×
×

طه حسين و”الشعر الجاهلي”: هل كان من انتقدوه يُعبّرون في الواقع عن “جهل فاحش”؟ 3\3

بعدما أوردنا في الجزء الثاني، بعض أهم الأفكار التي قدمها طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي”، داعية إياه إلى التشكيك في صحة هذا الأخير، في هذا الجزء الثالث والأخير، نتابع بعض الردود التي أعقبت صدور كتابه ذاك.

بمجرد أن صدر “في الشعر الجاهلي”، عام 1926م، راح الكثير يرغي ويزبد: كيف لطه حسين أن يتجرأ على التراث العربي القديم ويشكك في صحته؟

بالتأكيد أن طه حسين لم يأت فتحا ولم يكن أول من شك في صحة “الشعر الجاهلي”. مع ذلك، وربما لموقعه الاعتباري في الأدب العربي، سرعان ما صدرت كتب تلو الأخرى للرد عليه.

كتب مثل “نقض كتاب في الشعر الجاهلي” لمحمد الخضري، “نقد كتاب الشعر الجاهلي” لمحمد فريد وجدي، “الشهاب الراصد” لمحمد لطفي جمعة، “تحت راية القرآن” لمصطفى صادق الرافعي، وغيرها كثير.

يومها، رأى البعض أن طه حسين يزعم أن أفكاره تلك ثورة أدبية. لكنه لم يتأثر بآراء العرب القدماء فيها، إنما بآراء المستشرق الإنجليزي مرجليوث في مقاله “أصول الشعر العربي” التي أشرنا لبعض ما جاء فيها في الجزء الأول.

هؤلاء ذهبوا إلى حد اعتبار ما قاله طه حسين مجرد سطو على مقال مرجليوث، حتى قيل تهكما أن كتاب طه حسين، حاشية على متن مرجليوث.

“الشيء المؤسف حقا أن كل هذه الأبحاث قد بدأت في الستينيات من القرن الماضي (19م) ونمت واتسعت، بينما ظل “المشتغلون” بالأدب العربي في العالم العربي والإسلامي بمعزل تام عنها، وفي جهل فاحش بها”.

إحدى أهم المعارك الأدبية التي نشبت في القرن العشرين، تلك التي كان طرفاها طه حسين والأديب المصري مصطفى صادق الرافعي… و”في الشعر الجاهلي” كان بعض الحطب الذي استعرت به هذه المعركة.

في كتابه “تحت راية القرآن”، حاول الرافعي أن ينقد كتاب طه حسين، لكنه سلك في ذلك خطابا ينحو إلى شخصه عوض أفكاره.

الرافعي نفى عن طه حسين صفة الأدباء، كما رماه بضعف المخيلة وانعدام الطبيعة البشرية، وقاله إنه أول من اجترأ على الأدب العربي بالمسخ والتكلف وإنه أول من استعمل الركاكة في أسلوب التكرار كأنه “يمضغ الكلام مضغا”.

إجمالا، بدا واضحا أن الرافعي لم يحاول نقد تشكيك طه حسين في “الشعر الجاهلي”، بقدر ما استغل كتابه ليصفي حساباته معه، ولا أدل على ذلك أقواله مثل: “غفر الله لك أيها المبشر طه حسين!”.

من جهته، خاطب محمد الخضري[1] في “محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي”، طه حسين، قائلا له: “لا يريد منك أحد أن تؤمن وتطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء”.

لكن، يضيف الخضري، على شرط أن يكون النقد “بعيدا عن هذا الغلو الذي اتبعت نهجه، ولا تكون محكما لهواك فتأخذ من الأخبار ما يرضي تخيلاتك وترفض منها ما لا يتفق مع هواك”.

يبدو أن معظم من رد على طه حسين في الحقيقة، إنما ثارت ثائرتهم لخوضه في أمور دينية، ما جعلهم يقولون إن “الشعر الجاهلي” مجرد وسيلة، لغاية الطعن في الإسلام، والصد عن سبيل الإيمان، والدعوة إلى الزندقة والإلحاد

الخضري عاب على طه حسين أن يقدم أفكاره في ثقة لا تقبل شكا أو جدالا، ثم يستعمل بعد ذلك عبارات من قبيل: “فليس يبعد”، و”فما الذي يمنع”، وما إليها.

ثم يضيف أنه، إن أعوزه برهان، عمد إلى أسلوب ملتو متهرب على غرار: “ولو أن لدينا من سعة الوقت وفراغ البال ما يحتاج إليه هذا الموضوع، للهونا وألهينا القارئ”.

أما محمد الخضر حسين[2]، في كتابه “نقض كتاب في الشعر الجاهلي”، فعاب على طه حسين أسلوبه الإيحائي الذي لا يعتمد الدقة الدلالية في الأفكار والمعاني على حد تعبيره.

مثل ذلك، يقول، أنه يريك البياض والسواد في نقطة، مثل رفضه شعر امرئ القيس لأن “لا شيء” منه قحطاني اللغة، ثم عودته إلى القول إن “أكثر شعره” ليس هو منه في شيء.

محمد الخضر يرمي أيضا طه حسين بقلة الخبرة بحياة الجاهليين ويصفه بالسذاجة وفساد القريحة، وبالرافضة في أكثر من موضع، ويقول إنه مخادع غير مخلص، وإنه إما مجنون غائب العقل، أو قاصد للهزل فقط بكلام المجانين هذا الذي يقوله، ويرميه كذلك بالكذب، وبالزندقة من طرف خفي.

الباحثون الأوروبيون اشتغلوا منذ سنة 1861 على أقل تقدير، على موضوع صحة الشعر الجاهلي، ووصلوا إلى نتائج لا تزيد كثيرا عما وصل إليه ابن سلام الجمحي قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون.

بهذا القدر نكتفي، إذ يبدو أن معظم من رد على طه حسين في الحقيقة، إنما ثارت ثائرتهم لخوضه في أمور دينية، ما جعلهم يقولون إن “الشعر الجاهلي” مجرد وسيلة، لغاية الطعن في الإسلام، والصد عن سبيل الإيمان، والدعوة إلى الزندقة والإلحاد[3].

على أن طه حسين لم يواجه هؤلاء وحيدا، إنما ثمة من وقف بجانبه، مثل المفكر المصري عبد الرحمن بدوي.

في كتابه “دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي”، يقول بدوي: “علام كل هذه الضجة الزائفة… فاتهموه (طه حسين) بالمروق والتهجم على التراث العربي العريق والرغبة في تحطيم أمجاد العرب والانسياق وراء “مؤامرات” المستشرقين… فهل كان ابن سلام الجمحي “مستشرقا”، و”متآمرا” على التراث العربي؟”.

بدوي يورد أن الباحثين الأوروبيين اشتغلوا منذ سنة 1861 على أقل تقدير، على موضوع صحة الشعر الجاهلي، ووصلوا إلى نتائج لا تزيد كثيرا عما وصل إليه ابن سلام الجمحي قبل ذلك بأكثر من عشرة قرون.

المفكر المصري يرى أن أبحاث هؤلاء امتازت بالاستناد إلى “الأسانيد التاريخية الموثقة ونتائج اكتشاف لغات جنوب شبه الجزيرة العربية بفضل ما جمع من نقوشها، وما أدى إليه البحث المقارن في تاريخ أوليات الآداب في الأمم المختلفة، كما امتازت باستعمال النقد التاريخي والفيلولوجي (فقه اللغة) الدقيق”.

ثم ختم كلمته قائلا: “الشيء المؤسف حقا أن كل هذه الأبحاث قد بدأت في الستينيات من القرن الماضي (19م) ونمت واتسعت، بينما ظل “المشتغلون” بالأدب العربي في العالم العربي والإسلامي بمعزل تام عنها، وفي جهل فاحش بها”.

ربما كان في هذا، يقول عبد الرحمن بدوي، تفسير لـ”الدهشة الحمقاء”، التي قوبل بها كتاب طه حسين.

يظهر إذن أن طه حسين لمس منطقة حساسة في الأدب العربي، فهل كانت نظريته صحيحة؟ ذاك ما يبدو أن الوصول إلى نتائج قاطعة عنه، سيكون صعبا، رغم إشباع القول فيه.

 

[1]  فقيه أصولي ومؤرخ مصري.
[2]  فقيه أصولي، تونسي المولد، وكان شيخا للأزهر بين 54/1952م.
[3]  اعتمدنا في الشق المتعلق بالردود على طه حسين، على دراسة للطالبة نجوى عبد العزيز، بعنوان “أشهر الردود على كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين”، مقدمة لنيل درجة الماستر في الأدب العربي بجامعة أم القرى بالسعودية (2005).

 

اقرأ أيضا:

تعليقات

  1. مها الأولى و الآخرة

    لدي مجرد ملاحظة تتعلق بالمنهجية
    لا شك أن أرثا بهذا القدم في ثقافة شفوية لا يسلم مما ذهب إليه طه حسين
    لكن لا يمكن الإعتماد على الفيلولوجيا و القرآن كمرجع متأخر للحسم و بهذه القطعية الخطيرة في أن جل الشعر القديم منحول
    من ناحية ثانية ما مدى معرفتنا بالحياة (الجاهلية) حتى نصدر عليها أحكاما مرجعنا فيها (اسلامي) هناك فجوة كان الأجدر العمل على جسرها ما أمكن مستخدمين تقاطع جملة من العلوم الحديثة على الطريقة الأركونية و هو ما لا علم ولا قدرة لطه حسين عليه لسبب بسيط جدا أنه حبر كتابه منذ قرن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *