×
×

اللغة العربية… ذكوريّة؟ 1/2

إذا وضعنا اللغة على محك الجندر (الجنوسة أو الجنسانية وفق ترجمات غير متفق عليها)، تشعبت الأسئلة.
كيف تنصف لغة ما جنسا أو تميز ضده؟ هل يمكن القول إن لغة ما ذكورية بنيويا؟ وإن كانت كذلك، هل ثمة إمكانية لتفكيك تلك الذكورية؟

في الربع الثاني من القرن العشرين، ظهرت دعوة وُصفت بالغريبة آنذاك: حذف نون النسوة من اللغة العربية.

مجمل الوثائق التاريخية تنسب هذه الدعوة إلى هدى شعراوي، التي كانت ناشطة في الدفاع عن حقوق النساء. اقتراح كهذا آنذاك كان مبكرا مقارنة مع ظهور الدراسات الجندرية، لكنه شكّل لاحقا فاتحة نقاش لا يزال الخوض فيه قائما: هل اللغة العربية منحازة (للذكور)؟

لا أحد منا رأى العالم عاريا[1]! تتميز اللغة بقدرتها على الاختزال والتكثيف الرمزي. لذلك، يظهر أنها أوجدت… غير أن هذه الميزة أفقدت الأشياء استقلالها بذاتها.

لو شئنا أن نضرب مثالا بسيطا، فلنكتب مثلا: “منزل”… إننا نختزل في كلمة مئات الملايين من “المنازل” المستقلة بذاتها والمختلفة عن بعضها البعض… جميعنا سيفهم القصد. لكن كلا منّا سيتخيل “منزلا” غير الذي تخيله الآخر.

قس على ذلك مفردات مجرّدة: سعادة، حزن، أمل…

المذكر، لدى البعض، لفظ محايد يصح للذكر والأنثى… حين نقول مثلا، “الذين”، فإنه يصح لهما معا، كما يصح لجمع نساء مع رجل واحد. بالمقابل، فإن “اللائي” لا تشمل الذكور، وإن انضاف لهن ذكر واحد، تحولت “اللائي” إلى “الذين”.

بالمناسبة، سُئل ذات يوم السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو عن دور اللغة في معالجة العنصرية والكراهية، فقال:

“ينبغي أن نعلم الطفل، الفرنسي مثلا، أن كلمة “Lapin” بالفرنسية ليست سوى كلمة ضمن آلاف الكلمات المنتمية إلى لغات أخرى، تُستعمل هي أيضا من أجل الإحالة على الشيء نفسه”.

نحن إذن نقيم ضمن حدود ما تصفه اللغة وتصنفه وفق قوانينها[2]… الإنسان كائن رمزي كما يقول الفيلسوف الألماني إرنست كاسرير.

بذلك، فإن المعنى ليس رصدا لمعرفة موضوعية موجودة في الطبيعة… إنه حصيلة ما تأتي به الممارسات الرمزية، كما تتسلل إلى النصوص وإلى أشكال التصرف في المحيط والسلوك الاجتماعي في الوقت ذاته[3].

اللغة، والحال هذه، تلعب دورا مؤسسا في بناء نظرتنا إلى العالم… لذلك، لم نره عاريا!

إلى هنا، يظهر أن الحديث سيميائي[4] صرف، يتناول دور اللغة في حياة البشر ويدرسها دون كثير مشاكل. لكن الأمر تطوّر مع بروز المذاهب النسوية وانبثاق الدراسات الجندرية[5] تسعينيات القرن الماضي.

إذا وضعنا اللغة على محك الجندر[6] (الجنوسة أو الجنسانية وفق ترجمات غير متفق عليها)، تشعبت الأسئلة. كيف تنصف لغة ما جنسا أو تميز ضده؟ هل يمكن القول إن لغة ما ذكورية بنيويا؟ وإن كانت كذلك، هل ثمة إمكانية لتفكيك تلك الذكورية[7]؟

في اللغة العربية، ما من مثال يبرز وفق البعض مشروعية هذه الأسئلة مثل: إذا انضمت أنثى إلى مجتمع ذكور، ظللنا نقول (لَهُم) أنتم. وإذا انضم ذكر إلى مجتمع إناث، ولو كن بعدد سكان الأرض، سنقول (لهم) خلاف ذلك، أنتم.

تقوم اللغة العربية على ثنائية المذكر والمؤنث، ولا نجد فيها ضمائر محايدة (It بالإنجليزية مثلا)، على أنها تُغَلّب المذكر على المؤنث[8].

والمذكر، لدى البعض، لفظ محايد يصح للذكر والأنثى… حين نقول مثلا، “الذين”، فإنه يصح لهما معا، كما يصح لجمع نساء مع رجل واحد. بالمقابل، فإن “اللائي” لا تشمل الذكور، وإن انضاف لهن ذكر واحد، تحولت “اللائي” إلى “الذين”.

أيا يكن، العرب تؤنث وتذكر كل شيء… حتى الجمادات. “يجندرون” العاقل وغير العاقل بحسب الفيلسوف التونسي فتحي مسكيني.

المسألة هنا، وفق مسكيني، ليست نحوية، فلا معنى لأن يكون البحر مذكرا والشمس مؤنثة من هذه الناحية.

المقصود ما من شأنه أن يسحب الصفات الاجتماعية لنوعي “المرأة” و”الرجل” (الصفات الجندرية)، على الصفات البيولوجية لجنسي الأنثى والذكر (الصفات ما قبل الجندرية).

كذلك ترى الأكاديمية السورية، نائلة منصور، التي تقول إن المقاربة النحوية هاهنا غير سديدة. بالنسبة لها، ليست سوى “وجهة نظر نضالية صرفة”.

حجتها في ذلك أنه، متى ما أردنا أن نعطي للتأنيث دلالة ما فوق نحوية، سنجد أن المسألة في اللغة العربية غير متسقة.

اتهام اللغة العربية بالذكورية سببه عند البعض أنها تكونت في ظل قيم “ذكورية”. أما اللغة ذاتها، فقد ذهبت إلى حد تخصيص خطاب للمؤنث دون غيره، في حين يظل خطاب المذكر فيها شاملا الجنسين دون تخصيص

مثل ذلك أن التأنيث قد يفيد التصغير التحببي أو التحقيري، إلا أنه يفيد أيضا التعظيم أو إضفاء القيمة: رجل/رجال/ رجالات، بيت/بيوت/ بيوتات…

ثم إنه، وببساطة، تحتوي اللغة العربية على كلمات مذكرة ومؤنثة في آن.

لكن ثمة مشاكل أخرى، رغم الحسم فيها، يعدّها البعض بدعة لغوية. حين تنتسب امرأة إلى حزب مثلا، يصر هؤلاء على أنها “عضو”، وإذا نابت عن رئاسته، يقولون “نائب”… وقس على ذلك.

مجمع اللغة العربية في القاهرة أكد، ومنذ عام 1978، أنه لا يجوز في ألقاب المناصب والأعمال -اسما كان أم صفة- أن يوصف المؤنث بالتذكير[9].

اتهام اللغة العربية بالذكورية سببه عند البعض أنها تكونت في ظل قيم “ذكورية”.

أما اللغة ذاتها، فقد ذهبت إلى حد تخصيص خطاب للمؤنث دون غيره، في حين يظل خطاب المذكر فيها شاملا الجنسين دون تخصيص[10].

مثل ذلك أننا حين نقول “طبيبات”، فإن الكلمة لا تشمل الذكور مطلقا، بينما لو قلنا أطباء فإننا نعني الذكور والإناث.

إذا استخدمت اللغة في كتابات منحازة، يقول الباحث الليبي جبريل العبيدي[11]، فإنه ينبغي أن يعاب على كاتبها لا على اللغة.

في نظره، السياسة والمفهوم الديني هما من ينتجان خطابا “ذكوريا”، لا اللغة التي ليست سوى وسيلة تخاطبٍ وفهمٍ وتفاهم بين الناس.

 

في الجزء الثاني نتابع: اللغة العربية ومحاولات الجندرة 2/2

[1]  عن السيميائي المغربي سعيد بنكراد… مقال “لا أحد منا رأى العالم عاريا”.
[2]  عن المقال ذاته.
[3]  عن المقال ذاته
[4]  علم دراسة العلامات.
[5]  عن الفيلسوف التونسي فتحي مسكيني… مقال “المرأة والنساء في ضوء دراسات الجندر”.
[6] يحيل على مفهوم النوع الاجتماعي أو الأدوار والسلوكيات المحددة اجتماعيا لكل من المرأة والرجل.
[7]  عن الأكاديمية السورية نائلة منصور… مقال “اللغة والجنسانية”.
[8]  عن مقال “مبادئ توجيهية في سبيل صياغة شاملة جنسانيا باللغة العربية”… منشور على موقع الأمم المتحدة.
[9]  عن المقال نفسه.
[10] عن الباحث الليبي جبريل العبدي… مقال “جندرة اللغة العربية”.
[11]  عن المقال نفسه.

 

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *