×
×

هالة وردي: تاريخ المسلمين عاديّ تماماً، والخلفاء مجرّد بشر… وتونس توشِك على الانهيار!

تقول هالة وردي: “أولئك الذين ينازعونني حقي في قراءة التراث، متحججين بأن الوصول إلى التراث أمر صعب التحقق، أجد أن مراميهم تصبو نحو منع المسلمين من تكوين رأيهم الخاص”…

على عادتها، تخرجُ الأستاذة الجامعية والباحثة في التراث الإسلامي، هالة وردي إلى العلن، لتلقي “قنابل معرفية” في محيط الحركات المتطرفة ودعاة الإسلام السياسي.

هذه المرة، كانت خرجتها في حوار مع لوموند الفرنسية، لتدافع عن مخلصات دراساتها وأبحاثها، وتعرب عن تشبّثها بكون الخلفاء مجرد بشرٍ تعاركوا على السلطة وعلى المال، وسخّروا الدّين لخدمة ذلك.

صاحبة كتاب “الخلفاء الملعونون” Les Califes Maudits وكتاب “آخر أيام محمد” Les derniers jours de Mohammed، سبق وردّ عليها المؤرخ والمفكّر التّونسي الرّاحل هشام جعيط، واعتبر كتاباتها “تحايلاً وتزويراً للتاريخ”، واصفاً مؤلّفاتها بأنها تحمل “رواية تاريخية ذات منحى أيديولوجي، لا يمكن قبُولها باسم حرّية الرأي والتعبير”.

بكلّ مهنية ودون تحيّز، نقدمُ، في هذا المقال، أهمّ الأفكار التي جاءت في حِوار هالة وردي مع لوموند، ضمن عدد 07 أكتوبر 2021

تاريخ قريبٌ من “المسرحة”…

“هذا ليس خيالاً”… هذه الجملة بالذات، كانت هالة وردي تحرصُ على تضمينها في بداية مؤلفاتها، التي تروم إعادة قراءة الفترة التي تلَت وفاة الرسول محمد. لكن، لم تفعل ذلك؟

ببساطة، لأنها تقول بأنه لم تكن هناك حاجة لإطلاق العنان للخيال ليرسُم (الخيال) مشاهِد سوريالية، لكون التراث عامرا بالمشاهد الصادمة والصور الغريبة.

لكنّ اشتغال وردي تمحور حول المأساة بشكل خاص. وذلك لمطاردة طيف ما تُسمّيه، بـ”اللعنة” التي “لا نعرف ما إذا كنا ضحية فيها أم أننا خلقناها. هذه اللعنة تفتحُ الباب على مصراعيه أمام التناقض بين الجلاد والضّحية، فالمسلمون هم ضحايا الإسلام ومعذِّبون للآخرين في نفسِ الوقت”.

فكرة المأساة، تقول وردي، “هي محاولة لإضفاء الطابع البشري المحض على الخلفاء، لأنهم مجرد بشر فقط، وليسوا أنصاف آلهة أو متحدثون باسم الحقّ الإلهي. وأنا أعتقد أن أكثر ما أذهل المسلمين الذين قرأوا كتبي، هو أنهم أدركوا أن تاريخهم مبتذل ومجرد صناعة بشرية”.

التّراث الإسلامي إذن، يشكّل مسرحاً حيّا، للمعارك على السّلطة، وعلى المال، وعلى الهيمنة. كل هذا، يجعل تاريخ المسلمين عادياً تماماً، ولا يوجد فيه مكان للمُقدّس، تقول الباحثة.

مشروع هالة: تحجيم الإسلام؟

المشاريع الفكرية المعاصرة التي تستهدف رفع القداسة عن الخلافة الإسلامية، لا تعني بالضرورة رفع القداسة عن الدين الإسلامي، في نظر معتنقيه. ذلك ببساطة، لأن الإسلام لا يعني الخلافة”.

هكذا ردّت وردي، معتبرةً أنّ الخلافة ليست حتى ركناً من أركان الإسلام، فهناك تقريبا إجماع مطلق في التراث الإسلامي على أن أركان الإسلام خمسة، فلماذا الخلافة ليست من بينها؟

الإجابة عن هذا السؤال، تجعل تهم الإساءة للإسلام وتحجيمه ورفع القداسة عنه، مجرد انطباعات، لأن نقد الخلافة يأتي ضمن محاولةٍ لربط الإسلام بالتّاريخ وصيرورته. والواقع أنّ فشل الخطاب الديني الإسلامي في قطع حبل الصرّة مع الأساطير التقليدانية، هو، بالضبط، ما لم يسمح للمُسلمين باللّحاق بركبِ الحداثة.

ما يجترّه الخطاب الإسلامي، تقول المتحدّثة، جعل الإسلام يبدو كدينٍ عفا عليه الزّمن تماماً. وهذا هو الفخ الذي لم ينتبه إليه من يساهمون في المزيد من هذا الاجترار. نحن نعتبر القرن السابع بمثابة العصر الذهبي للإسلام. لذلك، نعتقد أنه كان لزاماً أن ننظر بعقلانية لتلك اللحظة النيّرة في التّراث الإسلامي.

منذ نهاية القرن التاسع عشر ونحن نعيش ردة على مستوى مواضيع رجعية كالحجاب والجهاد؛ بينما الغريب أن المصادر السنية، تتحدّث عن الخليفة عمر الخطاب، بكثير من الأنسنة… أي عبر تسليط الضوء على ما هو إنساني في شخصه.

هذه الملاحظة تكفي لتدفعنا إلى إمكانية قراءة جديدة للتراث الإسلامي، عبر التركيز على ما هو إنساني فيه بالدرجة الأولى ونبذ كل أشكال العنف والتطرف.

المشرُوع هو في الأصل “مُحاولة صارمة وجدّية لرَفع القداسة عن تلكَ المؤسّسات السّياسية التي تمّ تقديسها بشكل خاطئ، لأن الآلة السياسية للخلافة، وقتئذٍ، اعتمدت في مكنزمات اشتغالها على دوافع أيديولوجية خالصة، واستطاعت أن تجعل من الدّين أداة للهيمنة”.

تتساءلُ وردي: أمام كل هذا الزخم من المشاريع، ما الجديد الذي جئتُ به؟ ربما تقديم المعطياتِ في رداءٍ سرديّ.

وعلى كل حال، “أولئك الذين ينازعونني حقي في قراءة التراث، متحججين بأن الوصول إلى التراث أمر صعب التحقق، أجد أن مراميهم تصبو نحو منع المسلمين من تكوين رأيهم الخاص”.

ثم تقول: ينتقدونني، أيضاً، لأنني لستُ “خبيرة” في الإسلام. لكني أرى أنّ دراسة هذه النصوص ليست فيزياء نووية. يمكن لأي شخص أن يقوم بذلك، يكفيه في هذه العملية التمكن من القراءة باللغة العربية، والإلمام بآليات تحليل النصوص وتفكيكها.

هذا هو المدخل للإصلاح الديني، “ومن خلال مشروعي، آمل أن أساهم في ميلاد إنسانية جديدة في الإسلام”.

لكن… رغم كل ذلك، لا تنكر الباحثة إدراكها لحساسية الاشتغال على المادة التراثية.

تونس… في عيون هالة الوردي!

بخصوص ما يحدث في تونس، بعد “الانقلاب الناعم” للرئيس قيس سعيد، تقول الباحثة إنّ الغموض الذي يلفّ شخصية هذا الرئيس، لا يبشر بخير، وقد يؤدي ليس إلى انهيار الدّيمقراطية الفتية لتونس فحسب، بل إلى انهيار الدولة التّونسية الحَديثة برمّتها.

خطورة الوضع التونسي، اليوم، أنها تشبه ديكتاتورية طالبان، لكن باختلاف فقط من حيث اللباس. الرئيس التونسي قيس سعيد يمكن، في أي لحظة، أن يطالب بإدراج الشريعة في الدستور التونسي. الجميع يتابع خطاباته المشحونة بالمشترك الديني.

لذلك، فالرئيس، بدون شعور، يعيد رسم ملامح الإسلام السياسي الشعبوي: الخليفة الذي يقدس سلطته، الشخص الذي أرسله الله لإنقاذ تونس، الشخص الذي يكره النّظم الديمقراطية لأنها، بحسبه، تلقي بالفاسدين إلى سدّة الحكم، إلخ.

لا شكّ أن الرّئيس يعيشُ في هيام الخِلافة الراشدة، بوعي أو بدون وعي. لقد عطّل السّلطة التشريعية، الأمر الذي لم يحدث حتى في عهد بنعلي الأكثر استبداديةً في تاريخ تونس الحديثة… الرئيس قيس سعيد لازال يقتات من الدعم الشعبي، وقد خلق فراغا سياسيا في البلد… لكن، ما مآل ذلك؟

لا أحد يدري!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *