×
×

دراسة لنبيل فازيو: قرآننا واستشراقهم… كتاب “قرآن المؤرخين” ومشكلة المرجعية! 1\2

صدر، نهاية 2019، كتابٌ في فرنسا يحملُ عنوان “قرآن المؤرخين”. وهو عبارة عن موسوعة جماعية، كانَ الغرض الرئيس منها تمكين القارئ، الفرنسي بالدرجة الأولى، من فكرة واضحة ومفصلة عن المستوى الذي أدركه البحث الغربي في القرآن وتاريخه.
لذلك، انبرى المشاركون فيه إلى تقديم عروض عن آخر المنجزات في هذا الباب. ولا يمكن للمرء إلا أن يثني، بالفعل، على هذا المجهود، لأنه يسعف الباحثين في مجال الدراسات القرآنية بمدخل مفصل لفهم مسارات تشكل هذه الدراسات في الجامعات ومراكز البحث في العالم الغربي.

يمكن أن ننتبه إلى أن قوة العمل تتجاوز المستوى المضموني إلى المستوى المنهجي؛ حيث يتضمن الكتاب تفصيلا في كثير من المناهج التي قامت عليها المقاربة الاستشراقية الغربية للقرآن وتاريخه، منذ الباراديغم الفيلولوجي، الذي أرسى أسسه كتاب تاريخ القرآن للعلاَّمة نولدكه، وصولاً إلى الاستشراق الجديد، الذي كان محاولة للخروج من هذا الباراديغم، بالانفتاح على مجالات معرفية ذات صلة بالثورة المعرفية التي أنجزها الغرب منذ تصاعد العلوم الإنسانية والتاريخية، وما أفرزه ذلك من تطوير طرائق جديدة في فهم النص المقدس وتأويله.

سيكون من السهل على القارئ في هذا العمل أن ينتبه إلى أنّ أحد أبرز عيوبه، إعراضُه عن الإفادة من إسهامات الباحثين العرب، الذين ذهبوا بعيداً في دراسَة الدعوة المحمدية ونشأة الإسلام المبكر وتشكل النص القرآني، بدعوى أنَّ هؤلاء ينتمُون إلى التقليد الإسلامي ويصدرون عن مقدماته التي تحول دون إنجاز نقد “فعلي” للقرآن وتاريخه.

كما يُمكن أن نُلاحظَ كيفَ أنَّ ذهولهم عن إسهام باحثٍ مثل فاضل الربيعي، بمنهج الحفر الأركيولوجي والتأويلي في التقليد اليهودي، القائم على خلخلة السرديات التوراتية، ضيَّع عليهم فُرصة الإفادة أكثر من مناهج البحث الأركيولوجي، التي سعوا إلى إعمالها في فهم تاريخية النص القرآني، واعتبروها في جملة مظاهر الجدة التي حملها كتابهم ذاك.

غير أنَّ المشكلة الأكبر تبقى في انتهال قرآن المؤرخين كثيراً من عناصر رؤيته ومقاربته، من مدارس الاستشراق الجديد، الذي غالباً ما ظلّ محلَّ شُبهةٍ بالنسبة لكثيرٍ من المفكرين في الغرب والشرق، بحكم مواقفه المتشددة من الإسلام وتاريخه عامَّة، وخاصة ما تعلَّق منها بنشأة الدين المحمدي وكيفية تشكل نصه المقدس، وما ينتهي إليه تحليل المستشرقين الجُدد من صهر مختلف مظاهر جِدَّة الإسلام والقرآن في التقليد اليهودي والنصراني.

يبدو أنّ هذا الاقترانَ يزكيه أن كثيراً ممن أسهموا في تأليف الكتاب هُم، بشكل أو بآخر، من طلبة رموز هذا الاستشراق. لذلك، بدأت الأصوات تتعالى، من جديد، للتنديد بالعمل ورميه بالتحامُل على الإسلام والمسلمين، ومرة أخرى تم الحيْدُ بالنقاش عن الأسئلة التي يطرحها العمل، واختزال كل مشكلته في موقف الغرب من الإسلام ونبيِّه، باستدعاء الأحكام النمطية التي ظلَّت الثقافة الغربية تنضحُ بها تجاه الإسلام والرسول منذ أولى لحظات الصدام بالإسلام. بل وسرعان ما بدأنا نسمع عن العلاقة (المحتملة!) بيْن السياسة الفرنسية المتطرفة إزاء الإسلام وظهور قرآن المؤرخين، بما يعنيه ذلك من دعوة -غير واعية ربما!- إلى الإحجام عن قراءة هذا العمل بدعوى أنه لا يتضمن أي جديد قياساً بما سبقه من بحوث.

والحالُ أنَّ الكتاب لم يدَّع تقديمَ أيَّ جديدٍ في مجال الدراسات القرآنية، بل هو محاولةٌ لرسم صورة تركيبية عمّا أدركه البحث الاستشراقي من مستوى في دراسة للقرآن وتاريخه. لذلك، تبدو فائدته منحصرة في إطلاع القارئ على مستجدات هذا البحث كما تتجلى في الدراسات القرآنية اللاحقة على نولدكه. غير أنها تبقى فائدة على قدر كبير من الأهمية بالنسبة إلى البحث العربي والإسلامي المعاصر في مجال الدراسات القرآنية، لأنها تمدُّ الباحثين بصورة بانورامية عن مستجدات هذا البحث في الجامعات والمعاهد الغربية. بيد أن ذلك لا يمنع من الإقرار بالحاجة إلى إخضاع كثير من الأحكام التي ينضح بها العمل للنقد والمراجعة، وهو أمر لا يتأتى من تحوير النقاش والحيد به عن موضوعه الرئيس، وإنما بمساءلة الفرضيات العلمية والمنهجية التي يقيم عليها الاستشراقُ الجديد أسس مقاربته للإسلام وتاريخه.

لا شكّ في أنَّ مثل هذا النقد يبقى ضروريا ومشروعاً، خاصة وأن للفكر العربي سيرة محمودة في مُساءلة الاستشراق ونقد أسسه على نحو معرفي رصين، كما هو بيِّنٌ من أعمال أنور عبد الملك ومحمد أركون، عبد الله العروي، إدوارد سعيد، هشام جعيط، وائل حلاق، عبد الإله بلقزيز، وغيرهم. غير أنّ للفكر العربي، كذلك، سيرته المذمومة في التّعامل مع الخطاب الاستشراقي، والتي مثَّلت لها ردود الفعل “العاطفية” التي تزخر بها كتاباتٌ دعوية ما انفك يصدرها من يعتبرون أنفسهم حفظة التراث وسدنة معابده. وأخشى أن تقود مسايرة النقد العاطفي لكتاب قرآن المؤرخين إلى الذهول عن فائدته. من هنا، ينبغي التمييز بين نقد الخطاب الاستشراقي ورفضه؛ فبعيداً عن المواقف الرافضة لهذا الخطاب باسم دفاعها عن الهوية، يبقى النقد موقفاً معرفيا قبل أي شيء آخر، يستلزم الإنصات والفهم قبل أن يمضي في طريق تأزيم الخطاب وخلخلة أسسه ومرجعياته الفكرية.

ما الذي يعنيه نقد القول الاستشراقي في حالة قرآن المؤرخين؟

أقترح أنْ نسائل هذا النص على ضوء المرجعية التي يصدر عنها؛ مرجعية الاستشراق الجديد التي يبدو أنها باتت تشكل عائقا معرفياً أمام كل بحث جدي في القرآن وتاريخه، ليس لأنها تطرح على الباحثين أسئلة يعجزون عن الجواب عنها لأنها تقعُ خارج دوائر البحث العلمي-التاريخي، ولا لما يزخر به هذا الخطابُ من أحكام قيمة في حق النبي محمد (ص) والإسلام المبكر؛ وإنما، أساساً، لأنّ المواقع التي يطل منها الاستشراق الجديد على الإسلام وقرآنه ليس من شأنها إلا أن توهم صاحبها بأنه يرى تاريخاً آخر غير التاريخ الإسلامي.

يأبى المستشرقون الجدد إلاّ أن يروا في التاريخ الذي تقدمه الروايات الإسلامية الرسمية، تاريخا مزيفاً كتب تحت وطأة الصراعات السياسية اللاحقة على الدعوة المحمدية؛ وسرعان ما يبشروننا باكتشافهم تاريخا جديدا، “حقيقيا” هذه المرة، جادت به المصادر غير الإسلامية، من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء مساءلة معقولية هذه المسلمة. لا أنكر أن تاريخ الدعوة المحمدية يحتاج إلى نقد ومراجعة، وهذا عملٌ لم يتقاعس المفكرون العرب عن إنجازه منذ معروف الرصافي إلى هشام جعيط. لكن هذا لا يُعتبر، في حد ذاته، سببا كافياً لطرح التقليد الإسلامي برمته، والاتكاء على روايات تنتمي إلى تقليد مغاير. كما أنَّ الهروع إلى هذا التقليد الآخر لا يعتبر ضمانة تقينا عدم السقوط في المغالطات عينها التي يدعي المستشرقون الجدد أن التقليد الإسلامي يجرنا إليها قسراً.

هذه هي زاوية النظر التي سنتناول انطلاقاً منها مشكلة المرجعية في كتاب قرآن المؤرخين، وفيما يلي بيان ذلك.

في الخروج من البارادايم الفيولوجي

من المعلوم أنَّ الدراسات اللاحقة على نولدكه انفتحت على معطيات جديدة لم تكن معهودةً عند الذين اشتغلوا داخل الباراديغم الفيولوجي الذي يعتبر كتاب تاريخ القرآن أوضح تجسيد له في الدراسات الاستشراقية الكلاسيكية. وقد أتى “الاستشراق الجديد” ليترجم هذا المنحى عندما أقام مقاربته للإسلام على أُسسٍ جديدة كان التطرف في النّقد أبرز ملامحها. يعتبر كتاب قرآن المؤرخين استمرارية لهذا الصّنف من النقد الذي ابتدأه وانسبورغ وطلبته[1]. وبعد أن زعم هذا المُستشرق أنَّ عملية تدوين القرآن تمت بين نهاية القرن الثامن وبداية التاسع، وبعد أن اعتبر جون بورتو أنَ النبي محمداً كان قد صاغ سلفاً نسخةً مكتملةً من المصحف مكتوبة بحروف ساكنة[2]، أصبح التشكيك في صحة النص العثماني أمراً مُتداولاً بين المستشرقين الجُدد، كما أثار ذلكَ ردود فعل سعت إلى إعادة تأويل النصوص الإسلامية من أجل دحضه. سيتم الاعتماد، في هذا السياق، على علم الخطاطة [علم الكتابة القديمة] الذي مكَّن من إعادة قراءة المخطوطات واقتراحِ تواريخ جديدة من شأنها أن تُفيد في فهم تشكل النص القرآني[3]. كما استُدعيت الفيلولوجيا [من جديد]، وعلم دراسة المخطوطات للفصل في كثيرٍ من المُشكلات ذات العلاقة بالنصّ ورسم حروفه.

يعتبر وانسبروغ أن المقاربة الفيلولوجية الكلاسيكية قد دأبت على الفصل المنهجي بين الدراسات القرآنية والدراسات الإنجيلية والمرتبطة بالعهد الجديد. وإذا كان هذا الانفصال يدينُ للمستشرق الألماني هنريش إيوارد Heinrich Eward، بفضل نقده الجذري للمنهج التاريخي النقدي وتطبيقاته في مجال دراسة النصوص الدينية، عندما اعتبرَ أنَّ من أكبر عيوب ذلك المنهجَ عدمُ اكتراثه بالمضمون النفسي والرمزي للمصادر الدينية، فإنَّ هذه الفكرة ستجد موطئ قدم لها في الدراسات الاستشراقية، التي لن تدفع بنقد المنهج الفيلولوجي إلى حدوده القصوى عندما سيتعلق الأمر بنقد التقليد الإسلامي، ولن تزعم- كما هو بيّن من عمل نولدكه- أن تلكَ المصادر عقيمة الفائدة[4]. لذلك، كان على الاستشراق الجديد أن يذهب بعيداً في نقد مصادر التقليد الإسلامي، وهذا ما تجسد في كتابات وانسبروغ وكرون وكوك خاصةً.

يلاحظُ فرونسوا ديروش أنَّ هذا الضرب من البحث الاستشراقي كان يرمي إلى بيان الكيفية التي أدار بها الكَتَبَةُ الأوائل عملية تدوين القرآن، والوقوف عند تشكله من أجلِ مضارعته بنصوص التقليد الإسلامي. اعتبرَ المستشرقون الجُدد أنَّ دراسة تشكل النص القرآني ينبغي أن تتحلى بالصرامة (والريبة) عينها التي دُرس بها الإسلام المبكر عموما. يقول مايكل كوك في كتابه عن النبي محمد: “متى اعتمدنا على القرآن فقط، أمكننا أن نستنتج أن صاحب القرآن هو محمد، وأنه عاش في جنوب شبه جزيرة العرب (..). لكن، لا يمكن أن نستنتج منه أن الكعبة كانت توجد بمكة، ولا أنَّ محمداً نفسه جاء من هناك” [M, Cook, Muhammad, p. 70]. بل وهناك من المستشرقين من يشكك حتى في نسبة القرآن إلى النبي محمد، الذي لا يرد اسمه في القرآن إلا مرات قليلة جداً[5]؛ ويعتبرون أنه، رغم أن القرآن يخاطب شخصاً معينا بشكل دائم، فلا شيء يفيد بأن الأمر يتعلق بالشخص نفسه في كل مرة[6].

ليس غرضُ هؤلاء المستشرقين الجُدد الدخول في سجالٍ مع ممثلي التقليد الإسلامي، وإنما الإمعان في إحراج نموذج التحليل الذي قدَّمه نولدكه وطلبته؛ إذ اعتبروه نموذجاً يقوم على مجموعة من المسلّمات القابلة للمساءلة والتّشكيك بحكم اعتمادها على التقليد الإسلامي بالدرجة الأولى. يقول شوماخر: “إن الغرض، بالأحرى، أن نشدّد على أن ما يعتبره التقليد العالِم المتحدّر من البارادايم النولدكي معطياتٍ صلبة البناء وبديهية، [هي] ليست في الواقع مؤسسة على فحصٍ للقرآن، وإنما تُسلم على نحوٍ قبلي بالروايات الإسلامية. ليس المقصود اتهام علماء الماضي بعدم التعمق في دراسة القرآن، فمن المؤكد أنهم درسوه بحذرٍ واضح، وإسهامهم العلمي ذو أهمية كبرى من جهاتِ متعددة. لكن منظور القراءة الذي أعملوه في دراسة القرآن واختيار المناهج التي تعتبر مشروعة في حسبانهم، إنما مردُّه إلى صورةٍ معينة، إلى تصور مسبق، يقدمه النص عن نفسه. من هذا المنظور، فإنَّ رفضهم إخضاع القرآن لأدوات النقد [المعتمدة في] الدراسات الإنجيلية، إنما يقوم على مسلمات أكثر منها على وقائع”[7].

اعتمدتْ غالبية الباحثين التابعين لنموذج نولدكه على التقليد الإسلامي، والسّني منه خاصةً. هنا، يلاحظ داي أنَّه لا مبرر للوثوق في المَرْوِياَت السنيَّة، لأنَّ ذلكَ لا يخدم الدراسة النقدية للقرآن وتاريخه.

مشكلة البارادايم الفيلولوجي تكمن، في نظر هذا الباحث، في أنه يتَّخذ من تلك المرويات الرسمية إطاره المرجعي[8]. ترى باتريشا كرون أنه، فيما يخص السيرة النبوية مثلا، لا يبقى الأهم هو أن نأخذ بما تقوله كتب السيرة أو أن نعارضه، وإنما الأهم أننا لا نستطيع العمل به مطلقاً. اختارت كرون الانطلاق من وثائق لا تنتمي إلى التقليد الإسلامي الرسمي في فهمها للإسلام المبكر والقرآن[9]، وهي بذلك تجسد خطوة منهجية انفرد بها الاستشراق الجديد، عندما طفق يطبق مناهج دراسة العهد الجديد على القرآن وتاريخه.

يُمكن أن نعتبر الانطلاق من خارج دوائر نص العهد الجديد، ودراسته انطلاقا من مرويات لاحقة عليه [مرويات Papias de Hierapolis الذي عاش بين 70 و163 م]، إحدى السبل المنهجية التي انتهجتها دراسات العهد الجديد. غير أنَّ داي يُلاحظ أنها كانت طريقة ضعيفة في مجالها المخصوص، وكان التجرُّؤ على ترحيلها إلى مجال الدراسات القرآنية مجازفة غير محمودة العواقب. من هنا، ولئن كان من الضروري الانفتاحُ على الدراسات الإنجيلية المعاصرة، ولاسيما منها دراسات العهد الجديد، فسيكون من الأفضل في نظره الأخذ بالمناهج المقبولة عند المتخصصين في هذا المجال، كتلك التي تدرس تكوين الكتاب المقدس وتطوره. “فبدلاً، إذن، من أن ندرس القرآن – ليس فقط مضمونه وإنما تاريخه كذلك – بالمنظور الذي يقدمه لنا التقليد الإسلامي المتأخر، يبدو أنه من الأفضل أن نجد ونجمع أكبر قدر ممكن من الدلائل من النص نفسه، دون أن نفترض مسبقاً النموذج التقليدي لتكوين القرآن من قبيل فرضية كرونولوجيا السور المكية/ السور المدنية، أو فكرة أنَّ العمل الذي قاد إلى تشييد المصحف لم يكن سوى إعادة ترتيبٍ لمنسوخات وُجدت من قبل (أي لما يسمى جمع القرآن)”[10].

قد يبدو هذا القول دعوة إلى الرجوع بالنص القرآني إلى المستوى الصفر من الفهم والتأويل، وإلى أن يعمَد الباحث إلى التحللِ من كل فهم مسبق للقرآن قبل الإقدام على تحليله وبلورة فهم معقولٍ لنظامه وتاريخه. غير أن الأهم، عند داي، هو التبرم من كل حكمٍ مسبق يتحدر من التقليد الإسلامي حول القرآن ونشأته.

يشدد هذا الباحث على ضرورة أن يُقدم البحث الاستشراقي في القرآن على نقد المصادر الإسلامية. وهو يعتبر الانعتاق من قبضتها شرطاً لتطوير البحث الأكاديمي في هذا المجال. فمتى فحصنا التقليد الاستشراقي الفيلولوجي، وجدنا أنَّ عيبَهُ الرئيس الاستناد إلى كتب التفاسير، السيرة، التاريخ، الفقه، الحديث، إلخ؛ أي على منظومة تفسيرية تشكلت طيلة قرون لاحقة على تدوين القرآن.

يمثِّلُ فلهاوزن وشفايلي نموذجاً دالاً في هذا الباب؛ إذ رغم تطبيقهما مناهج الدراسات الإنجيلية على القرآن وتاريخه، فإنهما لم ينتقدا الروايات الإسلامية للقرآن، بل ونجد أن تصوّرهما لنظام السور كان تابعاً لتلك الروايات نفسها.

هنا، تستوقفنا صعوبة تخصّ حالة فلهاوزن تحديداً: لقد طبَّق هذا المُستشرقُ المناهجَ التاريخية النقدية على الإنجيل، غير أنه لم يطبقها على كُتب الرسل؛ وذلك، كما يرى داي، لأسباب لاهوتية (ربما)؛ حيث كان هذا الامتناع عن إخضاع كتب الرُسل للنقد التاريخي معياراً تخضعُ له كل الدراسات لحظتئذ[11]. غير أنَّ سبباً آخر أكثر أهميةً ومعقولية يفرض نفسه في هذا السياق؛ يتجلى في وجود صورة، أو نموذجٍ، يحدِّدُ النحوَ الذي ينبغي أن يكون عليه تداوُل كتاب نبوي [رسولي] تم ضبطه بشكل دقيق من طرف المتقدّمين. لكن، ما الذي سنخسرهُ، فعلا، إذا أخضعنا كلَّ الكتب التراثية الإسلامية للنقد الجذري؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في نظر داي، ولا يكفي أن نرصد محدودية تلك المصادر ونعتمد عليها في الآن ذاته كلما حاولنا إعادة بناء صورة القرآن التاريخي كما يفعل أنصار المقاربة الفيلولوجية الكلاسيكية[12].

بصرف النظر عن قيمة فرضية دايْ الداعية إلى نقد جذري للمصادر الإسلامية، وهذا ما يمثل بالنسبة إليه معنى انفصال الدراسات القرآنية عن دراسات العهد الجديد، فإنه من الصعب أنْ نُنْكِر أنَّ الفرضيات التي قدمها المستشرقون الجُدد حول المصحف وتكوينه قد انتهت إلى الباب المسدودة كما قال بويرينغ، طالما أنَّ الحُجج التي ساقها كلُّ تصور تُضارع، من حيث القيمة، حجج التصور الآخر.

يقول هذا الباحث: “إنَّ مثل هذه الفرضيات المتناقضة جداً، مع حقيقة عدم وجود نصٍّ موحد واحد للقرآن، يمكنه أن يزودنا بأساس لطبعة نقدية محققة مبنية على مخطوطات ممثلة وقراءات متنوعة مُقيَّمة نقدياً، يكشف أن فرضيات البناء الكرونولوجي لترسيخ القرآن كنص مكتوب، وصلت إلى الطريق المسدود. ولعل المستقبل يخبر بما إذا كان تحليل محتمل بالكومبيوتر لمادة المخطوطات يستطيع أن يمكن البحث الأكاديمي من تطوير صورة أكثر انتظاماً للتاريخ النصي للقرآن”[13].

لذلك، فإنَّ المُشكلة، في اعتقادي، ليست في تكافئ الحجج التي يسوقها كل تصوُّرٍ لدحض الآخر، وإنما في التساؤل عمَّا إذا كان النقد الجذري للمصادر الإسلامية يكفي، وحدَه، لتجاوز البارادايم الفيلولوجي؛ وعمَّا إذا كانتِ الاستعاضةُ عن المصادر الإسلامية بأخرى غير إسلامية تهوي بنا إلى نتائج غير معقولة من منظور البحث التاريخي، وإن كانت مقبولة من منظور التحليل المنطقي!

في الجزء الثاني من هذه الدّراسة، نتعمّق أكثر في فهم حالة المستشرقين كوك وكرون، وكيف تخلّيا بدورهما عن المصادر الإسلامية، التي اعتبراها “عقيمة”، فاضطرا للجوء إلى نصّ “عقيدة يعقوب”، الذي هو نصّ يوناني ينقض العقيدة اليهودية. وهو ما سنرى أنه دفعهما، في النهاية، إلى اعتبار الإسلام متأثرا إلى حد كبير بالديانة اليهودية، أو أنّ جوهر الديانة الإسلامية يهوديُّ النزعة.

هوامش:

[1]-F, Déroche, L’étude des manuscrits coraniques en occident, op, cit, p. 658.

[2]– غيرهارد بويرينغ، البحث الأحدث حول بناء القرآن، ضمن؛ القرآن في محيطه التاريخي، مرجع سابق، ص.122.

[3]– F, Déroche, Les manuscrits du Coran, op, cit, p. 35-47.

[4]– G, Dye, Le Corpus coranique : contexte et composition, op, cit, p. 756.

[5]– كما أن هناك نقاشا كبيرا حول اسم محمد؛ هل هو اسم أم لقب تلقب به النبي في القرآن بعد أن صار صاحب رسالة ودعوة. انظر: هشام جعيط، تاريخية الدعوة المحمدية في مكة، مرجع سابق، ص. 147.

[6]– G, Dye, Le Corpus coranique : contexte et composition, op, cit, p. 752.

[7]– Shoemaker, The Death of a Prophet, p. 146. Cité par : Ibid, p. 763.

[8]– Ibid., p. 754.

[9]– باتريشيا كرون، الهاجريون، ص. 20.

[10]– G, Dye, Le Corpus coranique : contexte et composition, op, cit, p. 755.

[11]– Ibid, p. 757.

[12]– على الأقل هذا ما يمكن أن نلاحظه في تقديم بلاشير النقدي للقرآن. فبعد أن أعرب عن اقتناعه بمحدودية كتب التراث الإسلامي كما يمكن أن يستنتج من تحليلها، اعتمد عليها لفهم القرآن وتحديد تطوره وتركيبه. انظر؛ R, Blachére, Introduction au Coran, op, cit, p. 3.

[13]– غيرهارد بويرينغ، البحث الأحدث حول بناء القرآن، ضمن؛ القرآن في محيطه التاريخي، مرجع سابق، ص.122.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *