حب بالنسبة إلى من يضمهم تحت جناحيه. لذا يكون مستعدا لإبراز قسوته ضد أولئك الذين لا ينتمون إليه.

فرويد يرى أن الحب كان، في تطور الإنسانية كما في تطور الفرد، العامل الرئيس، إن لم يكن الأوحد، في الحضارة، ذلك أنه هو الذي فرض الانتقال من الأنانية إلى الغيرية.

اقرأ أيضا: محمد علمي يكتب: حين تتحكم الرياضيات في الحب وتصنعه

من المفيد أن نلاحظ، حسب فرويد، أن الدوافع الجنسية المكفوفة عن هدفها، هي على وجه التحديد التي تخلق بين البشر الروابط الأكثر ديمومة، وذلك لسبب بسيط مفاده أن الدوافع الجنسية الحرة تنخفض في كل مرة تدرك فيها الهدف الجنسي.

يقول فرويد إن كل فكر ديني أو سياسي أو عرقي، يمكن أن يصبح متطرفا، ذلك أن كل دين هو دين حب بالنسبة إلى من يضمهم تحت جناحيه. لذا يكون مستعدا لإبراز قسوته ضد أولئك الذين لا ينتمون إليه.

فهل الليبيدو، الذي يصون تلاحم الجماهير، من طبيعة جنسية مثلية أو غيرية؟ يتساءل فرويد فيجيب بأنه مرجح أن يكون للحب المكبوت اليد العليا في صون وحدة الجماهير، بخاصة في مجتمعي الدين والجيش.

الجمهور بهذا المعنى، يخلص فرويد، يبدو وكأنه بعث للعشيرة البدائية، فكما أن الإنسان البدائي لا يزال على قيد الحياة في كل فرد، كذلك فإن كل تجمع بشري قادر على إعادة تكوين العشيرة البدائية.

اقرأ أيضا: العيد والحرب: كيف حولت رغبة الإنسان في التجديد، العالمَ، من الفرح إلى الدمار؟ 2/1

أيا يكن، فإنه يرى أن السيكولوجيا الجمعية هي أقدم سيكولوجيا بشرية؛ والعناصر التي أفادتنا في تكوين السيكولوجيا الفردية، بعد عزلنا عن كل ما له صلة بالجمهور، لم تتميز عن السيكولوجيا الجمعية القديمة إلا في زمن متأخر…

لكنه، بطريقة ما، يقول مستدركا، ينبغي علينا التسليم أيضا بأن السيكولوجيا الفردية قديمة أيضا قدم تلك الجمعية، إذ لا بد أن يكون قد وجد من البداية سيكولوجيتان: سيكولوجيا المؤلفين للجمهور، وسيكولوجيا الأب، الزعيم، القائد.


[1]  من الليبيدو، وهو مفهوم يستعمل في التحليل النفسي تقصد به الرغبة الجنسية.

لقراءة الجزء الأول: علم نفس الجماهير… بين دراسة لوبون ودراسة فرويد 3/1

لقراءة الجزء الثاني: علم نفس الجماهير: هل كان غوستاف لوبون يتهجم على الجماهير أم يدرسها وحسب؟ 3/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *