×
×

المرأة “الزوجة” في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام… 3/1

نتابع في هذا الملف جانبا من الحياة الاجتماعية لدى عرب الجزيرة قبل ظهور الإسلام، يتعلق بمؤسسة الزواج. هذا الجزء، الأول، نتحدث فيه عن المكانة التي تبوأتها المرأة حينذاك، بينما سنتابع في الأجزاء اللاحقة، أنواع الزواج التي شاعت بين “الجاهليين”.

مؤسسة الزواج قديمة، وهي مشترك بين الإنسانية… العرب في “الجاهلية” أيضا كانوا يتزوجون. لا غريب في هذا، لكن المجتمع “الجاهلي”، على غرار مجتمعات أخرى حينذاك، تميز بـ”الفوضى” الأسرية بفعل تعدد أنواع الزواج فيه.

في هذا الملف، اعتمادا على كتاب المؤرخ اللبناني، محمد قطوش، “تاريخ العرب قبل الإسلام”، نبحث في أنواع الزواج التي عرفها المجتمع “الجاهلي”، على أننا سنخصص قبل ذلك هذا الجزء، الأول، لذكر ملامح عامة عن دور ومكانة المرأة، الزوجة، عند العرب في “الجاهلية”.

قبل أن ينسب الابن إلى أبيه، كان السائد في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام[1]، أنّ القرابة تكون بصلة الرحم؛ أي أن الانتساب يكون إلى الأم.

يومها، كانت المرأة تتزوج من أزواج كثر، غير مُعيّنين؛ فالرجل كان يجتمع بواحدة فيتزوجها ثم يتركها ليجتمع بأخرى، وإذا جُهِل الرجل الذي استولد امرأة ما، نسبت ابنها إليها.

هذه “الفوضى” الأسرية، كان يزيد طينَها بلةً منطقُ الغزو؛ فالمنتصر كان يعيث فسادا، وينتهك الحرمات، ويستبيح الأعراض. هكذا، يولد أولاد كثر لا تَعرف أمهاتُهم آباءَهم، فلا يبقى أمامهن سوى أن ينسبنهم إليهن.

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

الواقع أن قبائل كثيرة في شبه الجزيرة العربية، حينذاك، كانت تنتسب إلى أمها؛ مثل: بنو خندف، بنو مزينة، بنو بجيلة، بنو رقية، وغيرها.

ثم قبل ظهور الإسلام بقليل، أخذ نظام الأمومة يضمحل، ويحل مكانه النظام الأبوي. ولهذا تفسيره.

كانت المرأة الحرة في  “الجاهلية” على شيء من المكانة، غير مهملة، لها قدرها ومنزلتها، وتتمتع بكثير من الحرية؛ فهي تمتلك المال وتتصرف فيه كما تشاء، وتستشار في بعض الأمور وتشارك الرجل في كثير من أعماله.

يقول المؤرخ اللبناني محمد طقوش في كتابه “تاريخ العرب قبل الإسلام”، إن ذلك كان بفعل الدور الحاسم الذي كان يؤديه الرجل للجماعة القبلية في الحياة اليومية، وأيضا في الحياة الاجتماعية.

هذا النظام الجديد تميز بسلطة الأب المطلقة على العائلة، مقابل استقرار المرأة في المنزل لتقوم بأشغاله؛ فالقاعدة العامة التي انبنى عليها هذا النظام، كانت تتعلق بكون الرجال قوامين على النساء.

اقرأ أيضا: هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية!

إجمالا، عرف المجتمع “الجاهلي” صنفين من النساء؛ الحرائر والإماء.

المرأة الحرة تبوأت حينذاك دورا مهما، سواء في زمن السلم أو زمن الحرب. كانت موضع تقدير من الرجل، وحظيت بمكانة كبيرة، بل إنّ مِن الملوك مَن لم يتحرج من الانتساب إلى أمه؛ مثل المنذر بن ماء السماء[2]، ملك الحيرة.

عمل الحرة في حالة السلم توزع بين مساعدة زوجها في الزراعة إذا كانت الأسرة تعيش في منطقة زراعية، وبين الأعمال المنزلية كالطهي وحلب الأغنام والإبل وغزل الصوف وغيره، بجانب احترافها أحيانا للتجارة والرضاع وتقويم الرماح وغيرها من الأعمال الحرة التي تدر عليها مالا تعتمد عليه في حياتها.

أما في حالة الحرب، فكثيرا ما كان المقاتلون يصحبون زوجاتهم إليها. كن يقفن حول القبة التي توضع بها الآلهة أو الأصنام ويرفرف فوقها لواء الحرب، ثم يقمن بتشجيع المقاتلين ويشددن على عزائمهم بما ينشدن من أناشيد حماسية، يسقينهم ويداوين الجرحى بل ويشاركن في القتال أحيانا.

بالمثل، كان الزوج يحظى بأهمية استثنائية في حياة الزوجة؛ ترعاه وتخاف عليه من القتل، فإذا مات ناحت عليه وحزنت عليه أكثر من أقربائه.

اقرأ أيضا: البيمارَسْتانات… مستشفيات العرب في صدر الإسلام! 1\3

من شواهد ذلك أنه على إثر هزيمة أحد، مثلا، أُبلغت حمنة بنت جحش بمقتل خالها، حمزة (عم النبي)، ثم بمقتل أخيها عبد الله، وفي الحالين قالت: “إنا لله وإنا إليه راجعون، غفر الله له ورحمه، هنيئا له الشهادة”، وحين أبلغها النبي بمقتل زوجها مصعب بن عمير، قالت: “واحزناه”. يومها قال النبي: “إن للزوج من المرأة مكانا ما هو لأحد”[3].

كان الأمر بالنسبة للمرأة الأمة مختلفا، وقد كن كثيرات متنوعات، منهن من يشتغلن في امتهان الجنس، والقينات ومن يخدمن الشريفات، وكن وفق كتاب “تاريخ العرب قبل الإسلام”، في منزلة وضيعة.

من النساء، أيضا من ظلت، بعد وفاة زوجها أو مقتله، وفية لذكراه، فلا تتزوج بعده ثانية البتة؛ كما فعلت هند بنت النعمان بن المنذر، التي ترهبت بعد مقتل زوجها عدي بن زيد، فحبست نفسها في ديرها، رافضة الزواج بعده.

وجدت في المجتمع “الجاهلي”، كذلك، وإلى جانب المرأةِ الحرة، المرأةُ الحرة الشريفة، وقد تبوأت منزلة رفيعة. كانت تختار زوجها وتتركه إذا لم يحسن معاملتها، بل إن علو منزلتها بلغ حد أنه كانت تحمي مَن يستجير بها، وترد إليه حريته إذا استشفعَ بها.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: حول البخاري وأصحابه

هكذا إذن، كانت المرأة الحرة في “الجاهلية” على شيء من المكانة، غير مهملة، لها قدرها ومنزلتها، وتتمتع بكثير من الحرية؛ فهي تمتلك المال وتتصرف فيه كما تشاء، وتستشار في بعض الأمور وتشارك الرجل في كثير من أعماله.

بالمقابل، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للإماء، وقد كن كثيرات متنوعات، منهن من يشتغلن في امتهان الجنس، والقينات ومن يخدمن الشريفات، وكن وفق كتاب “تاريخ العرب قبل الإسلام”، في منزلة وضيعة.

العربي الذي يستولد الأمَة، مثلا، لا ينسب أولادها إليه إلا إذا أظهروا بسالة تشرفه؛ مثل ما فعل عنترة بن شداد، الذي لم يلحقه أبوه بنسبه إلا بعد أن أبان على شجاعة منقطعة النظير.

الزواج عند العرب قبل ظهور الإسلام؛ أي في “الجاهلية”، كانت أنواعه متعددة، ومنها ما سيبدو اليوم غريبا، بيد أنه اختفى بظهور الإسلام الذي حرمها… وذاك ما سنتعرف عليه في الجزء الثاني من هذا الملف.


[1] نشير إلى أن ما سيرد في هذا الملف، يتعلق بـ”الجاهليين” الذين عاشوا في الحجاز قبل ظهور الإسلام بقليل، ولا ينطبق بالضرورة  على قدماء “الجاهليين”، وذلك لشح المصادر التاريخية.
[2]  أمه تدعى مارية بنت عوف، وقد عرفت بجمالها، فلقبت نظير ذلك بـ”ماء السماء”.
[3] عن ابن هشام.

لقراءة الجزء الثاني: الزواج عند عرب “الجاهلية”: المرأة أيضا تُعدّد… 3/2

لقراءة الجزء الثالث: الزواج عند عرب “الجاهلية”: يمكن لرجلين أن يتبادلا زوجتيهما… 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *