×
×

بين الفتوة والصعلكة… هذا ما يعنيه أن تكون شابا عربيا فيما مضى! 3/1قبل ظهور الإسلام

كانت في “الجاهلية” طبقتان مختلفتان: الفتيان وهم أولاد الأغنياء من الشباب كامرئ القيس وطرفة، ويقابلهم الصعاليك وهم أولاد الفقراء.

لكل كلمة تاريخ، وتاريخ الكلمات شأنه شأن أنواع التاريخ الأخرى. قد يكون معقدا حتى لأنه يجعل الباحث يجتهد في تقليب نصوص كثيرة، في عصور مختلفة، عله يستخلص مختلف المعاني التي حملتها قبل أن تصل إلينا.

ذاك ما فعله المفكر المصري أحمد أمين ببحثه في كلمة “فتوة”، فخلص عام 1951م إلى تأليف كتاب عنونه “الصعلكة والفتوة في الإسلام”.

أحمد أمين، من خلال قراءات مختلفة، لاحظ أنه كان لشباب المنطقة العربية قديما، نظام خاص يعيشون في إطاره. في هذا الملف، اعتمادا على كتابه، نتابع كيف كانت عيشتهم، وما الذي كان يعنيه أن تكون فتى أو صعلوكا آنذاك.

الفتوة في الأصل تعني الشباب. فتي يفتى؛ أي صار شابا. ويقال للشاب فتى وللشابة فتاة. وصف الفتوة يصدق على الإنسان كما على الحيوان.

في الواقع، لم تكن هنالك في “الجاهلية” جماعة تدعى الفتيان. كل ما في الأمر أن الكلمة كانت تطلق على أفراد معينين داخل كل قبيلة.

المعنى الذي قصده طرفة كان أكثر شيوعا، على غير ما ذهب إليه زهير أو الدرامي، وذلك لغلبة اللهو في الحياة داخل شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام على حياة الجِد.

بجانب صفة الشباب، هؤلاء كانوا يتصفون أيضا بصفةً بيّنة من الصفات، قد تكون الكرم أو النجدة أو العقل والفصاحة أو غير ذلك.

هذه الصفات في الغالب تكون محمودة داخل قبيلة الفتى، وقد يحدث أن نجدها لدى قبائل أخرى صفات غير محمودة.

يقول الشاعر:

يا عز هل لك في شيخٍ فتى أبدا … وقد يكون شبابٌ غيرَ فتيان

نلاحظ هنا مثلا أن الكلمة استعملت للدلالة على القوة أيضا؛ يقول ابن قتيبة: “ليس الفتى بمعنى الشباب والحدث، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرجال”.

اقرأ أيضا: هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية! 2/1

ثم يظهر أن الكلمة تخضع للبيئة التي تستعمل فيها. فالفتوة بالنسبة لطرفة بن العبد، مثلا، مما نقرأه في شعره، شجاعة وكرم، وإتلاف للمال في الجد والهزل، وعدم اعتداد بالحياة سواء في السلم أو الحرب.

وهي كذلك في قول الخنساء إذ ترثي أخاها:

أمطعمكم وحاميكم تركتم … لدى غبراء منهدم رجاها

ليبك عليك قومك للمعالي … وللهيجاء إنك ما فتاها

تقصد إنك فتاها، و”ما” زائدة.

لم تكن كلمة صعلوك تحمل دلالة سيئة، ومن ذلك ما يروى من أن معاوية بن أبي سفيان تمنى أن يصاهر عروة بن الورد مع أنه صعلوك.

ثم من أهم صفات الفتى… الرزانة والفصاحة في اللسان، أو كذلك كان يراها الشاعر زهير بن كعب:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده … فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

وهذا مسكين الدرامي هو أيضا يرسم صورة أخرى للفتى، فيجعل من أهم سماته حفظ السر:

وفتيان صدق لستُ مطلع بعضهم … على سر بعض غير أني جماعها

لكن امرئ شِعبٌ من القلب فارغ … وموضع نجوى لا يرام اطلاعها

يظنون شتى في البلاد وسرهم … إلى الصخرة أعيا الرجال انصداعها

لكن يظهر، بحسب أحمد أمين، أن المعنى الذي قصده طرفة كان أكثر شيوعا، على غير ما ذهب إليه زهير أو الدرامي، وذلك لغلبة اللهو في الحياة داخل شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام على حياة الجِد.

الفتوة والصعلكة… ما الفرق؟

يبدو أنه كانت في “الجاهلية” طبقتان مختلفتان: الفتيان وهم أولاد الأغنياء من الشباب كامرئ القيس وطرفة، ويقابلهم الصعاليك وهم أولاد الفقراء.

الصعلكة كما وردت في كتب اللغة تعني الفقر، والصعاليك شبان فقراء، يسمون أيضا بـ”ذؤبان العرب” لأنهم يختطفون المال كالذئاب، وأيضا بالعدائين لاشتهارهم بالسرعة في العدو إذا سلبوا أو نهبوا.

اقرأ أيضا: المرأة “الزوجة” في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام… 3/1

لكن، ومع فقرهم، يلاحظ أمين أنهم كانوا نبلاء. من نبلهم، أنهم كانوا لا يهجمون سوى على الأشحاء البخلاء من الأغنياء، فإذا وجدوا غنيا كريما تركوه.

الصعلكة في الواقع كانت نتاجا للحالة الاجتماعية في شبه الجزيرة العربية. أكثرهم كان فقيرا لا يجد ما يأكله. وإذا غنموا شيئا من غارة أو نحوها، فشيخ القبيلة كان يأخذ من الغنيمة نصيب الأسد ويترك لهم الفتات.

في البداية لم تكن كلمة صعلوك تحمل دلالة سيئة، ومن ذلك ما يروى من أن معاوية بن أبي سفيان تمنى أن يصاهر عروة بن الورد مع أنه صعلوك.

وقد اشتهر كثير من العرب بالصعلكة. أبرزهم عروة بن الورد المعروف بـ”عروة الصعاليك”، وتأبط شرا، وسليك بن السلكة. هؤلاء كانوا مضرب مثل في الصعلكة، أو ربما جمعوا بين الصعلكة والشعر فأظهرهم.

أما الصعاليك الآخرون، فأكثرهم مغمور أو مجهول.

الصعلكة في الواقع كانت نتاجا للحالة الاجتماعية في شبه الجزيرة العربية. أكثرهم كان فقيرا لا يجد ما يأكله. وإذا غنموا شيئا من غارة أو نحوها، فشيخ القبيلة كان يأخذ من الغنيمة نصيب الأسد ويترك لهم الفتات.

اقرأ أيضا: الحنيفية: عن دين إبراهيم في “الجاهلية”! 3/1

ثم إن محصول الأرض كان قليلا محدودا، لا يكفيهم ليعيشوا سعداء. كانت حالتهم في الغنى والفقر أشبه ما يكون بحالتنا اليوم… كثير فقير وقليل غني!

على أن الصعاليك تميزوا بخصلة فريدة، ذلك أنهم كونوا جمعية من فقراء قومهم يصرفون عليهم بالتساوي ما كسبوه من الأغنياء الأشحاء.

لم يكونوا ليرتكبوا الخطأ الذي وقع فيه الأشحاء من الأغنياء، ولهذا كانوا يفرقون بالسوية بينهم ما يحصلون عليه.

الفتيان يمنحون ما يعطون وهم مترفعون، أما الصعاليك فيفعلون وهم يعتقدون أنهم مع زملائهم الفقراء متساوون.

أكبر ميزة عرف بها عروة، مثلا، أنه كان رجلا يشعر بالناس أكثر مما يشعر بنفسه، ومما هو مأثور عنه، قوله في ذلك: “أقسم جسمي في جسوم كثيرة”.

هكذا، كان أبناء الفقراء يعيشون على الغزو والسلب؛ لكنهم كانوا كرماء، واشتراكيين إن صح التعبير، يوزعون الغنائم فيما بينهم على نحو عادل.

بالمقابل، كما تابعنا، نجد الفتيان أو أبناء الأغنياء. كانوا في الغالب يتخذون لهم محلا مختارا، يعيشون فيه على الخمر والغناء والنساء. وهم أيضا كانوا كراما، يضيفون من ينزل بهم ويغدقون عليه بخيراتهم.

على أنه كان ثمة فرق، فالفتيان يمنحون ما يعطون وهم مترفعون، أما الصعاليك فيفعلون وهم يعتقدون أنهم مع زملائهم الفقراء متساوون.

بعبارة أخرى، يعطي الفتيان عطفا وتفضلا، بينما يعطي الصعاليك أداء لما يرونه واجبا.

في الجزء الثاني نتابع الدلالات التي أخذت تحملها الفتوة بعد ظهور الإسلام.

لقراءة الجزء الثاني: الفُتوّة في صدر الإسلام… كلمة واحدة ومعانٍ متعددة! 3/2

لقراءة الجزء الثالث: ما الذي استفاده العرب من انتشار الفتوة والصعلكة؟ 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *