×
×

طه حسين والشعر الجاهلي: حين تجرأ الأديب المصري على “منطقة مقدسة” في الأدب العربي… 2\3

رغم أن كثيرين سبقوا طه حسين إلى التشكيك في “الشعر الجاهلي”، كما تابعنا في الجزء الأول، إلا أن إصداره كتابا في ذلك كاد يجر عليه المقصلة… فما كان رأي عميد الأدب العربي في الشعر العربي القديم؟ ذاك ما نتابعه في هذا الجزء الثاني.

يمثل “الشعر الجاهلي” منطقة تكاد تكون “مقدسة” في الأدب العربي… لكن ذلك لم يحل دون طه حسين والإفصاح عن شكوكه، التي أفرد لها كتابا خاصا عام 1926م بعنوان “في الشعر الجاهلي”.

كتاب لم يكد يصل إلى الناس حتى فتح عليه النقاد نيران أقلامهم، فكان أن أصدر بعد عام طبعة معدلة ومنقحة، أطلق عليها هذه المرة: “في الأدب الجاهلي”.

يقول طه حسين في كتابه إنه شك في قيمة “الأدب الجاهلي” حتى بلغ يقينا بأن الكثرة المطلقة مما نسميه “أدبا جاهليا” ليست من “الجاهلية” في شيء، إنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، ذلك أنها تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة “الجاهليين”.

الأديب المصري رأى أن ما تبقى من “الأدب الجاهلي” الصحيح، قليل جدا، ولا يمثل شيئا ولا يدل على شيء ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر.

هكذا، أعلن جهارا أن ما نقرؤه من شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة أو غيرهم، ليس شعرا لهؤلاء، إنما هو نحل الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين.

يقول طه حسين في كتابه إنه شك في قيمة “الأدب الجاهلي” حتى بلغ يقينا بأن الكثرة المطلقة مما نسميه “أدبا جاهليا” ليست من “الجاهلية” في شيء، إنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، ذلك أنها تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة “الجاهليين”.

مع ذلك، زعم طه حسين أن “العصر الجاهلي” القريب من الإسلام لم يضِع، ويمكننا أن نتصوره بوضوح، شريطة ألا نعتمد على الشعر، إنما على القرآن من جهة، وعلى التاريخ والأساطير من جهة أخرى.

يهدم “أسطورة شعراء الجاهلية”؟

تعرض طه حسين في كتابه إلى مجمل الشعراء الجاهليين، وأورد أمثلة من أشعارهم وراح يفكك الأسباب التي جعلته يهتدي إلى أن معظم شعرهم، إن لم يكن كله، منحول، ومن هؤلاء:

تضارب الرواة، حسب طه حسين، في اسم امرئ القيس وكنيته ونسبه وحياته، جعله يشك فيه، ثم إن بعض شعره يروي قصة حياته كما لو أنه يود أن يفسرها ويؤيدها، على نحو يؤكد أنه منحول.

كما أن شعر امرئ القيس المستقل عن الأهواء السياسية والحزبية موضوع منحول، يقول الأديب المصري، إذ يظهر عليه الضعف والاضطراب والتكلف والإسفاف.

  • علقمة الفحل

يشك طه حسين في علقمة بن عبدة لأن الرواة يكادون لا يذكرون عنه شيئا إلا مفاخرته لامرئ القيس، ومدحه ملكا من ملوك غسان… وأنه كان يتردد على قريش، ويناشدها شعره.

يرى طه حسين أن الشعر المنسوب إلى الجاهليين يظهر لنا حياة غامضة، جافة وبريئة من الشعور الديني، الذي يفترض أن يكون متسلطا على النفوس والحياة اليومية. “وإلا، فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة؟ أوَ ليس عجيبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟”.

ثم إن علقمة مات، بحسب طه حسين، بعد ظهور الإسلام، أي في عصر متأخر جدا قياسا إلى امرئ القيس، الذي يفترض أنه معاصر له.

  • المهلهل (عدي بن ربيعة)

دواعي شك طه حسين في المهلهل عديدة، نورد منها غموض شخصيته، اضطراب شعره واختلاطه، استقامة وزن شعره، اطراد قافيته، وملاءمته قواعد النحو… ومع أنه أقدم شعر قالته العرب، فإنه يتميز، بحسب طه حسين دائما، بسهولة لفظه ولينه وإسفافه.

يرى الأديب المصري أن حياة عمرو بن كلثوم محاطة بطائفة من الأساطير لا يشك أشد الناس سذاجة في أنها لون من ألوان العبث والنحل. وهو يشك في معلقته (ألا هبي بصحنك) أو في معظمها، لما فيها من إسراف في الغلو ينتهي بقائلها إلى السخف، ومن تكرار للأبيات واضطراب يذهب إلى أن مصدره اختلاف الروايات.

الجو العام الذي يبرزه “الشعر الجاهلي” يدفع إلى الشك؟

  • دينيا

يرى طه حسين أن الشعر المنسوب إلى الجاهليين يظهر لنا حياة غامضة، جافة وبريئة من الشعور الديني، الذي يفترض أن يكون متسلطا على النفوس والحياة اليومية.

إذا كان “الشعر الجاهلي” يقدم لنا العرب كأجواد كرام يهينون الأموال ويسرفون في ازدرائها، يضيف عميد الأدب العربي، فلماذا نجد في القرآن إلحاحا على ذم البخل والطمع؟

“وإلا، فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة؟” يتساءل ثم يمضي متعجبا: “أوَ ليس عجيبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين؟”.

  • سياسيا

إذا كان القرآن يحدثنا عن الروم وعما كان بينهم وبين الفرس، في حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين… فلماذا يقدم الشعر الجاهلي العرب كمعتزلين؟ يتسائل الأديب المصري.

كان العرب في الواقع على اتصال قوي بمن حولهم من الأمم، بحسب طه حسين، فالقرآن يصف اتصالهم الاقتصادي في سورة “قريش”، ويتحدث عن رحلتين إحداهما إلى الشام حيث الروم، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة والفرس. فكيف لم ينقل لنا شعرهم شيئا من هذا الاتصال؟

  • اقتصاديا

تستطيع أن تقرأ امرأ القيس كله أو غيره، دون أن تجد في أدبهم أي شيء يمثل حياة العرب الاقتصادية.

يقول طه حسين: “كنا ننتظر أن يمثلها الشعر لأنها خليقة له، وتكاد تكون موقوفة عليه، نريد هذه الناحية النفسية الخالصة التي تظهر لنا صلة العربي والمال”.

إذا كان “الشعر الجاهلي” يقدم لنا العرب كأجواد كرام يهينون الأموال ويسرفون في ازدرائها، يضيف عميد الأدب العربي، فلماذا نجد في القرآن إلحاحا على ذم البخل والطمع؟

العرب في “الجاهلية” إذن كان فيهم الجواد والبخيل، وكان منهم المتلاف والحريص…

  • اجتماعيا

لا يعنى “الشعر الجاهلي” سوى بحياة الصحراء والبادية، بل ولا يعنى بها إلا من نواح لا تمثلها تمثيلا تاما، يقول طه حسين؛ فحين يعرض لحياة المدر (مبان بالطين المبلل)، فهو يمسها مسا رقيقا ولا يتغلغل في أعماقها…

من عجيب الأمر، يضيف طه حسين، أننا نكاد لا نجد في “الشعر الجاهلي” إشارة إلى البحر، فإذا ذكر دل على الجهل لا أقل ولا أكثر، في حين يذكر القرآن أنه سخر للعرب البحر وأن لهم فيه منافع كثيرة….

  • لغويا

يرى الأديب المصري أن “الشعر الجاهلي” أبعد من أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه… ثم إنه كان هناك خلاف قوي بين لغة حِمْيَر وهي العرب العاربة، ولغة عدنان وهي العرب المستعربة.

هذا ناهيك عن اختلاف اللهجات الذي كان يفترض أن نجده في شعر القبائل، قبل أن يفرض القرآن على العرب لغة واحدة ولهجات متقاربة، يقول طه حسين، وهو ما لا نجده في “الشعر الجاهلي”.

هكذا إذن، وصل طه حسين إلى أن معظم الشعر الذي نعرفه اليوم “جاهليا”، ليس من “الجاهلية” في شيء… لكنه في ذلك لمس عش الدبابير، فثمة من يحمل هذا الشعر على محمل القداسة، على نحو تعرض فيه الأديب المصري لنقد لاذع، تجلى في كتب عديدة ألفت لدحض مزاعمه.

في الجزء الثالث والأخير، نتابع بعض الردود التي أعقبت صدور كتاب طه حسين وأهم الانتقادات التي تعرض لها عميد الأدب العربي.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *